منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خلل التدبير وتهافت التبرير

د. أحمد زقاقي

0

 

لا شك في أن مجموعة من الشركات الأجنبية التي فازت بصفقات التدبير المفوض في مجموعة من الدول العربية والإسلامية، فازت أيضا بصفقات التدبير المفوض لمدن وجماعات في بلدانها الأصلية، حيث اتسم تدبيرها هنا بالجودة والشفافية والاحترام التام لدفتر التحملات، بينما اتسم تدبيرها هناك في مدن “الأجانب والغرباء” بالعشوائية والتخبط والإخلال بالشروط المضمنة في دفتر التحملات، وضرب استقرار العمل والأجور مما أدى إلى تشريد آلاف من العمال، لفهم هذه المفارقة لا بد:

1 . من الانتباه للسياق الدولي بعد انهيار المعسكر الشرقي، مما أدى إلى اختفاء “القطبية الثنائية” من النظام السياسي الدولي، ليَخلُفه نظام جديد كانت فيه اليد الطُّولَى للغرب بقيمه وافكاره، وسوقه واقتصاده، وترغيبه وترهيبه، وغالى بعض مفكريه “كفوكوياما” في إبداء مشاعر الانتشاء “بالنصر” فتحدث عن “نهاية التاريخ”.

2 . وملاحظة زحف “العولمة”، بالسعي إلى فرض خصوصية عالمية واحدة وضرب الخصوصيات المخالفة للدول والشعوب عُرض الحائط، وفرض قيم الغرب ورؤاه الفلسفية عبر تنظيم مؤتمرات عالمية عن المرأة والنوع، وحقوق الإنسان والإسكان والإرهاب ومناهج التدريس والتعليم، واستمالة أنظمة عربية وإسلامية مستبدة بالرشاوى والمساعدات المشروطة لإخضاع الشعوب، والقضاء على كل الحركات الاحتجاجية الطامحة إلى التحرر واستعادة زمام المبادرة حتى لا يُصادر حقها في اختيار من يحكمها، وانتهاءً بتكوين نخبة من “الصهاينة الوظيفيين” تنخرط في “العمالة ” بضمير مرتاح.

3 . في المغرب، كان الانقلاب على قيم “اليسار” المتمحورة حول مطلب “العدل” هو عنوان السياسة الاجتماعية “لحكومة التناوب” بقيادة السيد عبد الرحمان اليوسقي – رحمه الله-، وظهرت مصاديق ذلك الانقلاب أولا: في اعتماد سياسة “الخوصصة” للقطاعات الاقتصادية المهمة عملا بتوجيهات “صندوق النقد الدولي”، وثانيا: في اعتماد سياسة التدبير المفوض للمدن المغربية، لا سيما مرافق: توزيع الماء والكهرباء، والنظافة وجمع النفايات ومطارح الأزبال، والنقل الحضري، وثالثا: في ضرب استقرار الوظيفة العمومية من خلال “المغادرة الطوعية”. وفي كل مرة كان يتم اللجوء إلى التبرير تحت عنوان “إكراهات المرحلة”، وكان قسم آخر من اليسار يوجه اتهامات تلو الأخرى “لليسار” الحاكم.

المزيد من المشاركات
1 من 83

4 . استمرت عملية التدبير المفوض والخوصصة و”إصلاح” الوظيفة العمومية (والحقيقة هي إفسادها “بالتوظيف بالتعاقد” وفصل “التوظيف” عن “التكوين” بوتيرة أسرع بعد تولي حزب “العدالة والتنمية” المحسوب على الإسلاميين رئاسة الحكومة، وهو حزب جىء به للالتفاف على مطالب الشعب المغربي بإسقاط الفساد والاستبداد، وجيء به للبصم لا للحكم، وللتبرير لا للتقرير، وتم التلبيس على الناس بِلَفِّ المطالب في خِرَق الشعار الإسلامي والوَعد الخيالي، وانخدعت نُخب كثيرة من “إسلاميي المشرق” بفعل دعاية الحزب، الذي كان بعض قيادييه يقطعون الأرض شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، من مؤتمر لمؤتمر، ومن ندوة لندوة، يصورون لهم الأمر أنه “تمكين” للتيار الإسلامي بالمغرب، ويُشَيطنون تيار الممانعة “العدل والإحسان” ويصفونه بأنه “متهور” و”عدو للملك” و”يبني استراتيجية عمله على “الرؤى والمنامات”، ولم يكتشفوا زيف هذه الادعاءات حتى فوجؤوا بتوقيع رئيس الحزب على اتفاق التطبيع المُذِل مع “الكيان الصهيوني” ، فأوسعوه سبّا وشتما تَنزَّه عنه من كانوا يعرفون اللعبة منذ البداية، إنه منهج في العلم والعمل، والتخطيط والمشاركة السياسية، أدى إلى الانسداد، والعقم في الأفكار، والانقلاب على قيم “العدل” و”الصدق” في الإسلام، والسير على نهج “ذرائعية ميكيافيلية” تستخدم “الدين” من أجل “السياسة”.

5 . إن التحالف بين “المتكلمين” (النخب) ” والمتسلطين” هو الذي أتاح لشركات التدبير المفوض الأجنبية مراكمة ترواث خيالية على حساب مستضعفي الشعوب العربية والإسلامية، وعلى حساب معايير الجودة والفعالية، ولكم ضَجَّ الناس بالشكوى من هذه الشركات، ولم يجدوا من يسمع لهم، ويلبي نداءهم في دوائر الحكم: “ريضال” بالرباط وسلا، “ليديك” بالدار البيضاء، “أمانديس” بطنجة وتطوان”. . . إلخ، ضاقت الأرض على المستضعفين بما رَحُبت، يشكون إلى الله “اللصوص المُتَغلِّبة” التي تدعو الناس إلى بذل طاعة مطلقة، وعلى الرقاب سيف آية المُصلت (بعد تحريف معناها) : “يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، وأحسن الزمخشري –رحمه الله- التعقيب على هذه الآية مُفَسِّرا بالقول: ” : ” لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن ـ أمراء الجور ـ الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان… وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم مُنسَلِخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة” (الكشاف 1/524)

  1.  في العمق، بدون حل معادلة “القلب” و”العقل” سيظل السلوك الإنساني متخبطا ومترددا، وجشعا متوحشا، مراوغا مخاتلا، فالقلب يؤمن ويعتقد ويشعر، والعقل يبرر، ويلتمس الحجج، ويخطط، وينظم، أما “الحياد التام” فأسطورة من الأساطير التي يجدر بالإنسان العاقل أن يهجُرها ويتخلى عنها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.