منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ملامح المنهج التربوي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وأهميته في تجاوز القصور

ذ. حمزة شرعي

0

ملامح المنهج التربوي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

وأهميته في تجاوز القصور

 

The features of the educational method of sheikh Mohammed Al-Taher Ibn Ashour

and its importance in overcoming deficiencies

ذ. حمزة شرعي

طالب باحث – جامعة محمد الأول

وجدة – المغرب

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد العاشر

 

ملخص:

يهدف البحث إلى بيان أهم المرتكزات التي بنى عليها ابن عاشور منهجه التربوي، والتي تعكس رؤيته الإصلاحية للشأن التربوي التعليمي، وذلك من خلال الوقوف على كتاباته وإسهاماته التربوية، التي جاءت وفق رؤية مقاصدية، ومنظومة قيمية وأخلاقية، تتصل بمنهج خاص في التفكير وطريقة مخصوصة في الاشتغال التربوي، عمل من خلالها على تحقيق حصول مقاصد التعليم في هذا الزمان؛ من ترسيخ لقيم الإيمان، وتعميق لمهارات التفكير لدى الإنسان. وتنبع أهمية هذا البحث من أهمية المنهج التربوي ومكانته في العملية التعليمية، والتي تفرض ضرورة الاهتمام بالتطوير المستمر للمنهج باعتباره وسيلة فعالة من وسائل تحقيق أهداف التربية والتعليم. وقد اتبعت في هذا البحث المنهج الوصفي، والمنهج الاستقرائي التحليلي؛ إذ سوف يقدم الباحث جانبا وصفيا يتناول فيه أهم المرتكزات التربوية عند الإمام ابن عاشور، التي تم بموجبها التحديد المعرفي والنوعي لهوية منهجه التربوي، ثم تتبع أهم اختياراته وآرائه التي رامت النهوض بالشأن التربوي والتعليمي، المبثوثة في مؤلفاته وعلى رأسها كتابه الموسوم ب: «أليس الصبح بقريب». وقد سجل البحث جملة من النتائج منها: أن التربية عند ابن عاشور تقوم على رؤية مقاصدية قيمية عمرانية. ثم إن الاهتمام بالنظر، والتفكير، والتأمل، من العوامل المهمة للتفوق في الميادين النظرية والتطبيقية.

الكلمات المفتاحية: المرتكزات التربوية. الإصلاح التربوي. التنشئة الاجتماعية. جامع الزيتونة.

Abstract:

The aim of this research is to manifest the major foundations upon which Ibn Ashour based his educational approach that reflects his proper reformist vision of the educational system. The importance of this research lies in the usefulness of the educational methodology and its place in the teaching process, which imposes the need to pay attention to the continuous development of the methodology as an effective means of achieving the goals of education and teaching. To reach the objectives, this paper adopts descriptive and inductive methods to address educational foundations of Imam Ibn Ashour in his work that is thoroughly examined, particularly the book entitled: «Alisa Sobh Bi Qarib» «isn’t the morning near?» The researcher concludes that education, for Ibn Ashour, is based on objective vision. That is, he investigates the educational issues with a common vision of purposes and priorities based on fundamental ethical values related to a special approach of thinking through which he worked to achieve the attainment of educational purposes; from consolidating the values of faith and deepening the thinking skills of human. It also finds that viewing, thinking, and meditating are the basic elements to succeed in the theoretical and practical fields.

Keywords: Socialization, Vision, Education, Reform, Foundations, Ibn Ashour, Al-Zaytouna Mosque.

مقدمة:

لقد مرّ علينا حين طويل من الدهر كنا ننظر لتراثنا التربوي الإسلامي نظرة ازدراء وتجاهل، ونحن معذورون بعض العذر بحكم التبعية الكاملة للفكر الغربي بأصوله السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والوقوع ضحية الإعجاب الكامل بهذا الفكر، والعكوف عليه ترجمة ونقلا، بعد أن ران الجمود على عقولنا، فانبهرنا بثقافة الآخر المسيطر، وتساهلنا في قبول أفكاره، واعتقدنا الخذلان في شريعتنا أن تكون أساسا للنهضة مرة أخرى، حتى انقلبنا ضد قيمنا وذاكرتنا وخصوصياتنا الحضارية، فضاعت هويتنا، وتاهت عقولنا، وهرمت أحزاننا…

وجدير بالأمة الإسلامية وهي على هذا الحال أن تدرك محلها من المتغيرات والتحديات الجديدة المعاصرة، وحري بنا ونحن نتناول قضايا البحث التربوية – وهي من أكثر ما يمكن أن يتأثر في ظل هذه المتغيرات – أن نعيد النظر والنقاش في كثير من أهدافنا وبرامجنا ووسائلنا التربوية. حيث إن «الصراع الكبير اليوم في أكثر من بلد عربي وإسلامي هو صراع التعليم، وتفريغه من كل ما ينشئ الروح الإسلامية، والعقلية الإسلامية، والنفسية الإسلامية، ومحاولة استغلال فترة غياب الهوية، وتذبذب الأصالة، وظهور تيار التغريب للهيمنة بالقوة على التعليم والتوجيه، والإعلام، والتثقيف[1].

إذ لما غيبت الفلسفات الوضعية الدين وقيمه السامية عن نظم التعليم والتربية وجميع العلاقات الإنسانية والفكرية، فإنها قد فتحت بذلك أبواب الأزمات الأخلاقية والانحرافات السلوكية داخل المجتمعات، مما أدى إلى انحطاطها وانهيارها. وفي ذلك يقول الأستاذ محمد فتح الله كولن: «إن رقي أي أمة وتقدمها، مرتبط بمدى التربية التي يتلقّاها أفرادها من الناحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمة لم تتوسع آفاق أفرادها الفكرية والوجدانية»[2].

وحفاظا على الهوية الوطنية والثقافة الإسلامية، في ظل المحاولات المستمرة من الداخل والخارج لطمس الهوية الإسلامية، والتأثير على وعي المسلم بقضيته، وإضعاف ذاكرته الوطنية، رأيت أن أقف على أفضل الأساليب وأجداها في إعادة صياغة عقلية الإنسان المسلم، بدلا من الوقوف جامدا حيال ما يجري من أحداث. وذلك من خلال الوقوف على كتابات وإسهامات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور التربوية، ومعرفة أهم المرتكزات التي شكّلت منهجه في التربية والتعليم، والتي جاءت وفق رؤية مقاصدية، ومنظومة قيمية وأخلاقية، تتصل بمنهج خاص في التفكير وطريقة مخصوصة في الاشتغال التربوي، عمل من خلالها – رحمه الله – على تحقيق حصول مقاصد التعليم في هذا الزمان؛ من ترسيخ لقيم الإيمان، وتعميق لمهارات التفكير لدى الإنسان…

وتُحدد مشكلة البحث في السؤال الرئيسي التالي:

ما هي أهم المرتكزات التي بنى عليها ابن عاشور منهجه التربوي؟

كما تنبع أهمية هذا البحث من أهمية المنهج التربوي ومكانته في العملية التعليمية، والتي تفرض ضرورة الاهتمام بالتطوير المستمر للمنهج باعتباره وسيلة فعالة من وسائل تحقيق أهداف التربية والتعليم.

وقد اتبعت في هذا البحث، المنهج الوصفي، والمنهج الاستقرائي التحليلي؛ إذ سوف يقدم الباحث جانبا وصفيا يتناول فيه أهم المرتكزات التربوية عند الإمام ابن عاشور، التي تم بموجبها التحديد المعرفي والنوعي لهوية منهجه التربوي، ثم تتبّع أهم اختياراته وآرائه التي رامت النهوض بالشأن التربوي والتعليمي، المبثوثة في مؤلفاته وعلى رأسها كتابه الموسوم ب: «أليس الصبح بقريب».

المبحث الأول: الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ودواعي الإصلاح التربوي.

المطلب الأول: نبذة عن حياة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.

ليس القصد من البحث أن أعرض بالدراسة والتحليل لترجمة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الذي يعتبر «من الأعلام الذين يعدهم التاريخ الحاضر من ذخائره؛ فهو إمام متبحر في العلوم الإسلامية، مستقل في الاستدلال لها، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحملها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقرأ وأفاد، وتخرجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي، وتفرد بالتوسع والتجديد لفروع من العلم ضيّقها المنهاج الزيتوني، وأبلاها الركود الذهني، وأنزلتها الاعتبارات التقليدية دون منزلتها بمراحل: فأفاض عليها هذا الإمام من روحه وأسلوبه حياة وجدة، وأشاع فيها مائية ورونقا، حتى استرجعت بعض قيمتها في النفوس، ومنزلتها في الاعتبار»[3].

ويعود نسبه إلى الأسرة العاشورية المنحدرة من أصل أندلسي، والتي انتقلت من الأندلس «إلى سلا ببلاد المغرب 1030ه /1620م، ثم إلى تونس في حدود سنة 1060ه /1648م. وكان أول من دخلها من أفراد هذه الأسرة الشيخ الصالح الشريف أبو عبد الله محمد بن عاشور الحسني»[4].

وفي بيت عظيم نسبا وشرفا، «ولد الشيخ ابن عاشور بقصر جدّه للأم بالمرسى في جمادى الأولى 1296ه/ سبتمبر 1879م»[5]، «وفي كنف جدّه للأم الشيخ الوزير محمد العزيز بوعتور، نشأ مترجمنا نشأته المميّزة على أكمل الصفات الدينية، وأفضل المناهج التربوية، وخير القيم والمبادئ الأخلاقية التي توافرت جميعها في هذه البيئة الأصيلة الراقية العلمية…»[6].

وفي سن السادسة من عمره التحق بالمدرسة القرآنية بمسجد أبي حديد، « فحفظ به القرآن الكريم ورتله على الشيخ المقرئ محمد الخياري، وحفظ مجموعة من المتون العلمية كابن عاشر، والرسالة، والقطر ونحوها…»[7]. «وفي سنة 1310ه /1893م، التحق الشاب محمد الطاهر اين عاشور بجامع الزيتونة لطلب العلم»[8]، فأخذ عن «جماعة من أعلامه منهم إبراهيم المارغني، وسالم بو حاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، ومحمد بن يوسف، ومحمد النخلي إلى أن حصل على شهادة التطويع سنة 1317ه /1896م»[9]، وبعد تخرجه تقلّب في مراتب التدريس بجامع الزيتونة وبالمدرسة الصادقية، ثم تولّى بعد ذلك العديد من المناصب التي لا يمكن أن تسند إلا لصاحب عقل منير، وعلم غزير.

فقد «تقلد الأستاذ مشيخة الجامع للمرة الأولى فدلت المصائر على أن التدبير الاجتماعي لم يكمل، وكان من الظواهر المحسوسة أنها وظيفة جديدة لم يطمئن موطنها، ولم يدمث موطئها، ولم تهش لها النفوس المبتلاة بالتقليد…، ثم قلّد الأستاذ مشيخة الجامع للمرة الثانية، وكان الأمر قد استتبّ، والنفوس النافرة من التجديد قد اطمأنت، والضرورة الداعية إلى الإصلاح قد رجحت؛ ومعنى ذلك كله أن التدبير الاجتماعي قد كمل…»[10]، «وفي المرتين اللتين تولى فيهما مشيخة جامع الزيتونة أدخل إصلاحات مهمة على نظام التعليم، وفي المرة الثانية أدخل في الدراسة مواد جديدة كالفيزياء والكيمياء والجبر، وانتدب لتدريسها أساتذة مختصين…»[11]، «والحق أن في الجهاز التعليمي بجامع الزيتونة خللا يحتاج إلى الإصلاح، وعللا يجب أن تزاح، ونقائص يجب أن تعالج، وتوافه من النظم يجب أن تلغى؛ وكلها بقايا من إصلاحات خير الدين، لم تعد تصلح لخير العلم ولا لخير الدين»[12].

وهكذا، فإن المتتبع لمسار حياة الشيخ، يجده شخصية متميزة جعلته محط أنظار من حوله، إذ جمع إلى جانب الرسوخ في العلم، حسن الأخلاق وطيب المصاحبة، ويكفي أن نذكر في ترجمته ما وصفه به صديقه وزميله الإمام الأكبر محمد الخضر حسين حينما قال: «وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان. ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر، صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة… كنت أرى فيه لسانا لهجته الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيئ، وهمة طمّاحة إلى المعالي، وجدا في العمل لا يمسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه… وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم»[13]. وأهل العلم هم الذين يعرفون مكانة العلم وذويه، وشهادتهم هي الشهادة المقبولة.

كانت «هذه لمحات دالة –  في الجملة – على منزلته العلمية، وخلاصتها أنه إمام في العمليات لا ينازع في إمامته أحد»[14].

«توفي يوم الأحد 13 رجب 1393 / 12 أوت 1973. ودفن بمقبرة الزلاج»[15]، بعد كفاح طويل، وحياة حافلة بالعلم، طلبا وتدريسا وتصنيفا وتجديدا.

المطلب الثاني: دواعي الإصلاح التربوي عنده

لقد اطلع الإمام محمد الطاهر ابن عاشور منذ وقت مبكر على ما كان ينادي به رواد الإصلاح في المشرق، من أمثال جمال الدين الأفغاني (ت: 1315ه/ 1857م)، ومحمد عبده (ت: 1334ه/1905م)، ومحمد رشيد رضا (ت: 1354ه/ 1935م)، ومحمد إقبال (ت: 1358ه/ 1938م)، وغيرهم من الذين أطلقوا دعوات إصلاحية تجديدية تردّد صداها في تونس وفي جامعها العريق. «ولم يكن الإمام الأكبر في انزواء عن هذا النشاط، وعن الكفاح لخير الزيتونة ومناهج التعليم فيها، وعن المستقبل الباسم الذي يتطلع إليه طلاب معهدها»[16]، وقد تعزز يقين ابن عاشور بسلامة هذا النشاط بفضل ما كانت شهدته بلاده وظلت تعايشه من محاولات إصلاحية، كان خير الدين باشا التونسي (ت: 1307ه/ 1890م) أشهر روادها.

ثم شرع الشاب البالغ من العمر خمسا وعشرين سنة، الشيخ الزيتوني والأستاذ الصادقي محمد الطاهر ابن عاشور، في تأليف كتابه «أليس الصبح بقريب»، الذي يعد واحدا من أهم كتب الإصلاح التربوي العربي في العصر الحديث، بشّر فيه بانبلاج صبح جديد في عالم التربية والتعليم. ولا زالت اختياراته في هذا الباب تتمتع إلى اليوم بصفة المعاصرة، بسبب مواكبته الهادئة لمستجدات العصر، واستشرافه المدروس لتحديات المستقبل، مبرهنا على قدرة فائقة على التكيف مع الحـاجة الـعلمية والفكرية والـنفسية، واستيعاب المحدثات والمتغيرات في مجالات العلوم والفنـون والآداب.

وقد أورد في مقدمة هذا الكتاب ما ينصّ صراحة على بدئه التفكير في إصلاح التعليم العربي والإسلامي عموما، والتونسي الزيتوني على وجه الخصوص، يقول: «قد كان حدا بي حادي الآمال وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مدّة مزاولته متعلما ومعلما بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه…»[17].

ولابد من الإشارة هنا إلى أنه إنما خصّ جامع الزيتونة بالذكر دون غيره من مؤسسات التعليم لاعتبارين:

أولهما: أن الشيخ ابن عاشور قد مارس التعليم متعلما ومعلما بالجامع، فأدرك من قرب مشاكله وأسباب ضعفه، فصار خبيرا بأوضاعه من واقع التجربة والمكابدة الشخصية.

ثانيهما: أن جامع الزيتونة – في تقديره – يمثل منارة التجديد الإسلامي، ومركز الثقافة والتعليم، فيكون حينئذ نموذجا لمؤسسات التعليم الإسلامي عموما، يصح في شأنها ما يصح في شأنه من تقدير.

فقد بسط الإمام ابن عاشور الأسباب والدواعي العامة التي دفعته إلى تصور مشروع جديد لإصلاح الشأن التربوي والتعليمي، وتفاعل معها بروح مقاصدية صرفة، من خلال طرحه سؤاله: «لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم؟»، الذي حاول الإجابة عنه من مداخل أربعة:

مدخل مقاصدي اجتماعي حضاري: لما كانت الحضارة هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته بحسب منتهى المدنية في وقته، فإن ضرورة تنويع وتجديد العلوم حاجة تدعو إليها الحياة التي هي في تطور مستمر، حتى يتم جني تلك الثمرة بالطريقة السهلة الأقل كلفة والأكثر جودة، لقوله: «هاته منافع العلوم الحاجية التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يقدر أن يحدد عددها أحد لكن لا شك أن تقدم الحضارة يوفر كثرتها»[18].

مدخل نفسي وجداني: وحيث إن الإصلاح لا يكون مجزيا إن اقتصر على العلوم الحاجية التي لا تكفي لتحقيق (الكمال النفساني الوجداني)، فقد احتيج إلى العلوم الأدبية الجمالية «وهي ما لا يجتني منه المرء غير الكمال النفساني أو بعبارة أخرى غير الانكشافات، فأمرها وإن كان في الاعتبار ثانيا، فإن نفعها من جهة الانبساط والمسرة لا يقصر عن نفع تلك»[19]، والمقصود في سياق الإصلاح هو الالتفات إلى هذه العلوم (التحسينية)، مع إيلائها ما تستحق من العناية والتجويد.

مدخل أخلاقي وسياسي: لأنه بالتعلیم والتعلم یمكننا «ترقية الفضيلة وهو أول الأشياء وأجملها»[20]، نحو إعداد قيادة واعية مؤمنة بعقيدتها، خاشية لربها، تقود الأمة إلى ما فيه خيرها وصلاحها في دينها ودنياها، وقد كانت هذه الغایة النبیلة هدفا للأنبیاء والحكماء، وهي نفسها لا غيرها الغاية العظمى والمقصد الأسمى من التعليم وهو: «إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداة هم مصابيح إرشادها، ومحاصد قتادها، ومهدئو نفوسها إذا أقلقها اضطراب مهادها»[21]. ومثل هؤلاء القادة في تنشئتهم وتكوينهم وتدريبهم وصقل مواهبهم، يحتاجون إلى معالجة تربوية تراعيهم في جميع مقوماتهم، وتنظر إليهم من جميع جوانبهم.

وكأن الشيخ يشير هنا ضمنيا إلى نوع من الفساد قد لحق بالزعامات الدينية والسياسية، وبالمسؤولين الإداريين للبلاد في ذلك الإبان.

مدخل تجديدي-معرفي: لقد صارت المستجدات والتحولات التي عرفها المجتمع الإسلامي تستدعي تغير الأفكار والأغراض والأساليب، مما أثّر على طرق التعليم، ومقادير العلوم، وكفاءة المعلمين، وظل المسلمون في سبات عميق دون فطنة لحاجات زمانهم، إما لغفلتهم عن اختلاف العصور وتغير الأحوال، أو لأنهم لم يفقهوا أنّا «نشتغل في هذا العالم لنحصّل السعادة حيثما توجهنا وذلك بجلب المنافع واتقاء المضار»[22]. ولكي يدفع تهمة الابتداع عن نفسه، يذكّر ابن عاشور بسنّة بعض الأولين في الإصلاح، يقول: «وقد كان أساطين العلماء يهتمون بتحسين أساليب التعليم فهذا القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي قد تكلم في كتاب «الرحلة» وفي كتاب «العواصم» على أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا. وكذلك ابن خلدون. وذكر ابن خلدون شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم الآبلي السليماني فوصفه بشيخ العلوم العقلية وأنه قرأ كتب التعليم وصدق فيه»[23].

لقد أخذت مسألة الإصلاح عامة، وإصلاح التعليم على وجه الخصوص حيزا كبيرا من اهتمام ابن عاشور، لاقتناعه أن الحالة التي انتهت إليها الأمة لا خلاص منها إلا بالتعليم. وفي ظل ما تعانيه مؤسساتنا التربوية من تراجع في العطاء، وعجز متزايد عن مواكبة المستجدات، فإنه أصبح من الضروري جدا تخويل جهة رسمية مكونة من متخصصين في مجال التربية والتعليم، والدراسات الإسلامية، تقوم برصد الوسائل والأساليب المعينة على تطوير الأداء التربوي والتعليمي، المبثوثة في كتابات ابن عاشور الفكرية التربوية، للاستفادة مما ثبتت جدواه من المعرفة العلمية التربوية.

المبحث الثاني: ملامح المنهج التربوي عند ابن عاشور؛ فلسفة تربوية لتقويم الواقع

لعله يستحسن قبل الوقوف على أهم المرتكزات التي اعتمدها ابن عاشور في تقعيد منهجه التربوي، أن أبين هنا مقصودي بالمنهج التربوي حتى يستبين القارئ ماهيته، لئلا يشرد ويتيه بعيدا عن المقصود.

ونظرا لإشكالية المصطلح من زواياه المختلفة، أحببت – دفعا لكل لبس – عرض هذا التعريف الذي أورده علي أحمد مذكور؛ يقول: «إن منهج التربية في تصورنا هو: نظام متكامل من الحقائق والقيم الثابتة، والخبرات والمعارف والمهارات الإنسانية المتغيرة التي تقدمها مؤسسة تربوية إلى المتعلمين فيها بقصد إيصالهم إلى مرتبة الكمال التي هيأهم الله لها، وتحقيق الأهداف المنشودة فيهم»[24]. وبهذا المعنى يكون المنهج التربوي هو: الطريق الواضح الذي تسير عليه المؤسسات التربوية لتحقيق أهدافها المرسومة، المتمثلة عموما في النهوض بـالفرد المربّـى، وصـولا به إلى أقـصى درجـات الكمـال الإنـساني الممكنـة، بتنميـة قدراتـه، ومواهبـه، وملكاته، واستعداداته المختلفة.

وقد جاء عنوان البحث – في شقه الأول – قاصدا هذا المعنى، إذ صناعة المنهج عملية منظمة وضابطة، وليست فعلا عشوائيا ولا اعتباطيا، بمعنى أن المنهج التربوي ينبغي أن تسبقه الدراسات والبحوث، وأن توضع له الأهداف المحددة التي يعمل على تحقيقها. ولا محال أن إسهام ابن عاشور في وضع التصاميم، وضبط المخططات، وبناء الوضعيات…، وقت كان مسؤولا تنفيذيا ومدرسا في الجامع الأعظم للزيتونة والمدرسة الصادقية، قد أكسبه أدوات البناء المنهجي للاشتغال التربوي. ولذلك إذا نطق فما ينطق عن تطلع ثقافي، ولا عن رواية بلغته، لكن عن تجربة مباشرة.

المطلب الأول: في بيان أهم المرتكزات التي اعتمدها ابن عاشور في تقعيد منهجه التربوي

إن الاختيارات البيداغوجية التي يختارها منهج من مناهج التدريس، تتأسس على الأهداف التي يتوخى تحقيقها، فبعد وضوح الأهداف المطلوبة في تدريس مادة من المواد العلمية، يكون بالتبعية تنظيم المنهج واختيار عناصره ومرتكزاته، ولا شك أن هذه الرؤية كانت معتبرة عند الإمام ابن عاشور – رحمه الله – وهو يؤسس لمنهج تربوي يطمح من خلاله إلى «إنشاء أرقى أصناف الناس من كل من تمرس بالأشغال والأعمال، أو رزق المواهب الحسنة ورغب في سلوك خیر السبل وشغف بالمعرفة وامتاز بحب الواجب والتعقّل»[25].

فقد اعتمد ابن عاشور – رحمه الله – قواعد ومرتكزات تربوية صحيحة، استلهمها بمنطق شرعي في تقعيد منهج تربوي ينسجم مع الحقائق والأسس الفلسفية والتربوية المعاصرة. منهج يجدد واقع الأمة الإسلامية ويخرجها من مغلوبيتها أمام الآخر الغالب، وينقلها من الموت إلى الحياة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الكسل إلى النشاط، ومن الذل إلى العز، وتلك هي السعادة الكبرى، والثمرة المرجوة من هذا المنهج.

وسيحاول الباحث عرض أهم المرتكزات التي اعتمدها ابن عاشور في تقعيد منهجه التربوي، وذلك على النحو الآتي:

  • الركيزة الأولى: ربط التربية بمقاصدها، والعلوم بغاياتها.

إنه «مما تجب العناية به في تحقيق صلاح الأعمال المحافظة على تحقق حصول المقاصد الشرعية منها، فإن جميع التشريعات مشتملة على تحصيل مصالح أو دفع مفاسد»[26]. ولذلك يكون الباحث عن حقيقة شيء مضطرا للبحث عن تجلياته ومقاصده، ليرى هل كانت التجليات جارية على خطة المقاصد أم لا؟

ومن هذا المنطلق، كان الناظر في شأن التعليم مدعوا على الدوام إلى النظر والبحث للكشف عن مقاصد التربية، وغايات العلوم، وسبل تحقيقها بصورة أكثر جدية وفاعلية، وفي ذلك يقول ابن عاشور – رحمه الله: «فلا بد للناظر في أمر التعليم الإسلامي من صرف غاية حذقه ومواهبه إلى وضع برامج تحقق حياة هذا التعليم على حالة كاملة، وتحقق مقاصد طالبيه في معترك حياة عصرهم، وتحقق مقاصد الأمة من خريجي هذا التعليم…»[27].

ومن هنا يراهن ابن عاشور على إرساء منهج تربوي حديث، غايته تمكين المتعلمين من اكتساب الخبرات الوظيفية التي تعزز ثقتهم بذواتهم، وتدفعهم إلى تطوير مختلف مهاراتهم وقدراتهم، من أجل تحقيق فعالية الفرد في تلبية الحاجات الاجتماعية للمجتمع، وبناء المسلم الصالح المنتج الذي يعبد الله حق عبادته، ويعمر الأرض وفق المقاصد التي جاء بها الشرع. وهذا ما يسوّغ التأكيد على أنه «من واجب كل داع إلى التعليم أن يوضح لطالبيه الغايات التي يحصلونها من مزاولة ذلك التعليم، سواء كانت غاية دنيوية أو أخروية؛ لأن لكلتا الغايتين طلابا»[28].

وبما أن الشريعة الإسلامية جاءت مضامينها وتعاليمها شاملة لكل مناحي الحياة، إذ لم تترك جزئية من جزئيات الحياة إلا ولها إزاءها تصور وحكم، فإن ابن عاشور قد عول – كثيرا – في تحقيق مقاصد هذه الشريعة على التربية والتعليم، ووضع لذلك منظومة تربوية متكاملة لكل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة، ومن ذلك ما يلي:

– إرساء العقيدة الصحيحة «التي تقبلها العقول المستنيرة، ولا تجافيها الفلسفة الحقة…، حتى إذا ربّي العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة فشب على سبر الحقائق والمدركات الصحيحة فنبا عن الباطل وتهيأ لقبول التعاليم الصالحة والعمل الحق»[29].

– الدعوة إلى التفكير في «الحياة العاجلة والآجلة لتحصيل العلم بما يجب سلوكه للنجاح في الحياتين كي يسلم صاحبه من الوقوع في مهاوي الأغلاط في الحياة العاجلة وفي مهاوي الخسران في الحياة الآخرة»[30].

– حث التلامذة على اكتساب العلوم النافعة واستيعابها، بحيث لا يدرسونها «وما يشعرون بعنوانها وغاياتها والقصد منها»[31]، «حثا لتحصيل سبب إصلاح الفكر وصلاح العمل… فالعلوم شتى والغايات متفاوتة والمحثوث عليه منها هو العلم الصحيح النافع. وعلامة هذا العلم أن يحصل العمل النافع بمراعاته ويكون قائدا لصلاح الدين والدنيا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾»[32].

فالعلوم ما كانت إلا لخدمة غرضين اثنين، وهما: «ارتقاء العقل لإدراك الحقائق، واقتدار صاحبه على إفادة غيره بما أدركه هو»[33]، «ولا يكاد المتعلم يبلغ الغاية المذكورة إلا متى تلقى العلوم بيقظة، وراقب غاياتها في أعماله، كمراقبة قواعد النحو في التكلم، وقواعد الفقه في المعاملة، وقواعد المنطق في الفهم والإفهام، فإن هو لم يفعل وتعاطى العلم عن ذهول بما تقرر كان قد أضاع زمنا في التعلم من غير استثمار إلا ألفاظا حفظها»[34]. وهو بهذا يؤسس لربط العلم بمقاصد واضحة، إذ ليس العلم «رموزا تُحلّ، ولا كلمات تحفظ، ولا انقباضا وتكلُّفا، ولكنه نور العقل واعتداله وصلوحيته لاستعمال الأشياء فيما يحتاج إليه منها، فهو استكمال النفس والتطهر من الغفلة، والتأهل للاستفادة والإفادة»[35].

ولا شك أن هذا الاتجاه المقاصدي في التفاعل مع قضايا البحث التربوية والتعليمية عند الإمام ابن عاشور ينطوي على دعوة لاستعادة الإنسان محوريته في النشاط الحضاري، والعقل دوره في المجالات العقائدية والتنظيمية والتشريعية، من أجل إعطاء الإنسان بما هو منطلق النشاط الحضاري وغايته ما به «صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه»[36].

  • الركيزة الثانية: التربية على القيم.

لا شك أن الأمة الإسلامية تواجه خطرا أشد من الأسلحة الكيميائية الفتاكة، إنه خطر العواصف والفيضانات الجارفة على مدارات القيم، ولذلك أصبح الحرص على حماية الخصوصيات الثقافية والقيمية أعظم من الحرص على المصالح المادية والتقنية، ذلك أن القيم تلعب دورا مهما في توجيه سلوك الفرد واتجاهاته فيما يتصل بما هو مرغوب فيه أو مرغوب عنه من أشكال السلوك.

ثم إن تنمية هذه القيم والتربية عليها تكمن في عملية التنشئة الاجتماعية التي تبدأ مع الأسرة المسؤولة من موقعها عن تربية الفرد المسلم ورعاية مصالحه، بالإضافة إلى دور المدرسة التي تجسد أهم المحاضن أو الوسائط التي يمكن من خلالها تنمية القيم وغرسها في نفوس المتعلمين، والسهر على جعل عملية تعليم القيم والتربية عليها عملية فعالة ومحدثة للأثر المطلوب منها. «وإذا تأملت التربية الشرعية وجدتها جاثمة حول التنبيه على الفضائل الحقة»[37].

ويرى ابن عاشور أنه من العار الكبير أن يصبح ميدان التربية والتعليم مرتعا لبعض الجهلة والمنتفعين تترا انحرفوا بالمؤسسة التربوية عن أهدافها التربوية، وكان من نتائج ذلك وجود كثير «ممن ينتصب لتعليم النشء تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزّتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تحاكّهم وتعاشرهم أو تجادلهم، فترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق، وإذا كانت تلك حالة خاصة الناس فما ظنك بعامتهم، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة: ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير، أو المتعذر تلقينها لهم من بعد»[38].

ومن ثم فإن «الواجب من حيث خطتنا التي نريد أن تسير فيها أبناؤنا وتلامذتنا هو التدريب على ضروب الحكمة ونقد مقتضيات الزمان، وعلو الهمة، والغيرة للحق، والترفع عن سخائف المطامع، وعن ضيق الصدر الذي ينشأ عنه الحسد والظلم والخصام، والتلظي من كل ما يخالف المقصد، والإقدام، والحزم وأصالة الرأي، وحب النظام في جميع أحوال الحياة، وعدم معاداة القوانين، والعمل، وحب التناسب في المظاهر كلها، وإدراك الأشياء على ما هي عليه، والتباعد عن الخفّة والطيش، وعن الجمود والكسل، وسوء الاعتقاد والأمور الوهمية، بحيث يكون العدل في جميع الأشياء صفة ذاتية لهم»[39].

ويعتبر ابن عاشور سيادة القيم ومكارم الأخلاق على جمهور الأمة شرطا أساسيا حتى «يسود فيها الأمن وتنصرف عقولها إلى الأعمال النافعة وتسهل الألفة بين جماعتها فتكون عاقبة ذلك كله تعقلا ورفاهية وإنصافا من الأنفس فينتظم المعاش، ولم يخف تلاش»[40].

  • الركيزة الثالثة: تحرير التفكير وتنوير التعليم.

إنه لما أغلق باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، ونضبت ينابيع الابتكار والإبداع في مختلف العلوم، ران الجمود على عقول المسلمين، وابتعدت الشريعة وانفصلت عن واقع الناس وحياتهم المتجددة التي لا تعرف للثبات سبيلا. وهذا شذوذ معرفي وسلوكي مسيء للإسلام والمسلمين، أوصلنا إلى عمق القاع، والتناقضات، والظلام الفكري والمعنوي.

كما لم يسلم التعليم الإسلامي هو الآخر من سلب روح التجديد والإبداع، ومن «سلب حرية النقد، وأصبحت متابعة كل ما يكتب فكرة سائدة في أهل العلم»[41]، «وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو إيصال العقول إلى درجة الابتكار، ومعنى الابتكار أن يصير الفكر متهيئا لأن يبتكر المسائل ويوسع المعلومات كما ابتكرها الذين من قبله، فيتقدم العلم وأساليبه، ولا يكون ذلك إلا بإحداث قوة حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقّى إليه، ولهذا الغرض انتخبت في عصور النهضة لكل أمة طريقة التعليم البحثي النظري، وهذه طريقة المتقدمين من المسلمين، فإنهم ما كانوا يتابعون رأيا إلا بعد اتضاح دليله، وما كان تعلمهم لعلوم أساتذتهم ومتابعتُهم لأقوالهم إلا ليجعلوها أصولا يبنون عليها ما يحدثونه، اقتصادا في الوقت وتقليلا للمسافة»[42]. وهذا يقتضي إعادة تصميم برامج التعليم على أسس علمية وموضوعية صرفة.

إذ أصبح الاجتهاد والنقد القويمين مدعاة للانتقام والاضطهاد، «ولذا أصبح المبتكر عرضة للنكاية أو الاضطهاد، ناهيك بالمعترض على بعض المتقدمين، وقد حدث أن تلميذا فيما مضى اعترض مسألة فقيل له: نصّ عليها الأشموني، فقال: وما هو الأشموني؟ فرُفع لمن له نظر فضربه ضربا شديدا…»[43]، ويتعجب ابن عاشور قائلا: «والعجيب أن من يشعر منهم بخلل الأحوال وخطر التزام المسير على النهج المتبع فيدعوه نصحه إلى إيقاظهم، يجد قبل شيء طوائف تنسبه إلى سوء المقصد، وتناظره بأن هذا النهج قد أوصل أسلافنا إلى أعلى مرتقى من النجاح…»[44].

ومن هنا تبدو الحاجة ماسة للعمل بالنفس الاستشكالي الذي يذكي ويقدح زناد الحس النقدي، ولذلك لم يرُق لابن عاشور – رحمه الله –  ما تضمنه الفصل الخامس عشر من ترتيب سنة 1292ﻫ، الذي جاء فيه: «ليس لأحد أن يبحث في الأصول التي تلقتها العلماء جيلاً بعد آخر بالقبول، ولا أن يُكثر من تغليط المصنفين، فإن كثرة التغليط أمارة الاشتباه والتخليط، بل عليه أن يبذل الوسع في فهم مرادات الفضلاء، ولا يلقي البحث إلا بعد التحري والإحاطة بأطراف الكلام والتدبر في فهم المراد»[45]، وقد علّق عليه ابن عاشور بالقول: «… إن حظر النقد والبحث أمر بإبقاء الفاسد على فساده، وهو شعبة من شعب الرضا بالموجود الذي هو من أكبر أسباب تأخرنا»[46]، «وإن كان قد يحسن في التعليم كي لا يشوّش المتعلمين المبتدئين»[47]، وأما حظر تغليط المصنِّفين فهو «أدهى وأمرّ؛ لأن المؤلفين إذا خالفوا القواعد كما يقع للضعفاء منهم في بعض العلوم يقتضي ألا نبحث معهم وأن نقرّهم على ما قالوا، وهذا السبب الذي وسّع دائرة الخلاف عندنا؛ لأنّا مهما وجدنا غلطا أثبتناه رأيا ومذهبا»[48].

  • الركيزة الرابعة: التطوير المستمر للكتاب المدرسي.

تعكس المؤلفات في العلوم عموما مرحلة معرفية من مراحل التطور العلمي، كما تعكس أيضا حالة العلوم نفسها، من حيث مستوى الوعي بها، وغاياتها الكبرى، وعلل التعلّمات فيها، «فما العلوم إلا معاني التآليف، وإنها لا ترجو تقدُّما ما دامت محبوسة في تآليفها القديمة التي وقفت بها عند القديم منذ ستمائة سنة»[49]. فلا بد إذن من العناية بالتآليف، والارتقاء بها، وتدليلها، لكي تساير تبدل العصور، وتقدم العلوم، وتجدد الأفكار والآراء.

وقد أدرك اين عاشور من خلال تجربته أنه لا سبيل لبلوغ الهدف المنشود إلا بإعادة النظر في كتب الطلاب، حيث كان ينصح دون توقف بضرورة مراجعتها مراجعة جذرية ومستمرة من حين لآخر، باعتبارها «المعلم الأول للتلميذ، والمذكر والمرشد للمدرس»[50]، فلا يمكن الحديث عن منهج تربوي وتعليمي محكم ومتميز دون مراعاة حالة التآليف عامة، إذ هي «طرق العلوم، فأي طريق نجده يوصل إلى الغاية في أمد أقصر وجب علينا سلوكه، وأن نرشد إليه أبناءنا المتعلمين الذين جعلوا مستقبلهم بأيدينا»[51]. ولهذا كان بحث مشكلة التآليف حاضرا بقوة لدى عدد من رواد النهضة والتجديد في عصرنا الحاضر.

ثم إن الاهتمام بتطوير التآليف المدرسية قد تصدر اهتمامات ابن عاشور التربوية، ولذلك كان شديد الحرص على إيجاد حلول لمشكلة التآليف في المجتمع الإسلامي عموما، وفي جامع الزيتونة خصوصا، للمحافظة على المكانة التاريخية والصبغة العلمية لهذه المؤسسة العريقة، فقد وصف السوء الذي وصلت إليه التآليف بقوله: «وقف بنا المسير وضاقت التآليف واختلطت العلوم، وأصبحنا نتابع ما وجدنا غير شاعرين: أَلِحُسن اتبعناه أم لقُبح نبذناه، وتبدَلت العصور وتقدّمت العلوم وطارت الأمم ونحن قعيدو علومنا وكتبنا، كلما أحسسنا بنبأة التقدم والرقي وتغيير الأحوال استمسكنا بقديمنا، وصفّدنا أبوابنا. فإنك لتنظر الرجل وهو ابن القرن الرابع عشر فتحسّه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر مما هو معلول، لوقوف تقدم التآليف عند الحد الذي تركه الواقفون، فرزئ الناس فائدة الانتفاع بأخلاقهم وعوائدهم ومكتشفاتهم، وسلبوا شرف النفس باعتيادهم التقليد والاستكانة لكلام الغير، واعتقادهم أن ما أتى به الأقدمون هو قصارى ما تصل إليه قُدر البشر…»[52].

وفي تقدير ابن عاشور، فإن سبب انحطاط التآليف يرجع إلى ما يسمى عنده باختلاف الحالة، «فإنه لما سدّت منافذ التفكير في العلم والتوسعة فيه، مال العلماء إلى التفكير في عبارات السابقين، ثم لما عنُوا بطريقة الاستحضار مالوا في تآليفهم إلى الاختصار، ثم لما شعروا بسماجة الإعادة للمسائل ابتكروا طريقة خلْط التأليف الذي يؤلف في علم بمسائل من علوم أخرى بأدنى مناسبة»[53]، وهكذا «أضرّت القناعة بالتآليف إضرارا شديدا وأفسدت أبوابا كثيرة، أعني قناعة المتأخرين بما وصل إليهم من الأقدمين من غير أن يبنوا على أسوسهم، ثم هم بعدُ على قسمين، منهم من ينقل كل ما وصل إليه، ومنهم من يرتقي فيزين تأليفه بالنقل عن العلماء المشاهير»[54].

كما أن خاصية «ارتقاء التآليف وتدلّيها محكوم – في طبيعة الزمان – إلى حال الأمة، وأصل الشعور بالتآليف مبدأ من مبادئ الشعور بتخليد العلم لنصح الخلف، وهذا من مبادئ نهضة الفكر البشري، لا يجحده الإنسان ما لم يشعر أولا بالحاجة إلى العلم وبسعته وبأنه يتكامل بتلاحق الأفكار، وبأن الأفكار لا تستوي في منشآتها، فإذا شعر بهذا كله، شعر بوجوب إثبات ما وصلت إليه آراؤه ليكون من ذلك أول لثان فثالث فصاعدا»[55].

و»لو كان الناس أَحسنوا اختيار التآليف ونظروا في عوائق التحصيل فاستدركوا ناقصا، وأصلحوا مختلا لما كان التلميذ يقرأ طول زمانه وهو عاجز عن التكلم بكلام معرب، ولا كان يقرأ الأصول وهو يوم يختم «المحلّى» لا يُحسن ترجيح رأي بله استنباط حكم»[56]. فحينئذ وجب التنبيه على ضرورة الوعي بتفاوت نصوص التراث، وأن فيها الغث والسمين؛ مما يقتضي ضرورة نخلها وتنقيحها، لتواكب حركة العلوم وتقدمها.

  • الركيزة الخامسة: هيكلة أساليب تقويم أداء المتعلم

لا شك أن التقويم يمثل أحد أهم المداخل الحديثة لتطوير التعليم، بما أنه وسيلة فعالة للكشف عن مدى النجاح أو الفشل في تحقيق أهداف المنهج المنشودة. على أن يتم بعد ذلك اقتراح الحلول المناسبة من أجل تلافي مواطن الضعف، وتدعيم أوجه القوة.

ومن ذلك تقويم أداء المتعلم، الذي يكون الغرض منه «الاستدلال على صحة تعلمه وأنه لم يضع مدة قراءته عبثا أو غفلة عن العلوم…»[57]، فهو حكم على قدراته واستعـداداته التحصـيلية في المقررات التي يتعلمها، بناء على ما يحصل عليه من تقديرات.

وفي عملية تقويم المتعلم لابد من مراعاة «كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم الفكر، وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد في المرتبة الابتدائية؛ ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه، وذلك أن يطالب باستحضار المهم وأن يلقي عليه ما له أثر عملي، وأن يكرّر سؤاله فيه، وأن يكلّف بتحريرات يظهر فيها أثر معرفته.

وفي المرتبة المتوسطة يصير التعليم راميا إلى تقوية التفكير والجمع والتحليل.

وفي المرتبة العالية يصير التعليم يرمي إلى الاستنتاج والنقد، وفي كل تلك المراتب لا تكون العناية إلا باللب من العلم لا بالألفاظ والقشور»[58].

فإن «المراد من متخرج الجامع حين يعطى شهادة (التطويع) أن يكون ذا ذهن قوي، وعقل مدرك للحقائق قدير على إيصالها إلى أذهان طالبيها…»[59]، ولذلك فتحقيق هذا المراد، لا يتوقف عند وضع الأطر القانونية المحددة لمكونات الامتحان، بل يتعداه إلى وضع الإجراءات التنظيمية التي توضح كيفية تطبيقها، مع تعاهدها بالتوجيه والمراقبة لضمان حسن تنفيذها.

إذ يعلن ابن عاشور صراحة، أن الامتحانات العلمية إنما جعلت منذ القدم «لاختبار تحصيل طالب العلم فيما أريد منه من تعليمه، ولا شك أن ما يبين له من الضوابط والقواعد إنما هو تقريب للطريقة المطلوبة، وإلا فإن المرجع في التطبيق هو علم القائمين بتنفيذ تلك الضوابط وعدالتهم وغيرتهم على الرتب العلمية من أن تسند لغير كفئها»[60]، ثم إن التقصير أو التساهل في إعطاء الشهادة «تغرير للناس في حال صاحبها، فلا جرم أنها شهادة لا تقتضي رأفة ولا تساهلا ولا تخفيفا، وإنما تكون الرأفة بالتلميذ في إعطائه حقوقه، وفي إرشاده إلى طريق التحصيل، وفي الغيرة عليه من أن يهضم حقه الذي يستحقه، أو أن يقدم عليه من هو دونه، وإلا فالرأفة في غير هذا المعنى خور»[61].

وحجّته في ذلك ما كانت تشكوه المؤسسة من تسيب؛ «كسوء يقظة المراقبين…، وعدم تفطنهم لطرق استعانة الممتحنين بعضهم ببعض»[62]، بالإضافة إلى «سكوت لجنة الامتحان عن المدح والذم للتلامذة وإغفالها إعلان ما يحصله كل من الأعداد في النجابة؛ فضعفت الهمة والتنافس في التقدم»[63].

  • الركيزة السادسة: ضبط النظام التعليمي

إن ضبط النظام التعليمي شرط ضروري لقيام المدرسة بوظيفتها التربوية والتعليمية، كما أن نجاحها في أداء رسالتها يتوقف بشكل كبير على نظامها المنظم لسير العمل داخلها، ومدى انضباط الجسم التربوي ككل لهذا النظام.

«فإنا إذا تتبعنا حال التعليم وجدناه اختياريا في سائر أحواله فالمتعلم يتعلم باختياره، والمدرس يدرس ما يروق لديه من الكتب، ويقر ما يختار من المسائل، والمؤلف يصطلح على ما يشاء في العلم، وبذلك كان التعليم في سائر عصوره اختياريا وغير مضبوط ولا متحد بطريقة واحدة»[64]، فأصبح كل فرد وكأنه أمة وحده. ولأن عدم الاتفاق على رؤية موحدة، وعدم الالتزام بمنهج محدد يشتت الجهود، ويعرقل المسيرة، فقد كلّف ابن عاشور بعض المدرسين بالتردد على فروع الجامع من حين لآخر لمزيد تنسيق بينها وبين المؤسسة الأم، والاطلاع ميدانيا على كيفية سير الدروس، وهو ما عجل بتعافيها من عيوب كثيرة لا زمتها سنين عديدة.

وحتى يتحقق ضبط التعليم يرى ابن عاشور أنه لابد من تحقق أربعة أمور:

1)     جعله إلزاميا: إن كثيرا من الناس يغفلون أهمية التعليم، مما قد يفسد مستقبل الأبناء ومستقبل الأمة، ولذلك فلا غرو أن تكون إلزامية التعليم من «حق نصيحة الحكومات للرعايا في حال عدم وصولهم للرشد، وحملهم على مصالحهم بالجبر ما داموا في طور الطفولة، فالطفولة كما تكون للأفراد تكون للأمم، ويتنزل منزلة الطفولة السذاجة»[65]. ولمن فاتهم سن التعليم يرى ابن عاشور ضرورة تعويض ما فاتهم بالدروس المسائية في الدين، والأدب، والتربية، وتعليم القرآن، ونحوها مما يحتاجون إليه في الحياة الاجتماعية، ولئن كان هذا غير إجباري، فإنه ينتهي بتمكينهم من شهادة تميزهم عن غيرهم.

2)     ضبط أوقات المدرسين: وفي ذلك تسهیل لعملية التحصیل، وتنظيم لحياة طالب العلم، واحترام للوقت الذي هو كالسيف يقطع، كما أن ضبط أوقات التعلیم، يساعد في ضبط ومراقبة المدرسین، يقول ابن عاشور – رحمه الله -: إن «التوقیت للشغل هو راحة لبال المشتغل وتدریب على إعطاء الوقت قیمته من العمر، ذلك الأمر الذي یغفل الذاهلون عنه كثیرا، فتضیع عنهم أزمان عزیزة…»[66].

3)     ضبط محلّ التعلیم: وفائدة ذلك تكمن في انكباب طالب العلم على ما ينفعه، وصرفه عن كل الانشغالات المشوشة على ذهنه، فإن ذلك «أصل لحفظ أخلاق التلامذة وآدابهم، والاستبقاء على توجه أفكارهم للعلوم دون غیرها، ولا یمكن ضبط التلامذة الذین لم یهتدوا بعد إلى مصالحهم إلا بضبط محل التعلیم عن الاختلاط»[67].

4)     تقسيم التلامذة على العلوم والدروس: حيث يتم تخصيص كل مدرس بطائفة من الطلبة تُناسب حالتهم العلمية رتبة الدرس الذي یحضرونه، ویعرف ذلك بإجراء امتحان سنوي، كما یكلّف المدرس یومیا بضبط الحضور وسلوك الطلبة وفائدة ذلك التحكم في أخلاقهم وتعویدهم الانضباط والجدیة.

وبناء على ما تقدم، فإن وضع الأطر التنظيمية التي تشرف على مراقبة التعليم، وتحدد وجهته، وتقيّم مدى سيره في الاتجاه المرسوم مسألة في غاية الأهمية. إلا أن ذلك لا يكفي إذا لم يتم الالتزام بمقتضياتها، والحرص على تطبيقها بحذافيرها.

لعل هيمنة الهمّ التعليمي على عقل ابن عاشور هو ما دفعه إلى التلميح لمرتكزات مختارة شكّلت منهجا تربويا فريدا في تشكيله، متميزا على غيره، معينا على تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية المنشودة. ونظرا لأن طبيعة البحث لا تسمح باستعراض كل ما تحقق، أكتفي هنا بما قد أبنت، بست ركائز أحسبها جامعة مفيدة.

المطلب الثاني: أهمية منهجه التربوي في إعداد الجيل الناشئ

مما لا شك فيه أن من أهم وأرقى المقاصد التي يسعى المنهج التربوي إلى تحقيقها هو تكوين جيل الغد تكوينا يستجيب لمتطلبات العصر، ويمكّنهم من التكيف مع منجزاته الحضارية، ضمن منظومة قيمية وأخلاقية عليا، مؤثرة في مناهج صناعة الشخصية الإنسانية في بعدها الفردي والاجتماعي. ومن هنا تأتي أهمية المنهج التربوي الذي حاول ابن عاشور وضعه من خلال جملة اختيارات رامت النهوض بالحقل التربوي والتعليمي، وقد عكسناها في مرايا الفكر التربوي المعاصر، فظهرت لنا على قدر عال من الحداثة، سمحت بها ثقافة الشيخ ابن عاشور الواسعة والمنفتحة على تراث الإنسانية ومنجزاتها القديمة والحديثة على حد سواء.

ولمّا كان هذا المنهج التربوي يشمل الإنسان في روحه وجسده وعقله، فإنه يمكن عرض أهميته في إعداد الجيل الناشئ على النحو التالي:

أولا: أهميته في تشكيل البنية الروحية والنفسية للفرد

تعتبر تربية الروح وتزكية النفس من الأمور التي دعا إليها ديننا الحنيف، حتى يتمتع المسلم بالقوة الكافية التي تصده عن جميع ألوان الشذوذ والانحراف، وتنمي فيه النزعات الخيرة الطاهرة، والسلوك الطيب الحسن.

ولأن التعلیم «هو الذي یفید ترقیة المدارك البشریة، وصقل الفطر الطیبة لإضاءة الإنسانية وإظهارها في أجمل مظاهرها فیخرج صاحبها عن وصف الحيوانية…»[68]، كان لابد للمؤسسة التربوية أن تهتم بالتربية الروحية والنفسية لأفرادها، لأنها المدخل للسلوك السليم، ولابد أيضا أن يكون لها خطط تربوية، وبرامج إرشادية مبنية على مصادر يقينية، وأصول راسخة في جميع مراحل نمو الإنسان؛ (الطفولة، والمراهقة، والرشد، والشيخوخة).

«فلا يكاد ينتظم أمر الاجتماع كمال انتظامه، ولا ترى الأمة عقدها مأمونا من انفصامه؛ ما لم تكن مكارم الأخلاق غالبة على جمهورها، وسائدة في معظم تصاريف أمورها، لأن ملاك مكارم الأخلاق هو تزكية النفس الإنسانية، أعني ارتياض العقل على إدراك الفضائل وتمييزها عن الرذائل الملتبسة بها…، وهذا الارتياض هو أدب النفس الإنسانية وبلوغها إلى أقصى الفضائل المكنونة في فطرتها…، وهذه الفضائل غايتها إبلاغ النفس الإنسانية إلى أرقى ما خلقت له، فأودع الله فيها العقل لأجل بلوغ ذلك الارتقاء. وهذه الغاية هي إبعاد تصرف نفس الإنسان عن همج الحيوان…»[69].

ولقد كان الإيمان ولا يزال مدرسة خلقية، وتربية نفسية ذاتية تجعل الإنسان يتمسك تلقائيا بالفضائل الخلقية، ولذلك يقول ابن عاشور: «فالصلاح الفردي يعتمد على تهذيب النفس وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي: العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر…»[70]. فالمحروم من سعادة العبادات والتقرب إلى الله عز وجل هو الذي يعيش الشقاء، والقلق، والكآبة، والأمراض النفسية، وغيرها من منغصات الحياة، ولسوف يجد الويل والثبور في الآخرة، ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى﴾[71].

ويمكن القول: إن أعظم ما قصد إليه الإسلام من دعوته إلى مكارم الأخلاق وتهذيبها «هو العناية بتربية النفس وإكمالها، وتدريبها على متابعة الهدى والإرشاد، الذي يشهد العقل السليم بحقيقته وصلاحه ونفعه، فذلك الإرشاد يتلقاه المسلم من الهدى الديني المعرب عن الارشاد المعصوم عن الخطأ»[72].

ثانيا: أهميته في تشكيل البنية الجسمانية واللياقة البدنية للفرد

لقد خلق الله الإنسان جسما كثيفا وروحا شفافة، جسـما يشـده إلى التراب وروحا تنجذب إلى السماء، جسما له دوافعه وغرائزه ومتطلباته، وروحا لها أشواق، «والإنسان خلق ليعلم ويعمل، فالعلم بالعقل والعمل بالبدن: وهما متكافئان في وجوب التحفظ عليهما»[73]، فكان لابد من الاهتمام بالجانب البدني.

ثم إن الصحة والقوة في البدن مطلب من مطالب الإسلام، حتى يستطيع المؤمن القيام بواجباته الدينية والدنيوية، ورغم أن النصوص الشرعية تحث على العناية بالصحة، فإن نظم التعليم خالية من الاهتمام بحفظ الصحة في مضامينها المعرفية، بل وفي «أشغال التلامذة وأوقاتهم ومجالسهم ومساكنهم ومحل درسهم، وكل ذلك قاض بإنهاك قواهم القوية»[74].

وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ما يدعو إلى المحافظة على القوة الجسمانية، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[75]، وقال جلت قدرته: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[76].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»[77]، وقال أيضا: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ»[78].

كما أن الإسلام اهتم بكل الوسائل التي تحفظ جسـم الإنسان سليما قويا غير منهوك ولا هزيل، إذا هو اتبع منـهج الإسـلام في تقوية الجسم والنظافة والوقاية والعلاج، ليكون كل ذلك وسيلة تمكنه مـن طاعة ربه وممارسة شؤونه في جد ونشاط. وإذا رأيت ما يجري من سلوكيات التلامذة، فإنك تجدها عارية من ملاحظة المصالح الصحية التي تدفع الأضرار والمخاطر والمهلكات عن قواهم الجسمانية، «ومن ذلك التعليم بعد الأكل، وتقليل الحركة والمشي والعلم خصوصا في وقت الشتاء، وإكثار الدروس المقتضي كثرة النصب في حفظ المتون ومراجعتها»[79]، وجاوزوا ذلك إلى إشاعة أن من تقاليد الفئة العلمية «قلة المشي، ومشي الهوينا، وقلة الحركة»[80]، بل وفيهم من «إذا ترقوا في الخطط العلمية عكفوا في بيوتهم…»[81].

«وقد كان أثر الراحة الصيفية مغفولا عنه من جملة ما يغفل من المصالح الصحية»[82] مع أهميتها وضرورتها، وتأييدا لما ذهب إليه من التأكيد على الراحة يقول ابن عاشور: «وينقل عن ابن عرفة أنه كان يترك الدرس أربعين يوما في الصيف وأربعين يوما في الشتاء»[83]. ولم ينتبه إلى ذلك المشرفون على الشأن التربوي في تونس إلا عندما صدر أمر من الباي، «فسنّ ذلك سنة 1312ه»[84].

فقد أدرك ابن عاشور دور الرياضة في الحفاظ على صحة الجيل الناشئ، ولذلك نجده يحث التلامذة على «الاشتغال بأسباب الرياضات البدنية التي تقل بالضرورة في وقت التعليم من المشي والركوب»[85]، حتى يتعود المتعلم على القوة.

ثالثا: أهميته في تشكيل البنية العقلية والمعرفية للفرد

من المعلوم أن حجية العقل ثابتة بعشرات الآيات والأحاديث، «إلى درجةٍ حملت المجتهدين على اعتبار المصلحة أساسا للتشريع والعقل هو المحكم في البحث عن المصلحة»[86]، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة فكرية متكاملة تعنى بتنمية القدرات العقلية للإنسان. كما أنكر الإسلام على التيارات والاتجاهات الغالية ازدراءهم الحجة والبرهان، وقولهم بأن الإيمان أجنبي عن العقل، ولا بد لمن يريد الإيمان أن يعطل فكره ويزهد فيه، لئلا يحرم نفحات الفيوضات الإلهية والفتوحات الربانية.

وإذا عدنا إلى أكثر أعمال ابن عاشور شهرة والمتمثلة خاصة في كتابيه «تفسير التحرير والتنوير» و«مقاصد الشريعة الإسلامية»، فإنه يتبين جليا إصراره على الاحتكام إلى العقل في المسائل غير المنصوص عليها شرعا، بدل الركون إلى آراء السابقين، ولعل العنوان الأصلي الذي جعله في البداية لتفسيره «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» يوحي بذلك. حيث كانت غايته من وراء أعماله الفكرية؛ أن تبنى قضايا البحث الإسلامية على واقعية العقل وبراهينه اليقينية، وأن توزن بميزان الشرع والمنطق على حد سواء، لذلك فهو يدعو إلى التحرر العقلي من قيود التقليد الأعمى والركود الفكري، وتمكين الفرد من حرية النقد، لإحداث قوة حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقى إليه، منبها إلى أن سلبه النقد والبحث هو من أخطر أسباب التأخر.

كما اعتبر – رحمه الله – أن انعدام حرية النقد داء أصاب التعليم الإسلامي في عصور الانحطاط، وأنه خلل بالمقصد من التعليم، وهو إيصال العقول إلى درجة الابتكار، بمقتضى أن أفضلية الإنسان على غيره من المخلوقات ترجع بالأساس إلى قابليته و»استعداده لكسب المعارف والمهارات المختلفة، وللاختراع والإبداع والقيام بالعمليات العقلية المختلفة، وقدرته على وضع الأسماء والمصطلحات لكل جديد في كل عصر وجيل»[87].

وهكذا دعا ابن عاشور إلى تعزيز قدرة الفرد على التأمل، والتفكير، والنظر، وتنمية قدرته على التخيل والتصور، بالإضافة إلى تقوية ذاكرته، وإعطائه القدرة على التحليل، وإدراك العلاقات بفهم عظات التاريخ، وربطها بواقع الحياة، إلى جانب ربط العلل بالمعلولات، والأسباب بالنتائج، باعتبار أن الله تعالى جعل الإنسان خليفة له في الأرض ليعمرها، وأناط به تدبير شؤونها، «وركّب فيه العقل الذي هو الآلة الوحيدة لذلك التدبير»[88].

لقد كان غرض الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور من أعماله جميعها؛ إحياء مقاصد التربية وغايات العلوم في حياة المجتمع لإصلاحه، فقد أدرك أن إصلاح حال الأمة لا يكون إلا بإصلاح مناهج التعليم، عبر إعادة صياغة التعليم صياغة تجديدية، تتخلص من الجمود لتنطلق إلى روح العصر في مسعى لتخليص المجتمع من أسباب تخلفه، خاصة الأسباب الذاتية الكامنة فيه.

خاتمة:

في نهاية هذا البحث أودّ أن أسجل جملة من النتائج التي توصلت إليها، وهي فيما يلي:

  1. فيالإسهامات الفكرية التربوية لابن عاشور ما يغني؛لاستنباط منهج تربوي متكامل يهدف – فيما يهدف- إلى بناءالإنسان الصالح والأمة الصالحة.
  2. وضع ابن عاشور قواعد ومرتكزات تربوية سليمة، يقتدر بها على بلورة منهج تربوي علمي وعملي، ينسجم مع الحقائق والأسس الفلسفية والتربوية الحديثة ويؤكدها.
  3. تقوم التربية عند ابن عاشور على رؤية مقاصدية قيمية عمرانية، تنم عن وعيه العميق بطبيعة الإشكالات التي يتخبط فيها القطاع التربوي والتعليمي الإسلامي عموما،والتونسي الزيتوني على وجه الخصوص.
  4. وجوب التكامل والتعاضد مابين العقل والجسد والروح، لكي يتمكن الإنسان من أداء دوره بصورة صحيحة في الحياة،ولكي يصل إلى السعادة التي ينشدها في الدنيا و الآخرة.
  5. إن الاهتمام بالنظر،والتفكير،والتأمل،من العوامل المهمة للتفوق في الميادين النظرية والتطبيقية،وكل وسيلة تؤدي إلى هذاالواجب،فاتباعها واجب. كما أن التبعية الفكرية للآخرين هي من أهم أسباب عدم تقدم الأمة الإسلامية في المجالات العلمية المختلفة.

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
  • الإبراهيمي،محمد البشير. عيونالبصائر. جمع وتقدي من جله: الدكتورأحمد طالب الإبراهيمي. دارالغرب الإسلامي. بيروت. لبنان. الطبعة: 1. 1997م.
  • ابن الخوجة،محمدالحبيب. محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية. وهوفي ثلاثة أجزاء. وقداستعملنافي هذه الدراسة الجزء الأول والجزء الثالث. طبعة: وزارةالأوقاف والشؤون الإسلامية. قطر. 1425ه – 2004م.
  • ابن عاشور،محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. الشركة التونسية للنشر و التوزيع. تونس. الطبعة: 2. 1985م.
  • ابن عاشور،محمد الطاهر. أليس الصبح بقريب. دارسحنون للطباعة والنشر. تونس. الطبعة: 1. 1427ه – 2006م.
  • ابن عاشور،محمد الطاهر. تفسير التحرير و التنوير. دارسحنون للنشر و التوزيع. تونس. (د. ط)، (د. ت).
  • حسين،محمدالخضر. تونس وجامع الزيتونة. تحقيق وجمع: علي رضا التونسي. المطبعة التعاونية. دمشق. الطبعة: 1. 1971م.
  • الشيباني التومي،عمرمحمد. فلسفة التربيةالإسلامية. الدارالعربية للكتاب. طرابلس. ليبيا. (د. ط)، 1988م.
  • القرضاوي،يوسف. الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة و المعاصرة. القاهرة. مكتبة وهبة. الطبعة: 1. 1414هـ – 1994م.
  • كولن،فتح الله. الموازين أو أضواء على الطريق. ترجمة: أورخان محمد علي. دارالنيل للطباعة والنشر. القاهرة. الطبعة: 1. 2006م.
  • محفوظ،محمد. تراجم المؤلفين التونسيين. دارالغرب الإسلامي. بيروت. لبنان. الطبعة: 1. 1404ه – 1984م.
  • مذكور،أحمد. مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها. دارالفكرالعربي. القاهرة. (د. ط). 1421هـ – 2001م.

 

[1] القرضاوي، يوسف، الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة، القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة: 1، 1414هـ – 1994م، ص: 177، وما بعدها.

 

[2] كولن، فتح الله، الموازين أو أضواء على الطريق، ترجمة: أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة: 1، 2006م، ص: 88.

 

[3] الإبراهيمي، محمد البشير، عيون البصائر، جمع وتقديم نجله: الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة: 1، 1997م، ج: 3، ص: 549.

 

[4] ابن الخوجة، محمد الحبيب، محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، الجزء الأول: شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور، طبعة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1425هـ – 2004م، ص: 153.

 

[5] نفسه.

 

[6] نفسه، ص: 153، وما بعدها.

 

[7] نفسه، 154.

 

[8] نفسه.

 

[9] محفوظ، محمد، تراجم المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة: 1، 1404هـ – 1984م، ج: 3، ص: 304.

 

[10] عيون البصائر، (مرجع سابق)، ص: 549، وما بعدها.

 

[11] تراجم المؤلفين التونسيين، (مرجع سابق)، ص: 305.

 

[12] عيون البصائر، (مرجع سابق)، ص: 550.

 

[13] حسين، محمد الخضر، تونس وجامع الزيتونة، تحقيق وجمع: علي رضا التونسيين، المطبعة التعاونية، دمشق. ط: 1. 1971م. ص: 125.

 

[14] عيون البصائر، (مرجع سابق)، ص: 549.

 

[15] تراجم المؤلفين التونسيين، (مرجع سابق)، ص: 307.

 

[16] محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، (مرجع سابق)، ج: 1، ص: 36.

 

[17] ابن عاشور، محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب، دار سحنون للطباعة والنشر، تونس، الطبعة: 1، 1427ه – 2006م، ص:7.

 

[18] م ن، ص: 9.

 

[19] م ن، ص: 10.

 

[20] نفسه.

 

[21] م ن، ص: 9.

 

[22] نفسه.

 

[23]م ن، ص: 10.

 

[24] مذكور، أحمد، مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، دار الفكر العربي، القاهرة، (د . ط)، 1421هـ – 2001م، ص: 14.

 

[25] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 11.

 

[26] ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الشركة التونسية للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة: 2، 1985م، ص: 79.

 

[27] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 100، وما بعدها.

 

[28] م ن، ص: 9.

 

[29] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 50، وما بعدها.

 

[30] م ن، ص: 51.

 

[31] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 113.

 

[32] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 91، وما بعدها.

 

[33] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 207.

 

[34] م ن، ص: 113.

 

[35] م ن، ص: 206، وما بعدها.

 

[36] محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، الجزء الثالث: مقاصد الشريعة الإسلامية لشيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور، (مرجع سابق)، ص: 194.

 

[37] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 129.

 

[38] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 108.

 

[39] م ن، ص: 109.

 

[40] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 125.

 

[41] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 109.

 

[42] م ن، ص: 109.

 

[43] م ن، ص: 156.

 

[44] م ن، ص: 100.

 

[45] م ن، ص: 110.

 

[46] نفسه.

 

[47] نفسه.

 

[48] م ن، ص: 111.

 

[49] م ن، ص: 139.

 

[50] م ن، ص: 148.

 

[51]م ن، ص: 139.

 

[52] م ن، ص: 139، وما بعدها.

 

[53] م ن، ص: 147.

 

[54] م ن، ص: 150.

 

[55] م ن، ص: 141، وما بعدها.

 

[56] م ن، ص: 141.

 

[57] م ن، ص: 208.

 

[58] م ن، ص: 111.

 

[59] م ن، ص: 207.

 

[60] م ن، ص: 206.

 

[61] نفسه.

 

[62] م ن، ص: 209.

 

[63] م ن، ص: 210.

 

[64] م ن، ص: 105.

 

[65] م ن، ص: 113.

 

[66] م ن، ص: 106.

 

[67] م ن، ص: 107.

 

[68] م ن، ص: 13.

 

[69] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 123، وما بعدها.

 

[70] ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، (د . ط)، (د . ت)، ج: 1، ص: 38.

 

[71] سورة طه: 124.

 

[72] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (مرجع سابق)، ص: 128.

 

[73] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 113.

 

[74] م ن، ص: 113.

 

[75] سورة القصص: 26.

 

[76] سورة البقرة: 247.

 

[77] أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم يرَ عليه قضاء إذا كان أوفق له، (3/38)، رقم: (1968).

 

[78] أخرجه مسلم، كتاب القدر. باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، (4/2052)، رقم: (2664).

 

[79] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق). ص: 113.

 

[80] نفسه.

 

[81] نفسه.

 

[82] نفسه.

 

[83] نفسه.

 

[84] نفسه.

 

[85] نفسه.

 

[86] التومي الشيباني، عمر محمد، فلسفة التربية الإسلامية، الدار العربية للكتاب، طرابلس، ليبيا، (د . ط)، 1988م، ص: 95.

 

[87] فلسفة التربية الإسلامية، (مرجع سابق)، ص: 76.

 

[88] أليس الصبح بقريب، (مرجع سابق)، ص: 91.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.