منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشعور بالمسؤولية المفرطة

الشعور بالمسؤولية المفرطة/ حسن أباعلي

0

الشعور بالمسؤولية المفرطة

حسن أباعلي

 

تعتري بعض الناس سلوكيات في فترة من أعمارهم حادث أو قديمة قد لا ينتبهون لها لكن محيطهم قد يصل به الأمر إلى الشكوى عند بعض الحالات، وهي تكون إما بسبب تغيرات هرمونية أو بسبب تجارب قاسية في الحياة.

وهي ناتجة عن حالات نفسية تستوجب أحيانا تدخلا طبيا وإلا قد يتفاقم الأمر إلى صدمات على المستوى الفرد كما على المستوى الاجتماعي.

من هذه الحالات الإحساس بالمسؤلية المفرطة.

وهنا أريد من خلال بحث في عدد من البحوث أهل التخصص، بلغات أجنبية وعربية، أن أطرح هذا الموضوع.

فما هو الإحساس بالمسؤلية المفرطة، وما هي أسباب الإصابة به، وما هي الحلول للخروج من هذه الحالة النفسية.

الشعور بالمسؤولية المفرطة حالة نفسية ينبع من خلالها الإحساس بالعطف تجاه آخرين كما ينبع من خلال الإحساس  بالعظمة تجاههم.

فالإنسان لا يشعر بالتقدير إلا عندما يجعل نفسه مفيدًا للآخرين ويتدخل لخدمتهم ولإسعادهم.

و يكون المرء مقتنعًا لا شعوريًا بأن الآخر غير قادر على فعل شيء ما ، وأنه مخطئً في فعل شيء ما.

والمشكلة فهو  يتغذى من الذات والأنا الداخلية، وإدراك الذات.

أسباب الإصابة بالشعور بالمسؤولية المفرطة:

الشعور بالمسؤولية المفرطة ينتج عن إحساس بعدم احترام الذات وعدم الثقة في النفس، فيحس المصاب لا شعوريا بأن لا قيمة له إلا إذا  خدم الآخرين، وبذلك يمكنه إثبات ذاته، بل أكثر من هذا فهو يعتبر نفسه أمام هؤلاء الذين يسعى لخدمتهم على خطأ دائما. فتراه يتودد لهم بكل ما يمكنه أن يقدمه لهم.

وبالتالي تتكون عند الإنسان المصاب بهذه الحالة شخصيتين لشخص واحد، شخصية الإنسان الحقيقية ثم شخصية الظل التي يمكن أن ننعتها بالزائفة.

فتكون الأفعال الصادرة عن تصرفات الإنسان غير منبعثة من قرارات نفسه فلذلك تشوبها مشاعر الضعف والتوثر  والعجز و فقدان الثقة و فقدان السيطرة.

من أجل عدم الشعور بكل هذه المشاعر الصعبة يحاول الإنسان  إخفاءها عن الآخرين ، وينتقل إلى التصنع في سلوكه, دون أن يكون مضطرا إلى ذلك. فيظهر كما لو أنه يعرف الآخرين أكثر مما يعرف نفسه.

يكون الأمر أحيانا  خارجا عن السيطرة.

وقد يكون أحد الأسباب وراء هذا الاصطراب النفسي -المسئوليات المفرطة – هو الفقر المدقع والافتقار إلى الاحتياجات اليومية البسيطة, بحيث يحس المصاب  بأن مصير  “الأسرة” على عاتقه – الأب أو الأم أو أحد الأبناء –  ونجد هذا كثيراً  في الأسر البسيطة حين يموت عائلها وراجلها ويترك خلفه امرأة وثلاث أطفال مثلاً. فتحمل الأم أو الأخ أو الأخت هم الأسرة وتسعى بكل ما تملك توفير احتياجات الأسرة ولو أدى ذلك لأمور مضرة بها. المهم أن يشعر الطرف الثاني بالرضى.

أشكال المسؤولية المفرطة :

إن من أشكال المسؤولية المفرطة

– تقديم  النصيحة غير المرغوب فيها ،

– السعي لحل مشكل الغير من دون أن يطلب منه ذلك.

– التهمم بظروفهم ومصيرهم بشكل مثير

هي دوافع خارجة عن السيطرة وتعبير عن شعور مفرط بالمسؤولية.

مزالق المسؤولية المفرطة:

فالذي يظهر من هذا الإنسان هو تلك الذات المُظَلَّلَة – الزائفة باعتبارها ذات العظمة، والتي تضع نفسها دون وعي فوق الآخرين، في محاولة للتلاعب والتأثير وممارسة السيطرة حتى لا تشعر بنقصها.

يشعر أنه متفوق ، أفضل من الآخرين ويحاول بناء احترامه لذاته. مما  يخلق عنده تبعية عاطفية.

فقد يعتبر البعض تصرفاته تذخلا في خصوصياتهم كما يمكن أن يراه آخرون على العكس من ذلك تماما أن خدمته لهم أنه أمر مقبول بل رائع.

فيكون الثمن باهظا بحيث يكون ضحية الاستغلال أو أنه لا ينال حتى  الاعتراف بالجميل من أولائك الذين يسعى لإسعادهم و خدمتهم بما يقدمه من أجلهم  ولهذا فهو يستهلك الكثير من طاقة حياته التي تذهب هباء ومن غير مقابل .

فبهذا  يحرق الإنسان  نفسه شيئًا فشيئًا.

تكريس الإحساس بالشعور بالمسؤلية المفرطة:

قد  يقوم البعض  – عن قصد أو عن غير قصد- من المستفيدين أو من المحيط بالثناء على المرء المصاب لما يقوم به من تفان في خدمة الآخرين. مما يجعله أولا يحس بحسن صنيعه، بل يتكرس عنده أن ما يقوم به هو واجب عليه. مما يزيد في تكريس هذا الإحساس عنده، دون أن يفطن البعض إلا ضرورة إرشاد المصاب بالإلمام بنفسه قبل غيره لأن ما يقوم به قد يجلب عليه الضرر.

وأول أشكالها نسيان واجباته تجاه نفسه مم يؤدي به الى نسيان ذاته وبالتالي يكون مصيره العنوسة بالنسبة للرجال و النساء على حد سواء عند بعض الحالات.كمثال.

أضرار المسئولية المفرطة:

– الاستنفاذ : يبدأ  الشخص  في فقدان الطاقة العاطفية والنفسية التي تدفعه لفعل أشياء كان يقوم بها طبيعيا، لا يريد فعل شيء وليس لديه الرغبة في فعل أي شيء، حيث استنفذ داخلياً بسبب  الإرهاق والتعب وعدم الراحة.

– اليأس والاستسلام: الذين يقعون تحت ضغوط مسئوليات تستطيع أن تسبب انهيارا عصبيا يصلون غالباً إلى قناعة أخيرة غريبة ولكنها في هذا الوقت من حياتهم تكون منطقية وهي “الانسحاب من كل شيء” حيث يرى الشخص أنه يعمل هذا وذاك ولا سبيل غيره لتحقيق العيش لهذه الأسرة مثلاً، ليكون في النهاية اليأس والاستسلام هو الرد الوحيد على هذه الضغوط ولكن هل هذا صحيح؟!

– التحرر المتطرف : يصير هؤلاء الناس تحت الضغط الزائد ومع الحاجات النفسية التي تأتي تباعاً لعمرهم مثل سن المراهقة مثلاً فيكون الوضع متأزماً جداً نفسياً بالنسبة لمثل هؤلاء، فيصيرون ناقمون على الحياة بصورة قاسية ولهم العذر في الحقيقة، حيث أن حربهم النفسية والضغوط الناتجة من المسئولية كفيلة جداً أن تجعل منهم أشخاصا لا يشعرون بوجودهم. فيبدأ في هذا السن في التمرد تدريجياً على كل شيء وعلى العمل وعلى المسئولية ناسياً أي أحد وقد يكون هذا نوع من الأنانية ولكن في الحقيقة إن كنت مكانه كنت ستشعر مثله لأن حربه داخلية وخارجية، حيث ليس لديه أي شيء يردعه سوى الله فتجد الفتى يذهب نحو الممنوعات والمخدرات قائلاً “سأنسى همومي” خاصة أن حماس الشباب يجعل تجربة الأشياء سهلة جداً، لذلك فإن الإحصائيات تقر أن أكثر الفئات استخداماً للمخدرات هم المعدمين مادياً من الشباب بسبب حالتهم النفسية التي تؤثر عليهم سلباً لدرجة الجنون، فيتجهون للمخدرات لتغييب العقل والنفس ليعيشوا في عالمهم الخاص ومن هنا تصبح أضرار المسئولية المفرطة قاتلة للشباب خصوصاً.

– التقصير المجتمعي: من ضمن أضرار المسئولية المفرطة ولكن هذا هو الأخطر على الإطلاق، من حيث لا يقتصر تأثيره عليك وحدك بل يخص تأثيره على المحيطين بك من أسرتك وأولادك وأبيك وأمك و و الزوج أو الزوجة وكل من يحيطون بك.

وكمثال توضيحي على ذلك هناك نوع من الأشخاص  فالذين يتحملون مسؤليات غيرهم يكون عليهم ضغط كبير، فيضيع يومه في الانشغال لتحقيقها، فيأتي في الآخر اليوم مرهقاً إلى منزله، فهل ستكون له طاقة أن يلاعب أطفاله أو يعطي شيئا من وقته للزوجته وهذا بالنسبة للزوجة كذلك.؟ بالطبع لا، بل سيذهب إلى الفراش دون فصال، ليرتاح ثم يعود لنفس العمل ثاني يوم وفي النهاية يجد أن أولاده يمتلكون عشر سنوات وهو لا يعلم عنهم أي شيء، ويجد أن زوجته لا تعني له سوى أنها فرد يعيش معه ولا تتفكر أن هذا مبالغة بل هذا عزيزي القارئ من ضمن أعلى طلبات الطلاق في المحاكم وهي أن الزوجين لا يجدون الوقت الكافي ليتحدثوا سوياً، فينتج بينهم شيء اسمه “الغربة الداخلية” حيث أنهم ينامون بجانب بعض ولكنهم يشعرون أنهم غريبون عن بعض، وهكذا تكون أضرار المسئولية المفرطة تسبب مشكلة اجتماعية كبيرة إن انتشرت بين الناس.

– أضرار على الصحة: بسبب الإرهاق النفسي الزائد الذي يعاني منه المصاب  تكون النتيجة  تدهور في الصحة والإصابة بأمراض كارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري المزمنين أو الاكتئاب و قد تصل  عند كثيرين  إلى و التعرض لذبحة صدرية أو جلطة في المخ.

الخروج من  الشعور بالمسؤولية المفرطة :

هنا يجب على المرء  أن يجلس مع نفسه ليعرف أولا: من يكون هو ذاته؟ وماذا يريد؟. إذا عرف المرؤ ذاته سيعرف بالتالي حدود مسؤولياته. إذ ذلك يعرف ويسطيع أن يتجرأ أولا على قول: لا أو نعم في اختياراته.

إذا كنت تريد تحرير نفسك من هذا الفخ-المشكل، فعليك أن تتعلم بناء حدود صحية وطبيعية وأن تتخلى عن أوهامك و تخيلاتك الخاصة بالعظمة، بحيث  تحدث نفسك وتوهمها بأنك تخدم الآخرين أو أنك مسؤول عنهم وعن سعادتهم وأنك بذلك ستنال ثنائهم و مدحهم.

فكل إنسان قادر على تحمل مسؤولياته بنفسه.

الوعي بالمسؤولية ينطوي بداية على وعي المرء ذاته  بأنه مسؤول عن أفعاله أولاَ و على قبول العواقب التي قد تؤدي إليها ثانيا. ثم أن  يعامل الآخرين باحترام، بحيث لا يتدخل في شؤونهم ويملي عليهم ما يفعلون وما لا يفعلون. فليس لأحد أن يتحكم أو يتدخل في شؤون أحد من دون أن يطلب منه ذلك.

مقولة عن ذلك “لا تحمل أحدًا لتعبر النهر إذا كان لا يريد  أن يقطعه بنفسه”

كلما تركت مجالا أكبر لنفسك واهتماماتك الخاصة وقلصت انشغالك واهتمامك بالآخرين ، تكون المساحة الخاصة بك حرة،و تزداد بذلك  قوة الاتصال الذاتي عندك بنفسك. وبالتالي يتحول الشعور بالمسؤولية المبالغ  فيه (الذي هو أمر سلبي) إلى شعور بالمسؤولية صحي وطبيعي (الذي هو أمر إجابي) بحيث لا تحس بالإرهاق النفسي أو بالشعور بالذنب أو التقصير في حق الآخرين.

الشعور بالمسؤولية المفرطة كمرض نفسي

يبدأ تشكل الشعور بالمسؤولية المفرطة عند الإنسان مبكرا  منذ  الطفولة. بحيث يتكون عنده إحساس لإتبات الذات(استراتيجية البقاء) وذلك ناتج عن التجارب المؤلمة كالناس المتخلى عنهم في الصغر أو الذين يشعرون بالوحدة أو بسبب فقد للوالدين مبكرا أو البرودة العاطفية أو الفراغ.

عندما يكون الأباء منشغلين بسبب صدماتهم بحيت لا يسمعوا ولا يرون احتياجات أطفالهم فيلبوها, فإن ذلك يدفع الطفل إلى تطوير آلياته الخاصة (استراتيجيات البقاء) وذلك بالتأقلم ، وقمع احتياجاته الخاصة ، والحساسية العالية ، والتخيلات.

فيفقد الاتصال بذاته ويصبح أكثر عزلة عن نفسه وعن غير. مما يؤدي لاحقا إلى ظهور أعراض نفسية وجسدية قد تلفت الانتباه إلى حقيقة أن المرء ليس مع نفسه، بل وليس طبيعيا.

لا يمكن حل استراتيجيات البقاء على قيد الحياة بالرعاية الذاتية أو اليقظة أو التأمل. هنا يمكن للمعالج فقط تخدير الأعراض أو تهدئتها ، لكن لا يمكنه حلها إلا بالتعمق في الجذور. بخطوات صغيرة ، مع التقدير والاحترام اللازمين.

إنها عملية ترك وتخلص من الأحزان القديمة و الواجبات التي يتحملها الإنسان من غير شعور بها. لأن الحزن يعيدك إلى نفسك.

يمكن معالجة الضغوط النفسية القديمة من خلال علاج الصدمات وليس من الضروري أن تتشكل بسبب ذلك أعراض جسدية أونفسية.

العلاج بالصدمة :

يمكن هنا أن نتكلم عن أسلوبين للعلاج بالصدمة، علاج طبي يستعمله المختصون للعلاج مرضاهم، وذلك بصدمات كهربائية خفيفة، فتساعد من خلال ذبذبات تؤثر على بشكل ما في دماغه.

الأسلوب الثاني وهو الطبيعي وهو أن يحدث للمصاب خلال حياته صدمة كبيرة يستفيق من خلالها ويعي بنفسه ويتخلى عن إحساساته القديمة ويلقي عنه الأثقال التي كانت على عاتقه.

خلاصة

لذلك اشتري نفسك كلما استطعت إذا وجدت أن أضرار المسئوليات المفرطة تبلعك، وحاول قدر الإمكان أن ترتب أولوياتك في المسئوليات لتعرف ما المهم وما هو غير المهم الذي من الممكن أن تستغني عن فعله أو التفكير فيه، لتجد لنفسك حيز من الراحة بعيداً عن الضغط الناتج من التفكير في الأشياء المسئول عنها لأنه أحياناً التفكير في المسئوليات يكون أصعب من تنفيذ المسئولية نفسها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.