منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عيد اللغة العربية -قصة قصيرة-

0

علمت السيدة “اللغة العربية” بأن لها عيدا يحتفل فيه بها، ففرحت وقررت أن تنزل إلى المدينة لتحضر احتفال القرن الخامس عشر الهجري، الموافق للقرن الواحد والعشرين الميلادي ، فتشهد مكانتها وسط لغات العالم وفي تآليف الأدباء والكتاب والعلماء واللغويين، وتنظر إلى ما آل إليه مصيرها بعدما فرضت العولمة اللغوية سيطرتها.

حل يوم الذكرى واجتمعت اللغة العربية مع أولادها وبناتها وأحفادها من الكلمات والألفاظ والحروف والحركات وحتى النقط، كان الجميع منهمكا في التجمل والتزين للمشاركة في موكب اللغة العربية الذي سيجول شوارع المدينة، ليشاهد عروض اللغة و مختلف أنشطتها التي من شأنها  أن تعكس عمق الاتصال بين العرب ولغتهم، وحرارة الحب ووهج المشاعر وصدق الانتماء للغة الضاد، لغة الشعر العربي والقرآن الكريم  والحديث النبوي الشريف.

بدت” اللغة العربية” في أبهى حلة وأنضرها، وكان بانتظارها في الخارج عربة مزينة لتحملها في موكب الشموع والأنوار، وتجوب بها حارات القواعد ومعرض الأشعار والخطب والرسائل والمقامات والقصص ومدارس النحو والعروض وفقه اللغة و حلقات الحديث ومجالس القرآن. لكن حفيداتها الصغيرات لم يتهيأن بعدُ للخروج، فاضطرت لتترك معهن  عماديها الألف واللام يحرسان الحركات والنقط وعلامات التعجب والاستفهام، إلى أن  ينتهين ويكن على أتم استعداد، ثم يلحقن بموكب الأنوار، لكنها قبل أن تغادر وجهت لبناتها الكلام قائلة:

– لا تتأخرن كثيرا ، وحاولن اللحاق بنا بسرعة، فالعروض قد تنطلق بعد هنيهة،(ثم تابعت منبهة الألف واللام): وأنتما يا ألف التعريف ولامها لا تتركا الحركات والنقط لوحدها.

فأجابت الحركات:

المزيد من المشاركات
1 من 52

– نحن مازلنا مشتغلات بجمع الجواهر واللآلئ التي نحتاجها لتجميل الكلمات.

أما النقط فقد أردفت قائلة:

– ونحن ننظم أنفسنا ونوزع الأدوار لإيضاح الفروق بين حروف الكلمات.

حينها التفتت اللغة العربية إليهن وهي تقول:

– المهم لا تتأخرن، وها أنا سأخلع من أجلكما الألف واللام التي تعرِّفني، وأتركهما معكن حرصا على سلامتكن، فحاولن الإسراع ولا تبطئن.

فأجابت الحركات والنقط والعلامات: حاضر سنكون في الموعد إن شاء الله.

خرجت السيدة” لغة عربية” فوجدت في انتظارها عربة جميلة ولكنها لا تشبه عربة “سندريلا”، لأنها بكل بساطة عربة حديثة معاصرة جعلتها التكنولوجيا الحديثة أكثر جاذبية وأقرب إلى اليسر في الاستعمال، فقد فتحت الباب بتلقائية، وأسرع السائق للاطمئنان على جلوس السيدة” لغة عربية” في مكانها بسلام، بعدما أدى واجب التحية والسلام، وانطلق نحو أول معرض مخصص للتراث اللغوي العربي، وما هي إلا دقائق معدودة حتى حطت العربة أمام بناية عجيبة في أعلاها لافتة تشير إلى معرض تراث اللغة، وفي مدخل البناية وقف صف من الرجال والنساء في أجمل هيئة وأحسن حلة، ونثروا الورود وألقوا الأشعار، ترحيبا بالسيدة” لغة عربية” التي حلت ضيفة شرفية في يوم هو عيدها. فلم تخف بالمقابل بهجتها، وما خالج قلبها من مشاعر اختلط فيها الفرح بالحنين، فما   كان منها إلا أن شكرت المستقبلين الذين كانوا بحضورها متشرفين وفرحين وعلى راحتها ساهرين:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

– أعجز عن التعبير عن فرحي وبهجتي، فلا يسعني إلا أن أتقدم لكم بالشكر الجزيل، فأنا ممتنة لجميل صنعكم، فلو تفضلتم أن ننطلق لزيارة معرض التراث فأنا متشوقة لأعرف إرثكم من لغتكم وهل له نصيب في ذاكرتكم وهل يجد سبيلا إلى حياتكم الحالية؟

تبادل الحاضرون بينهم النظرات، وكادت تخرج من صدورهم تنهيدات، تفضح ما تخفي الحقائق من هفوات وعثرات وقصور في تصريف هذا التراث.

وتقدم منسق المعرض إلى الأمام وطفق يتجول مع الوفد بين الأروقة، التي كانت تعرض في شكل رقمي متطور ينقل الحضور إلى الزمن الماضي حيث كانت اللغة متسربلة في حلل الزهو والفخر والكمال بعدما تعلق بحبها الرجال، فكان لهم من الأشعار ما جَلّ لفظه وسما معناه فعلقت روائع الشعر لجلالها على الأستار ، وتوالى الشعراء العرب في النظم مع توالي العصور فتنوعت قصائدهم  بين غزل ومدح وهجاء ونقائض وحماسة ووصف بتوالي العصور والأزمان متأثرة أشعارهم  بعوامل المكان والزمان والإنسان، وحتى بحضارات أمم كُتب لها اللقاء مع علماء وأدباء لغة الوحي والقرآن، لقد دُهشت السيدة ” لغة عربية” لأنها أحست بالدفء وهي تتنقل في الزمان والمكان، وتعيش لحظات من الزمن الخالد الذي يحكي شعرا يحكي نثرا، ويبدع من كلمات اللغة ماسات  مازال نورها لم يخبو أو يندثر ، فقد سحرها  هذا الجمال وهذا العرض الحديث لما كان، وواصلت التعرف على باقي الأروقة: هذا رواق معاجم اللغة، والآخر رواق فقه اللغة، ورواق علم العَروض، ورواق البلاغة، ورواق ما بلغ إليه علم الأولين من نحو وتصريف وإملاء وقواعد و دراسات صوتية و فروق لغوية، وإعجاز لغوي في بيان القرآن وبلاغة الحديث، كل رواق يعرف برجال اللغة ونسائها وبكتبها المتعددة وعلومها المختلفة.أروقة فوق الوصف جعلها التطور التكنولوجي ترحل بالسيدة المحتفى بها إلى عالم الجمال والذوق اللغوي، عالم علم اللغة وآدابها وفقهها ونحوها. كان العرض مدهشا لكن مازال السؤال دائرا في ذهن السيدة”لغة عربية”، فهي تريد معرفة الأثر الذي خلفه السلفُ من أهل اللغة في خلفٍ هم أبناء القرن الواحد والعشرين، فهي تشتاق لرؤية مثل هذا التطور التقني والتكنولوجي  المذهل  في علوم اللغة وآدابها.

طلبت السيدة” لغة عربية” من منسق الوفد، أن يتابع بها المسير والجولان في أروقة اللغة الخاصة بزمن همْ أصحابُه، فتكتشف إبداع الأدباء المبدعين، واجتهاد اللغويين والنحويين، والفقهاء والكتاب والدارسين، بل هي متشوقة أكثر لاكتشاف مدارسهم العصرية التي في نظرها ستكون فيها اللغة حتما عربية، يجيدها الصغير والكبير، وهي لسان العلوم والتقنيات ومسمى الآلات والمخترعات، ولغة الإعلام والإشهار وكل أنواع التواصل والاتصال الشفهي وكل المكتوبات.

أسرع سائق العربة نحو السيدة “لغة عربية” وفتح لها مرة أخرى الباب،  فأخذت مكانها، وبحركة خفيفة فتح النافذة الفوقية للسيارة، ووضح للسيدة إمكانية مشاهدة شوارع المدينة من النافذة وهما في طريقهما إلى معرض الإبداع الحديث والمدارس العصرية ومبنى الإذاعة والتلفزة والقنوات الفضائية، ومسارح المدينة ليكون الختم كما البدء جولة في المدارس العتيقة بعده إطلالة على مواهب متفتقة  من زهرات وبراعم تعلقوا باللغة العربية وأحبوا أن يشاركوها التحية.

من نافذة العربة التي تغري بالسياحة والتجوال، أطلت السيدة” لغة عربية” برأسها تملي النظر بما وصلت إليه حضارة العمران، فالبنايات شاهقة والبروج سامقة والإنسان يحث الخطى في كل اتجاه ومكان، لكنها عوض أن تتنسم هواء عليلا ينعش الأرواح بدأت تحس بضيق يخنق الأنفاس، وقشعريرة جعلتها تفتقد عماديها الألف واللام، فبادرت السائق بالسؤال:

– أرى أن كل اللافتات وعلامات التشوير والاتجاهات وأسماء المؤسسات وحتى الأسواق والمحلات،  لغاتها غريبة اختلطت فيها الألسن فوجدتني بينهم غريبة، فهل غزاكم محتل أجنبي أم أخطأت أنت العنوان؟

– سيدتي، إن عصرنا الحالي تحكمه قوة دول بسطت نفوذها الاقتصادي وتحكمت من خلاله في ثقافة البلدان، فأضحت لغاتها تحتل مكان اللغات الوطنية الأم، حتى زاحمتك سيدتي في كل مكان، وهذه هي الحقيقة التي تبدو للعيان.

– من أجل ذلك ضاقت نفسي، وأحسست بسم يخترق جسمي، حتى احتجت الآن إلى الألف واللام على الأقل بهما أعرف وأحس بوجودي وبالأمان. فهلا استعملت هاتفك وطلبت منهما الحضور الآن، فلعل ما سأراه يحتاج إلى وجودهما بجانبي معززة معرفة لا نكرة من النكرات.

– حاضر سيدتي لك ما طلبت.

وقفت السيارة أمام مدرسة ابتدائية، وفتح السائق الباب للسيدة” لغة عربية”، فما إن رفعت عينيها لتقرأ اللوحة  الإشهارية  للمؤسسة الإبتدائية، حتى صرخت، وبالعودة أمرت، باكية وراثية:

– هذة مؤسسة ابتدائية، والمفروض أنها باب من أبواب تدريس العلوم واللغة العربية، فما بال همزتها مقطوعة، والأصل فيها الوصل، فهل يطمع في مدرسة قطعت الموصول، أن يكتب لها النجاح ولأبنائها الفلاح و لعربيتها العزة المرجوة، رجاء يا سيدي، أعدني فلا رغبة لدي في ولوج مدرستكم العصرية فيظهر أنني فيها مهجورة منسية، فعلامة الإهمال على لوحتها بادية.

وفي تلك الأثناء حضر الألف واللام ومعهما أخواتهما من الحروف والحركات وعلامات الترقيم والنقط، فبادرت السيدة إليهما واستندت عليهما، فعاد لها الإحساس بالدفء، وتوجهت إلى بناتها وحفيداتها بالكلام:

– يا بناتي الغاليات، استعن بقلم وممحاة وقمن بتصحيح الأعطاب والأخطاء من العلامات واللوحات، فقد ضاعت معانيّ، وسط شوارع المدينة المعولمة، بعدما اختلطت الحروف ببعضها وجهلت قواعدي وتأخر مقعدي وضاع عزي وسؤددي.

التفت السائق نحو اللغة العربية، بعدما لاحظ غضبها، وحاول أن يدخل الفرحة إلى قلبها خاصة أن اليوم عيدها:

– لا تجزعي يا سيدتي” اللغة العربية” فلا زال اليوم أمامنا طويلا، و برنامجه فيه حتما ما يشرح نفسك ويجبر الخاطر، فنحن بك نعتز ونفاخر، فلا تكوني حلفا  مع الزمان علينا، فليس أمام المغلوب التابع لقوى متطورة عالمية إلا أن يخنع، إلى أن يأخذ زمام المبادرة فيصبح منتجا لا مقلدا، مخترعا مصدرا لا مستوردا، حينها ستعود لك المكانة، بعدما تتصدر أسماء علمائنا أنواع العلوم المتطورة والاختراعات والبحوث المعتبرة، وتسود قوتهم الفكرية، فتكوني أنت حاملة أمانة توصيل الثقافة والحضارة العربية الإسلامية، فتزاحمي لغات هي الآن المسيطرة، فأنت لغة القرآن وهو محفوظ من الرحمن وهذا ضمان لك بالحفظ الخالد مهما طال الزمان.

خرجت من أعماق اللغة العربية تنهيدة عميقة، اختزلت واقعا رأت جزءا منه، ورجت أن يكون الاحتفال في زمن فعلا تتقلد فيه مهمة الريادة، لكن مع ذلك تابعت التجوال والمسير، ومعها بناتها وحفيداتها، والوفد المرافق من المحتفين، فتفقدت حالها في خطاب الصحافة وفي برامج الإذاعة ومسلسلات التلفزة وبرامج القنوات الفضائية، فوقفت على واقع الغربة التي تعيش فيه، وتعبت بناتها من التصحيح والتزيين والتجميل، حتى لم تجد جواهرهن لها مكانا بعدما فَنيت الممحاة وأوشك القلم على الوفاة. ورأفة بحالهن اقترح منسق الوفد أن يدخل الجميع إلى مسرح المدينة فهناك ستعرض مسرحية تحكي سيرة عنترة  شاعر المعلقة، محب عبلة والمتيم بالحرية، لقد رحلت المسرحية بالحضور إلى زمن الشجاعة والقوة و الحب العذري والعفة وشيم الأخلاق العالية وبديع الصنعة وبيان المعاني، فارتاحت السيدة اللغة العربية، وأحست بناتها بالبهجة والنشوة، بعدما عاد بهم المسرح بعرضه متلمسا مواطن جمال اللغة وروعة الإلقاء والخطاب، فما كان من اللغة العربية إلا أن هبت قائمة بعد انتهاء العرض تشكر الفرقة المسرحية على جهدها في التعريف باللغة العربية في زمن عزت فيه، وتغربت وسط أهلها، فبدت على الجميع علامات الارتياح بعدما لا حظوا أن وجه اللغة العربية ينط منه الفرح والانشراح.

تقدم منسق الوفد طالبا من اللغة العربية إسراع الخطى لزيارة المدرسة العتيقة، وهي من مبنى المسرح قريبة وبالجهة الخلفية لصيقة، حاول أصحابها أن يحيوا بها قلب المدينة، فالقرآن نور يحيي به الله القلوب، وهو مركز علوم الدنيا والآخرة.

دخل الجميع إلى المدرسة وآذان المغرب، فما كان من الجميع إلا أن أخذوا أماكنهم وراء الإمام، كما هو معهود صفوفا للرجال تليها أخرى للنساء، فكبر وانطلق بصوته الرخيم يتلو آي القرآن، فسرت في جسم اللغة قشعريرة الدفء بحرارة معاني كلمات القرآن وبما يمتلكه المقرئ الإمام من صوت ارتفع  بالجميع إلى أعلى مقام، فعادت للأرواح سكينتها، وسالت دموع الخشية والحنين، ليكون الرجاء في رب كريم  كونه جعل من العربية لغة وحيه تقتحم شغاف القلوب وتحرك مواطن المحبة والقرب من الرب الرحيم، وهذا أعظم احتفاء وتكريم،بلغة تكرم في كل صلاة وعند كل تلاوة مقرئ وعند تهجد كل مؤمن خاشع تال لكلام الله آناء الليل وأطراف النهار.

بعد انتهاء الصلاة، تعرفت اللغة العربية، على التطور الذي تشهده المدارس العتيقة القرآنية، ووقفت على جدية خدمتها للغة العربية وعلومها لأنها أساس خدمة القرآن وعلومه، فكانت هدية الإمام أن عرفها في مدرسته على فتية وفتيان يحفظون القرآن بكل القراءات، ويحفظون متون النحو واللغة، إلى جانب شغفهم بالقراءة والكتابة، ومسايرة العلوم التقنية الحديثة. وكم كانت بهجة اللغة العربية كبيرة حينما عرفها الإمام على بعض الشابات والشبان ممن أتموا تأليف كتب وسجلوا بحوثا تخدم اللغة العربية وعلومها وتطور استعمالها بين الأنام، حتى تجد في هذا العصر مكانها، بعدما يتشجع على تعلمها بنو الإنسان من مختلف الدول والبلدان.

وقفت اللغة العربية مع بناتها وأبنائها، تودع الحاضرين والحاضرات، معلنة تفاؤلها بما هو آت، فأمة قلوب أبنائها معلقة بالقرآن حتما لن تضيع فيها لغة البيان:

– لقد أعاد لي القرآن الكريم ثقتي بنفسي، لأنني لغة تكلم بها الرحمن، واطمأن قلبي، لما عاينت حرص أبناء الأمة على تعلم الحديث واللغة وعلوم القرآن، ومسايرة العصر في تطوره العلمي النافع، فعادت إلى روحي حياتها، وتيقنت أن عزتي من عزة قومي، فرسالتي لكم يا أبناء العروبة والإسلام، أن تعضوا على العلم بالنواجذ  وتشمروا على سواعد الجد، لتزاحموا الأمم في العدة والقوة، فالاقتصاد عصب الحياة، وهو ضمان استقلالكم وسبيل وحدتكم وجامع كلمتكم والسبيل إلى تحرركم من التبعية، واجعلوا القرآن مبتدأ  وخبرا ومنطلقا ومفرا، فهو منهاجكم ومنارتكم وخريطة طريقكم، فلا سؤدد لي بدون رقيكم وتحرركم، من قوتكم أستمد قوتي ومن عزتكم عزتي، فلا خوف على أمة إمامها القرآن. دمتم أعزاء ودام النصر حليفكم، أعدكم أنني سأعود يوم يكون الاحتفال بي في كل مكان، معروفة لا غريبة محبوبة مرغوبة، أسمائي على كل لسان، ولساني فصيح خال من العجمة والرطانة، حينما أصبح عنوان التقدم والرقي والقوة ووحدة أمة الإسلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.