منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القروض المالية، مبادرات إحسانية أم لعبة سياسية

0

قروض انطلاقة؛ انطلاقة إلى أين؟

لا يتوقف حديث الناس هذه الأيام عن القروض البنكية خاصة المبادرة الأخيرة التي أطلقتها الدولة لدعم المقاولات، مختلفة آراؤهم بين مشيد بها ومتوجس منها، ومتسائل عن شرعيتها، ومن حق الشباب أن يتفاءل وهم الذين سئموا البطالة والفقر، ومن حقهم أيضا أن يخافوا وهم الذين خبروا وعودا كثيرة ومبادرات شتى كانت كالسراب، ومن حقهم أن يتساءلوا عن الحلال والحرام ما داموا مسلمين. لن أتناول الموضوع من وجهة نظر فقهية. ولكني أحاول مقاربتها سياسيا واقتصاديا. فالسياسة في ظل الاستبداد تتحكم في كل شيء.

المقاولات وشبح الإفلاس:

تحدثت مواقع إخبارية مغربية مؤخرا عن ظاهرة إفلاس المقاولات الصغيرة والمتوسطة. وقدم الخبراء والمختصون إحصائيات مخيفة.

فقد ذكرت أنه أزيد من 8000 مقاولة أعلنت إفلاسها في 2018 وارتفع العدد إلى أكثر من ذلك في سنة 2019

كما ” سجلت الأرقام المتعلقة بمعدل إفلاس المقاولات – حسب السجل التجاري المركزي – 5587 مقاولة في 2018، و5690 في 2017، و5196 في 2016،”[1]

و”كشفت إحدى الدراسات التي أنجزت مؤخرا من طرف المركز الجهوي للاستثمار بجهة الدار البيضاء – سطات عن رقم مخيف، يرصد إفلاس نصف المقاولات (64 ألف مقاولة) التي شملتها الدراسة في الفترة الممتدة ما بين 2003 و2015″[2]

هذه الإحصائيات رغم ضخامتها تبقى نسبية وأقل من الواقع على اعتبار أنها تهم حسب المختصين نوعا واحدا من المقاولات يسمونه المقاولات المعنوية. فما أسباب هذه الظاهرة؟ لا شك أن أسبابها متعددة ومتشابكة بعضها يخرق الجغرافيا مرتبطا بقوى الاستكبار العالمي وبعضها يخرق التاريخ الحاضر، قديما قدم الاستبداد.

في حوار له مع جريدة هيسبريس أوضح الاقتصادي عمر الكتاني أن “المغرب، منذ حصوله على الاستقلال، أسس لنموذج اقتصادي رأسمالي، بحيث أسهم في إنشاء 4800 ملياردير في البلد إلى حدود الساعة، يتحكمون غالبا في 80 بالمائة من الاقتصاد الوطني، في حين لم تنخرط جلّ المقاولات الصغرى والمتوسطة في 90 في المائة من الاقتصاد المغربي لأنه متمركز في مصلحة فئة معينة”، متسائلا: “ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في تشجيع غير الأغنياء؟”[3]

بعد هذا من حق الشباب أن يتساءل هل من آمال تعلق على مبادرة كهذه؟ إلا أن تكون مغامرة غير متوقعة النتائج.

الاستبداد والمال:

يقول الكواكبي: ” الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر…أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال”[4].

المال بالنسبة للاستبداد مسألة حياة أو موت. ذلك أن به يستطيع شراء الذمم، وتكميم الأفواه، وابتزاز الأحرار، وكبح المعارضين، وتجويع المخلوقين.

فإذا كان الاستكبار العالمي يسيطر على الدول ويتحكم في سياساتها بما يقدمه لها من قروض، فإن الاستكبار المحلي يسيطر على الهيئات والأفراد بما يقدمه من مساعدات أو قروض.

لذلك فإن أي مبادرة تصدر من منظومة فاسدة لا يمكن تقبلها بحسن نية مهما حاولوا صبغها صبغة تكافلية أو إحسانية إلا أن تكون ساذاجا مغفلا. فالاستبداد لا يفكر في مصلحة مواطنيه بقدر ما يفكر في مصلحته التي تحكمها غريزته في البقاء. سيما وهو يرى نهضة الشعوب وتهاوي أنظمة مستبدة عتيدة. هذا يدفعه إلى توسيع مساحات المناورة من أجل التراجع للوراء إن أحس باقتراب ساعة الانفجار الكبير. فيمتص الغضب بمبادرات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب

إن نظاما ماليا تزعجه مبادرات فردية وثنائية كـ ” دارت ” يلجأ إليها البسطاء لقضاء ضروريات عجزت عنها أجورهم، ويزعجه ادخار المواطن البسيط دريهمات تحت حصير بيته. ولا يلتفت لمهربي الأموال خارج الحدود، لهو نظام متوحش أنى له ان يقدم إحسانا للناس.

الاستبداد والشباب:

الشباب هم عماد المجتمع وروحه. هم حاضره ومستقبله. وهم أساس كل تغيير منشود، عليهم تعقد آمال النهوض بالأمة. وقد عبروا عن وعيهم وشجاعتهم حين طالبوا بالحرية والكرامة والعدالة، وحين هزوا أركان الاستبداد في أكثر من دولة. فلا شك أن يحسب لهم الحساب، وأن يفكر المستبدون في الانتقام منهم، وأن يضعوا الخطط لتكبيل طاقاتهم، وتوهين قواهم، وأن يقدموا لهم الحب ليقعوا في الفخ. وهي حرب متعددة الجبهات، إغراقهم في المشاريع الفاشلة بالقروض المغرية جبهة من جبهاتها. سيما والقليل منهم من تلقى تعليما يؤهله لأن يدير مقاولة. وهذه جبهة أخرى، جبهة التربية والتعليم، ولك أن تسأل الإحصائيات الداخلية والدولية عن ترتيبنا في التعليم بين الدول. يقول الكواكبي: ” والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان، فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم “[5]

خاتمة:

إن الفتوى الشرعية إذا لم تصدر من فقيه خبير بالسياسة، مطلع على طبائع الاستبداد، يدور مع القرآن حيث دار، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، كانت وبالا على المسلمين، خرقا في الدين، خادمة للمستكبرين.


الهوامش:

[1] ـ http://ar.telquel.ma/ بتاريخ 23 يوليو 2019

[2] ـ نفسه

[3] ـ نقلا عن جريدة هيسبريس الالكترونية بتاريخ 18-شتنبر-2019

[4] ـ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ـ عبد الرحمن الكواكبي

[5] ـ نفس المصدر السابق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.