منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطوة الأولى (خاطرة)

محمد فاضيلي

0

مشهد عظيم قد هز كياني كله، وجعلني أرقص من شدة الفرح.. مشهد لم أستمتع به منذ سنين طويلة، منذ أن شبت جميلتي الصغيرة، ابتسام ، عن الطوق، واعتادت عيناي على رؤيتها، تجوب زوايا بيتي وغرفه المتواضعة، بخفة وحيوية ونشاط، ومنذ أن حجمت عن مصاحبتها، في خرجاتي ونزهاتي المتتالية …
الآن، يعود المشهد في أجمل صوره، وتعود الذكريات الجميلة لتفاجئني من جديد، وبإثارة وجاذبية أكثر .. ربما لأن الزمن لم يعد هو الزمن، وربما لأن النفس قد تحملت من الآلام والمآسي والجراح، ما جعلها في أمس الحاجة إلى البلسم والضماد، وربما لأن ثبات العقل قد انهزم امام تموج القلب وسبحات الروح.. أو ربما لأن العمر لم يبق فيه الكثير…
لكن الحقيقة التي أطارت العقل، وسحرت اللباب، أني رأيته..رأيته وانا في مكتبي..منهمك في عوالم وفضاءات وازمنة ليس لها حدود :
وسيم يقدم نحوي، يسير الهوينى..يزحف على ركبتيه، يرفع راسه ويحدق في بعينيه الخضراوين الذين يشعان حيوية وبريقا..أرى فيه الطفل الذي افتقدته من زمن بعيد..يصرخ بأرق صوت: بابا!
ما اجمل المشهد وما اغربه! إنه الإلهام..الذي يحرك المشاعر، ويفتح الباب لصيد ثري من الخواطر والإبداعات! يقف صامتا لهنيهة..اقترب منه، فتنفرج منه ابتسامة تذيب العقل وتشل الروح! يمد يديه بخفة..امد يدي واضمه إلى صدري، فاحس كأني قد ضممت الدنيا باسرها، بعدما أتتني طائعة ماتعة..
أطلقه على مضص، يزخف نحو الباب..لكن ركبتيه قد ملتا الزحف، وصرختا في وجهه: ألم يان لك أن تصبح رجلا بعد!؟
يستند إلى المكتب..يرتفع رويدا رويدا..يقف على رجليه..ينظر إلي، وكأنه ينتظر مني تصفيقا وتشجيعا على المسير..أطلق هتافاتي دون أن أشعر: سر سر سر..در در در..در يا قمر! فأرى رجله تندفع ببطء نحو الأمام، فيسقط، ثم يقف، ثم يسقط، ثم يقف، ويمد الرجل ثانية، وأنا أحدق في صمت وانبهار..وإذا به يتقدم، ثم يقف، ثم يتقدم..
وبشق أنفس .. يخطو خطواته الأولى!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.