منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

للعطلةِ سَكَرات… ولا أحد هناك (قصة قصيرة)

رضا نازه

0

عطلة هادئة لذيذة رغم قِصَرها. سرُّ لذتها هو أنك لم تنافس زملاءك، بل سحبتَ طلبَ عطلةٍ وافقَت عطلة أبنائهم. أجَّلتَه حتى عاد الجميع إلى العمل والدراسة. كأنك تريد أن تعمّر طويلاً، منذ سمعتَ منشطة برنامج تسأل رجلا مُعَمِّرًا عن سر عمره، فأجاب أنه لا يجادل ولا يعترض أبدا، ولما قالت: “هذا لا يمكن”. أجابها بانسجام: “بالطبع هذا لا يمكن!”.

دون لِجاج نلتَ عطلتك، نعم. لكن لا ينفي أن رئيسك المباشر أو غير المباشر بالرغم من كل التنازلات قد أجَّل طلبَ عطلتك مِرارًا، وأنت في كل تلك المِرَارِ تفاعلتَ بروح إيجابية لا تضاهيها إلا إيجابية الفهد الوردي. بل فرحتَ أيّما فرح لأنك اعتبرت تلكؤه دليلَ محبةٍ ورغبةٍ منه في دوام رؤيتك؛ ثم أعدت الطلبَ في كل مرة بتاريخ جديد، حتى حارَ تحَكُّمُه القانوني في سِلمِيَّتِك الوقحة وهدوئك الفاجر. في الأخير لم يجد بدا من أن يوافق على طلبك وقد ارتد عليه بُومِرَانغ الغيظ أو الإغاظة.

لكنَّ العطلةُ الممنوحة أخيرا صادفَت أيامًا مطيرةً لا تغري بسفر أو تجوال. شيءٌ وحيد توحي به. السُّبات. مثلَ سلحفاة تحمل بيتها حيثما حلت وارتحلت، لا تبالي آخر الشهر بتوفير “واجبِ عدم الطرد والتشرد” أو ما يسمى عادةً “واجبَ الكراء” ولا بأقساط قرض السكن الأبدي.. كم أحسد السلاحف. عافاها الله من “قوارض” البنوك، مع أن البنوك أسلمت مؤخرا وصارت أسماؤها الصفاء والاستقامة والصدق. كأنها لم تكن صافية ولا مستقيمة ولا صادقة من قبل.. الاعتراف سيد الأدلة يا قوم!

رغم ذلك تُسامحُ المطرَ الذي بات يهطل طول الليل، فيرد الجميل بحيث يصبحُ الجو صحوا، فتخرج من مأواك المُؤدَّى عنه في أول صبيحة من عطلتك المُنتَزَعة. تمضي مستمتعا بإيقاع مشيك الذي لا يستعجله الوصولُ والحضورُ البدني في مكتبٍ أمام حاسوب ينبعث منه أزيز كأزيز دار مُوَلِّد كهرباء الحي. إيه.. كم حذرك الاقترابَ منها بَّا حَسَن صاحبُ حانوت الزيتون والمُخللات المقابلِ. كان يبدو بلحيته على خلفية حانوته كتمثال حمورابي، وكانت “دَارْ الضُّو” تبدو كبيرة كمغارة هرقل. لكنك كنت أنت الصغير في الحقيقة. ومات بَّا حَسَنْ وقد كنت تحسبه ضروريا للحي وخالدا كزيتونة عتيقة، فإذا بابنه يجعل من محل الزيتون محلا لبيع الحواسيب، وصار يُسمع هناك بالجملة نفسُ الأزيز الذي فررتَ منه بالتقسيط.

ثم جلست في ركن هادئٍ في مقهىً واسع، تغتنم قلة الرُّوَّاد وتضربُ هدوءَ المكان في هدوءِ الزمان.. وفتحتَ كتابا لذيذا راقك لأنه يحكي عن سائحٍ اكتشف أن أولى خصائصِ الإنسان هي الراحة والسياحة في الأرض والتفكر والارتحال دون شهوة وصول. وهناك يدخل المقهى شخصٌ رفقةُ أنثى من حورِ الطين ومما يسحر العين فلا يختارا لجلوسهما الحميم من كلِّ الأماكن الشاغرة إلا الركنَ الذي أنت فيه، والتختَ الذي تجلس عليه. يجلسان حتى لا يبقى بينكم سوى شِبرٌ كي يلتصق الكتفُ بالكتف وتُسَدَّ الفُرَجُ وتقامَ صلاةٌ قبل وقتها. تنظر في مرآة مقابلة فتكتشفُ أنكم جلستم عرْضًا كسائق ومُعاونيه في قمرة شاحنة تنقل الطوب والإسمنت. يطلب الشخصُ لرفيقته أشياء كثيرةً مما لذ وطاب، ربما يكونُ خِتامَها عصيرُ البرتقال، فتتناول هي من كل ذلك مقدارَ رؤوس أناملها الأرجوانية.. بينما هو قد أخذُ هاتفَه المحمول وانخرط في مكالمة صاخبة على مسافةِ صِفرٍ من أذنك. صار يُلقي التعليمات والأوامر، ويزمجر في أذن مخاطبه بسبب غياب شخص آخر عن العمل.. وصرتَ أنت عوض القراءة تنصت إليه كأنك المرؤوس الغائب، وكأنه ينقل لك على الهواء مباشرة جو غيابك الآن، ويكاد يُنَدِّمُك ويُنسيكَ عطلتَك.. “هكذا أنتم إذن يا سادة.. تعشقون العطلة وتكرهونها لغيركم!” ثم تلتقي عينُك بعيني رفيقته فتبدي حرجا من استعراضية نوفل (خطر ببالك أن اسمه نوفل. هكذا.) ومن يدري. فقد تكون مكالمته بيضاء وما في الهاتف أحد، لكنه في خضمها مرَّرَ هاتفَه ليده اليسرى ومدَّ يُمنَاه للوزٍ مُعسَّل أثارَه فوق الحلوى. التقمه ثم أعاد الهاتفَ ليُمناه. وحين وضعَه على المائدة كانتْ شاشةُ التحفة الكورية قد تعسَّلت..

المزيد من المشاركات
1 من 43

يخطرُ ببالك مَقلبٌ انتقامي.. أن تتحدثَ معه بأريحية حتى يراكما النادل، ثم تنصرفَ وتقولَ لهذا مشيرا لذاك: “صديقي نوفل سيتكلف”، وتتخيل السيناريو بعد اختفائك.. النادل ينبهه باسمه نوفل عند انصرافه ويطالبُه بالحساب الكامل!

– مَن نوفل هذا؟ وعن أيّ حساب تتحدّث؟

قد يثور نوفل بمفعول الشمتة؛ وقد يكظم ليرائي رفيقتَه بالكرم الطائي الحاتمي. لكنك تتعوذ من الشيطان الرجيم. أولا لكي تفوِّتَ عليه مزيدا من التيه والفيْش المُحتملين. ثم من يدري.. لعله يقومُ مباشرة بعد قيامك فيقتفي أثرَك، لأن مثله في حاجة لهرمون المشاهدين..

والأسوأ من ذلك هو أن يقول لك النادل مستغربا:

– مَن نوفل هذا؟ وعن أيّ حساب تتحدث؟

فتلتفتَ لتكتشفَ أن لا أحد هناك، وأن للعطلةِ سَكَرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.