منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التي نسيها الزمن “تفرسيت”

التي نسيها الزمن "تفرسيت"/ نبيلة دلوع

1

التي نسيها الزمن “تفرسيت”

بقلم: نبيلة دلوع

طالبة جامعية تخصص “اللسانيات الفرنسية”

كاتبة روائية مبتدئة

فــي“مُحيّ تـفـرسيت” عـلـى ظهر جبل شامخٍ يسر الناظرُ، يروي الظّماُ وينبع منه الزهد والكرم، ذراع الخجيج والصرصر الباردة تضم أعين الكحلِ والخد الأحمرِ على وجوه نساءٍ شامخاتٍ انحنت ظهورهن بجمع الحطب و أُثقِلت أيديهن من العبء، قبل بزوغ الشمس ينهضن من غلبة النعاسِ يفطرْنَ أبناءهن، ويلبسن ثيابهن او ما يعرف باسم “القاندورا”، في اتجاه مألوف، نحو الغابة يجمعن الحطب ويحمِلنهُ على أظهرهن، يحاربن قساوة الظروف وقساوة البرد مرة كهجيجٍ ومرةً كخريقٍ، أيديهن تروي عذاب العيون حينما تسلب من منبعها العذب والباردُ، ياحيفٌ عليك يا زمان فعلت مالم يفعل العدو بالعدو، سرقت أهازيج كانت تروى بين جميلات الأعين وترددها أصدى الجبال، بصوت عالٍ كانت تسمع ضحكات ودفء نوَّسَتِ المكان، تغير مجرى الأحداث حيث كانت الهضاب خضراء تخطف الأنظار، والسهول تتمايل بالسنابل المائلات من شدة الرياح ِ، حيث كان في كل بيتٍ أبقار تحلب كل صباحٍ، و المعز ينُطُّ من فوق الأشجار، كانت الجدات تروي للأحفاد حكايات وأساطير ورثت منذ أمد طويل على رأسهم حكاية الغولة ” ثامزا” باللغة الأمازيغية بحيث تعتبر شخصية أسطورية من الميثولوجيا الأمازيغية الريفية، حيث كانت تروي الجدات أنها سكنت بلاد الأمازيغ في العهود القديمة مما جعلها أسطورة تروى على كل لسان، رغم افتقارهم للحاجات، كانت البيوت على حد سواء تسمع منها ضحكات تتعالى ليلا ونهارا بين نساء القرية وهن ينسجن الصوف ويصنعن الزرابي، اذا زار الضيف رحبت به الأرض والسماء يأكل أطيب خبز مصنوع في فران ممزوج بتراب او مايدعى عند أهل المنطقة باسم” ثافقونت او ثينورث” ذو رائحة شهية ومن نوع خاص لا توجد في خبزنا الحالي، كانوا يستضيفون ضيوفهم بكؤوس حليب طري ورغيف شهي مع السمن البلدي والعسل الحر، وكؤوس الشاي ذو رائحة تخمر القلوب قبل العقول منسم بنعناع أخضر يبعث الروح في صاحبها من جديد، وكانت الجلسات على الأرض والأكل باليد ويشعر الضيف كأنه واحد منهم وليس غريبا اتى وزار، يعيشن في بيوت من تراب لكن كانت ذو معدن أصيل كأن الحجر الذي بُنِيت به من ياقوت وعنبر، حيث يزرع الطمأنينة في الروح وينبع الأمل في القلب، كانوا أهل القرية يتجمعون في كل مناسبة ويطلقن النساء زغاريد جميلة تصيح الديك اذا نام، ويرقص الفتيان، واذا حال غم بأهل المنطقة يحل بهم جميعا، كانوا الرجال يجتمعون في بيوت الله يذكرونه ليل نهار فاذا حل فصل الشتاء يستغاثون بغيث غزير، يفرح الناس والحيونات تنبت الأزهار، وتخضر الطبيعة، وينبت الزرع يجدون مايأكلون في فصل الصيف وإذا حل فصل الخريف،تلونت الطبيعة بين أخضر وأصفر ويبدأن النساء بجمع أوراق الشجر والربيع المصفر لتلبية حاجيات الغنم في فصل الشتاء، واذا جاء العيد تلونت ايدي النساء بالحناء الجميلة، ولم ينم الصبيان من شدة الفرح، وأما الأئمة في المساجد يعطون دروسا قيِّمة للأطفال في الأخلاق والإحترام حيث كان الصغير يستحي والكبير كذلك لكن بعد هنيهات من الزمن في أواخر التسعينات تغيرت المآل، هجر الشباب ومات الأجداد، وانفرد الأباء، تحضرت القرى تعالت البنى، وتطورت التكنولوجيا، لكن النفس مزالت تعشق تفرسيت القديمة وفي إحيائها مزالت تهوى.

تعليق 1
  1. محمد نسيم يقول

    بالتوفيق ان شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.