منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دواء النقد

دواء النقد/ ذ. فؤاد هراجة

0

دواء النقد

ذ. فؤاد هراجة

من أجل تحقيق أي مشروع في الحياة، وإنجاح أي إنجاز بأعلى المعايير الممكنة لا بد لأي مُنْجَزٍ أن يمر بأربع مراحل رئيسة:

طور الفكرة وطور الخطة، وطور التنفيذ، ثم طور التقويم والنقد، بحيث يتم تغذية أي عمل جديد بالخبرات الناتجة عن تقيبم تفاصيل العمل السابق من حيث الزمن والآداء والإخراج….

ويمكن اعتبار نهاية أي عمل وقتا مثاليا لمراجعة ما فات، والتخطيط لما هو آت من أوقات وأعمال على ضوء الخبرات المكتسبة مع الحرص الشديد على إبراز نقاط القوة والتفوق والتقليل من مساحات الضعف إلى أبعد مدى ممكن؛ وكل هذا لا يمكن أن يتم إلا عبر منهج نقدي يروم التطوير والتقدم نحو الأفضل.

ولأن أغلب الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لا زالوا ينظرون إلى النقد بتوجس وخيفة، والى المنتقدين (النقد البناء) بعين النقص، فإننا نؤكد بأن النقد دواء مر لا بد من تجرعه، وإلا فإن أدواء التخلف والركوض ستتفاقم وتصبح أمراضا مزمنة، وستتكاثر معها الأخطاء حتى تصير خطايا قاتلة! إن مَثَلَ النقد في واقعنا الحالي كمثل الثوم، طعمه لاذع، ورائحته كريهة، لكن فوائده ﻻ تعد ولا تحصى، ولا تقدر بثمن؛ فالنقد أشبه بصيدلية جامعة تحوي الأدوية القادرة على تخفيف آثار التخلف وتجفيف منابع الانحطاط، وهو مفيد جداً في تقوية جهاز المناعة الاجتماعي، بحيث يصبح حساساً تجاه كل الأمور السلبية المثبطة التي تجر إلى القهقرى. فضلا عن ذلك، فإن النقد يُطَهِّرُ أمعاء الأمة من الشوائب ويخلصها من المخلفات الضارة، ويوقف إسهال الإمكانات وإهدار الطاقات، ويحارب أسباب الفساد، ويجفف منابع الشرور، ويتصدى لمراكز المنكر، ويفضح مخططات أهله ومؤامراتهم.

ويساعد النقد رئة المجتمع على تنسم أريج الحرية واستنشاق عبير الكرامة، ويزيل كوليسترول الآثام ودهون المعاصي، ويجعل دم التجديد داخل شرايين المجتمع طبيعية، بعيداً عن الهبوط المميت أو الانفجار القاتل!

في المقابل ينبغي أن لا ننسى أن المجتمع الذي لا نقد فيه، كـالجسم الذي لا كبد فيه ولا كليتين له، فإن مهمة النقد هي فرز الأفكار، وغربلة الأخلاق، وفلترة العواطف، حتى يتم استبعاد الغث وترك السمين، وينجح في طرد السموم الضارة واستبقاء العصارات المفيدة!
ومن فرض البيان أن نستحضر في هذا المقام قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}، فإن من يتأمل هذه الآية يجد في ثناياها دعوة جادة للجمع بين مراجعة الماضي (النقد) وبين استشراف الآتي (التخطيط). فإن قوله تعالى: {ما قدّمت} بالماضي ولم يقل ما تقدم أو ستقدم، إشارة واضحة إلى وجوب مراجعة ما تم إنجازه بروح نقدية تستكشف مواطن الخلل، وتراكم نقاط القوة، وتجفف منابع الضعف؛ حتى يصبح التجهيز للمستقبل المشار إليه بعبارة {لغد} يصبح أكثر فاعلية. وهذا يشمل الغد القريب في الدنيا والغد البعيد في الآخرة، حيث لا انفصام في الرؤية الإسلامية بين الدنيا والآخرة، فإن عمارة الأرض وصناعة الحياة وفق هدايات السماء هي الطريق المستقيم للوصول إلى مرضاة الله، وفَردَسَةُ الدنيا هي المسلك الأقوم لبلوغ الفردوس الإلهي في الآخرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.