منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في ساحة المؤسسة (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

بدأ التذمر والاستياء تتضح معالمهما على ملامح الأساتذة خصوصا النساء بالإعدادية الثانوية نور الهدى، بمجرد ما تَمَّ وضْع لائحة على السبورة النقابية بساحة المؤسسة.

تضم اللائحة المثيرة أسماء الأساتذة الذين سيُلَقَّحُون في المرحلة الأولى بتواريخ ازديادهم ورموز بطاقاتهم وأرقام هواتفهم.

التحقت النساء تباعا بالإدارة، وقدمْن احتجاجا شديد اللهجة، واعتبرن ذلك إفشاء لسر المهنة، ومحاولة الإشهار بهن، بعرض تواريخ ازديادهن، وأرقام بطاقاتهن وهواتهن على الملأ.

حاول المدير أن يقنعهن أنه ينفد الأوامر، لكن تهديدهن وصل الى الإعلان عن وقفة احتجاجية والتهديد بالاتصال بوسائل الإعلام، والإضراب عن العمل لمدة ساعة.

أمر المدير الحارس العام لامتصاص غضبهن، بإزالة تلك اللائحة من السبورة النقابية للإعلانات، وتوزيع استدعاءات فردية، تسلم يدا بيد، عبارة عن إشعار يحمل المعلومات التالية:

المزيد من المشاركات
1 من 17

أن يلتحق كل الأساتذة الذين تجاوز عمرهم خمسة وأربعين سنة يوم الاثنين على الساعة التاسعة صباحا بالمركز الصحي القريب من المؤسسة للتلقيح من فيروس كورونا كوفيد 19 عن المرحلة الأولى.

قاطعتْه إحداهن قائلة:

” لكن بعد ماذا؟.. بعد خراب مالطة، لقد تَمَّ التشهير بنا، وتعريضنا للخطر، والكل اطلع على اللائحة حُرّاسا، أساتذة وطلبة “.

اعتذر المدير للمتذمرات، مُبديا أسفه وأن ما حصل قد حصل، في حين اجتمع الأساتذة الذكور في ركن بساحة المؤسسة، يتشاورون حول واقعة هذا الصباح، ولا حديث لهم إلا عن تواريخ ازدياد زميلاتهم.

فاجأهم الأستاذ يوسف بملاحظة غريبة قائلا:

شَكْل الأستاذة رقية أصغر من سنها بكثير، ويوحي لك شكلها وانت تنظر إليها، أنها لم تتجاوز الثلاثين، في حين أنها تجاوزت الأربعين.

أما الأستاذ مراد فعبّر عن إعجابه بالأستاذة بديعة، قائلا:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

” رغم كبر سن الأستاذة بديعة، واقترابها من سن التقاعد ونهاية الخدمة، لا زالت قوية ومتينة، تمشي بخطوات ثابتة داخل القسم وبساحة المؤسسة، واثقة من ذاتها، رغم ظروفها الاجتماعية، هل تعلمون أنها منذ حلول الجائحة بالمغرب مع الحجر الصحي وزوجها عاطل عن العمل، وهي الوحيدة المسؤولة عن مصاريف البيت وتكاليفه، بروح تضامنية ونفس سخية؟!.. الأستاذة بديعة نِعْمَ الزوجة الصالحة صراحة، ترفع من قيمة المرأة المغربية عاليا “.

كما أبدى الأستاذ سعيد استغرابه وهو يوجه ملحوظة لزملائه:

لم أكن أتوقع أن أسماء أستاذة اللغة الفرنسية من مواليد سنة 67، بسبب أناقتها، ونعومة بشرتها، وشبابية ملامح وجهها، كنت أظنها من مواليد سنة 87، حسبتها شابة في قمة عنفوانها.

واصل رفيقه الأستاذ مراد الحديث موضحا:

إن التجْمِيل بعملياته، والتَّجَمل بخُدَعِه أكبر كذبة عرفتهما البشرية، وأكبر خدعة انطلت على الإنسانية، لِلتَّجْميل قدرة على تحويل القُبْح جمالا والبشاعة بهاء، ولِلتَّجَمل براعة في إخفاء الحقيقة، لقد كانت مساحيقها تخفي التجاعيد، وصباغة الشعر باللون الذهبي تخفي شعيرات الشيب برأسها، وأناقتها مصدر إشعاع، يبهر الناظرين إليها، ويخدعهم.

قاطعهما الأستاذ عبد الحميد أستاذ التربية الإسلامية ذو اللحية الكثيفة المخصبة بالحنّاء:

المؤلم والمخجل أنها سافرة وغير محجبة، لا تخجل من نفسها، وهي في ذلك السن، الذي لا يسمح لها بالإنجاب، ومع ذلك تخرج للعلن سافرة ومتبرجة.

لم يمهله الأستاذ رشيد، فشن عليه هجوما، بمرجعيته العلمانية:

أنت دائما تربط بين الحجاب والإنجاب، وبين المرأة والجنس، وتلغي من قاموسك، الحب..التراضي..الدوافع الإنسانية..والحريات الشخصية، السعادة يا زميلي تنبع من القلب، شعور داخلي يرتبط بالرضى والقناعة ولا علاقة لهما بالسفور والحجاب، لأن الحجاب لم يكن يوما معيارا للأخلاق، ولا مقياسا للراحة النفسية، الدِّين يا زميلي يرتبط بالجوهر والتَّدَين يرتبط بالمظهر، فكثيرا ما يخدعنا المظهر أو يساعدنا على المغالطات.

قاطعه الأستاذ عبد الحميد ساخرا:

دائما تفسرون الدين على هواكم، وتَبْتُرون من القيم ما لا يتماشى مع مزاجكم.

ودخلا في جَدَل وجِدال، حول ملابس الحشمة والوقار، وبين المظهر والجوهر، لينتقلا من موضوع إلى موضوع، من العلم والدين إلى الأصالة والمعاصرة، وتلك عادتهما كلما التقيا في اجتماع أو تجمع، إذا تَدَخَّل أحدهما في نقطة نظام، إلا واعترضه الآخر بنقيض أقواله، وكأنهما عضوان بمجلس المستشارين، ويتلاسنان في قبة البرلمان.

ظل الاستياء باد على وجوه الأستاذات، والنرفزة في الصوت وحركات الأيدي ملحوظة، وهن يتبادلن أطراف الحديث حول موضوع التشهير بهن.

قالت لهن فاطمة الزهراء أستاذة العلوم الطبيعية:

” هل تعلمْن؟!..، أنا الوحيدة في العائلة التي يعلم أفراد أسرتي كل شيء عن مهنتي، مبلغ مرتبي، تاريخ ترقيتي، حتى اليوم الذي تصل فيه أجرتي إلى البنك، ومع تداول الأخبار عنا بالاقتطاع أو زيادة في الراتب، يعلمون بها في نفس اليوم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر وسائل الاعلام، والغريب في الأمر أن لي إخوة أحدهم في الصحة والآخر في الأمن والثالث بوزارة الشباب والرياضة، ولا أحد يعلم بسقف مرتبهم أو بأسرار مهنتهم، دائما أتساءل مع نفسي لماذا نحن أسرة التعليم وحدهم الذين أسرارهم مفضوحة وغسيلهم منشور في كل وسائل الإعلام؟…”

هدّأت من روعها الأستاذة بديعة وهي أكبرهن سنا، وأكثرهن هدوءا بحكم التجربة والسن قائلة:

لكننا الوحيدات اللواتي يحاربْن الجهل في زمن الانحطاط، ومهما قيل عنا، سنبقى الشمعة التي تنير الدروب للأجيال الصاعدة، والسراج المنير الذي يضيء المسارات، والفكرة المتنورة التي تبني عضلات المجتمع لمواصلة مسيرته التنموية.

أما الطلبة من قلب ساحة المؤسسة، فقد كانوا يتبادلون النكت والطرائف عن سن الأساتذة ذكورا وإناثا، وحركاتهم وأقوالهم، والبعض الآخر من الطلبة النبهاء سجّل تواريخ ازدياد أساتذتهم حتى يحتفلوا معهم بأعياد ميلادهم.

اجتمع الأساتذة يوم الاثنين صباحا بالمركز الصحي، والكمامة تخفي قلق بعضهم من عملية التلقيح، وتباعدهم عن بعضهم في صفوف متباعدة، وعلى كراسي متفرقة بساحة المركز، وخوفهم من عدوى الفيروس، زادهم إصرارا ورغبة في التلقيح.

حضر جميع أساتذة المؤسسة الذين تجاوز عمرهم خمسة وأربعين سنة إلا الأستاذ عبد الحميد رغم أنه على مشارف الخمسين، لم يحضر.

آثار غيابه انتباه زملائه الذين ظلوا يتساءلون عن سبب تأخره وعدم حضوره في الموعد، نظر بعضهم إلى بعض وهم يتساءلون هل تعذر عليه الحضور لظروف عائلية أم لأسباب صحية؟..

وقد اعتادوا على حضوره المبكر يوميا إلى المؤسسة قبل الدخول القانوني بنصف ساعة، دائما هو أول من يشرع في الدرس داخل قسمه، وأول من يحضر الى الاجتماعات، وأول من يصل الى التجمعات.

اتصل به زميله المشاكس مدرس الرياضيات الأستاذ رشيد ليستفسره بحكم الزمالة، لكن صوت حريمي أجابه عبر الهاتف، أدى لها التحية والسلام، موضحا أن أسباب الاتصال هو غياب الأستاذ عبد الحميد عن التلقيح، تفاجأت السيدة بالغياب، ثم اعتذرت له، لأنه نسي هاتفه الشخصي بِبَيْتِها، وعرّفتْ بنفسها،أنها الزوجة الأولى للأستاذ عبد الحميد الذي قضى ليلته بالأمس في بيت الزوجة الثانية، ولا تعلم شيئا عن هذا الغياب، وزودته برقم هاتف بيت الزوجة الثانية، وخشي الأستاذ رشيد أن يتصل بالزوجة الثانية، فتُحيله الى بيت الزوجة الثالثة،أغلق الخط وأبلغ رفاقه أن الخطوط متشابكة ويصعب الاتصال به في الوقت الراهن، ابتسم بذكاء وهو يدلي بهذا المبرر.. بل تَصَنّع تلك الإبتسامة بدهاء..و ربما بألم وحسرة، لأنه الوحيد في المؤسسة الذي لازال أعزب، ولم يسبق له الزواج، رغم أنه احتفل قبل أيام بعيد ميلاده السابع والأربعين.

صادف تاريخ الحقنة الثانية يوم الإثنين 8 مارس، اجتمعت نساء الصفوف الأولى ببعضهن يوم عيدهن، نساء التعليم يكشفن عن ذراعهن الأيسر ونساء الصحة يلقحنهن الحقنة الثانية دون ورود..دون تهنئة..دون كلمات طيبة في حقهن.

دخلت شابة من الهلال الأحمر إلى المركز متأخرة، وجهت خطابها مبتسمة إلى صفوف النساء:

تهانينا يا نساء، اليوم عيدكن، ومعذرة لم نقدم لَكُنَّ الورود، ولكن اعتبرْن هذه الحقنة بمثابة وردة مهداة الى كل واحدة منكن.

أجابتها إحدى أستاذات اللغة العربية:

نحن ورود سواء كنا في الأغصان أو في المزهريات، والورود لا تحتاج إلى ورود. الوردة منا تحتاج فقط إلى حنان يد، تمسك الوردة برفق، وترعاها بحب حتى لا تفقد عطرها أو تذبل قبل الأوان، وإلى عقل عاشق متفتح يقرأ الأحاسيس بمحبة، ويحترم المشاعر بكل تقدير حتى لا يقتلنا الإهمال.

تبادلن التعليقات في هرج والدُّعَابَات في مرح، وسرى بينهن غمز ولمز وانشراح، ثُم واصلتْ نساءُ الصحة تلقيحَ نساءِ التعليم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.