منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفرنكوفونية و السيطرة اللغوية الفرنسية بالمغرب

مصطفى بنحمو / الفرنكوفونية و السيطرة اللغوية الفرنسية بالمغرب

0

الفرنكوفونية و السيطرة اللغوية الفرنسية بالمغرب

                                                   إعداد الباحث: مصطفى بنحمو  

                                                                         

تمهيد:

بمجرد تأمل بسيط في الواقع المغربي، في الشارع و الإدارة، في الإعلانات و الشركات و البرامج التلفزية …، سيبدو واضحا كم أصبحت اللغة الفرنسية مسيطرة على الحياة المغربية، إنه غزو لغوي يستهدف الهوية الثقافية المغربية، إنها حرب شرسة على اللغة العربية في كل مجال و فضاء، هي خطة لطمس التاريخ المغربي بثقافته و عظمائه، إنها سطوة فرنسية يراها البعض غنيمة حرب، فيما يراها البعض بداية حرب جديدة لم تنته بعد.

 

أولا: بداية المشروع الفرنكوفوني بالمغرب

              ” العالم الفرنكوفوني”، يعود هذا المصطلح إلى ابتكار العالم الفرنسي” أونسيم ريكلوس” في ظل التأملات الجغرافية في مناطق نفوذ فرنسا في العالم.

و نجد في المغرب أن هذه السياسة اللغوية بدأ تنفيذها مع الجنرال ليوطي، حيث عمل آنذاك على الإنتقال بالمتعلم المغربي من الأمازيغية إلى الفرنسية مباشرة دون تلقينه العربية، لأن العربية عاملا من عوامل نشر الإسلام و القرآن، و لذلك يقول:” من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الإنتقال من البربرية إلى الفرنسية ، فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائما عن تعلمها، إن العربية عاملا من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن يبنما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام”.

يقول عالم الاجتماع المغربي إدريس الكتاني:” في إيكس ليبان التي حضرتها أنا مع الوفد، وفد حزب الشورى والاستقلال كالأحزاب الأخرى،  كان واضحا في أثناء المفاوضات أن من بين الشروط التي ركزت عليها فرنسا باستقلال المغرب، أن تظل اللغة الفرنسية لغة أساسية في التعليم والثقافة والإعلام في المغرب “.

وتؤكد الخزانة الوطنية الفرنسية بعد سنة  2006 ،  أن خلال الأعمال التحضيرية لمفاوضات الإستقلال تم استبعاد أسماء من الوفد المفاوض معروفة بنزوعها الشديد نحو إلغاء اللغة الفرنسية من الحياة العامة المغربية بعد الاستقلال.

ثانيا: مراحل الفرنكوفونية

إن المتتبع لمسار وتاريخ الفرنكفونية والمستقرئ لمسيرتها يقف عند هذه المحطات المهمة من تاريخها:

  • أول من استعمل مصطلح الفرنكفونية هو الباحث الفرنسي المتعصب سنة 1989، وكان الهدف من استعماله لهذا المصطلح بشهادة أحد الفرنكفونيين الكبار هو تنحيه للغة العربية والإسلام معا.
  • خطاب ديكول السياسي الذي اعتبره الفرنسيون تاريخيا سنة 1944 ، مباشرة عقب تحرير باريس من النازية.
  • 1961 ستنتقل الفرنكفونية من فكرة مع ريكلوس وبرنامج سياسي مع ديكول إلى ميزانية حية لتجسيد فكرة” من يتكلم فرنسيا يشتري فرنسيا.”
  • في سنة 1962 أصدرت مجلة الفرنكوفونية الفرنسية عددا خاصا لتمجيد اللغة الفرنسية.
  • في سنة 1966 سيتم تأسيس اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسة في شكل مرسوم جمهوري.
  • في سنة 1966 تأسيس منظمة الشباب الفرانكفوني.
  • في سنة 1966 تأسيس المنظمة الدولية للبرلمانيين الناطقين باللغة الفرنسية.
  • في 1969 تصدر جائزة أدبية لتشجيع الإبداع والكتابة باللغة الفرنسية.
  • في سنة 1969 تأسيس الفيدرالية الدولية للمعلمين الناطقين باللغة الفرنسية.
  • في 20 مارس سنة 1970 تأسيس وكالة التعاون الثقافي والفني للتبادل مع الحكومات، وتحول هذا اليوم إلى اليوم العالمي للفرنكفونية، وكان المغرب من أوائل الموقعين على اتفاقية التبادل الثقافي.
  • في السنة نفسها ستظهر القناة التلفزية الخامسة ويكون دورها تقوية الحضور اللغة والثقافي في المستعمرات السابقة.
  • في سنة 1986 المنظمة الجامعة بباريس وتنضاف إليها بلجيكا والكيبيك في كندا واللوكسبورغ.

تعليقا على هذه المحطات يقول الدكتور عبد الكريم غلاب: “الملاحظ أن اجتماعات هذه المنظمة كلها حديث عن التعدد والتنوع والاختلاف وكل ممارساتها إقصائية وهيمنة .

ثالثا:  الدعوة إلى التعريب

      كان الزعيم الوطني الراحل عبد الخالق الطريس أول من تقدم بمقترح قانون حول تعريب ، الإدارة والحياة العامة وذلك سنة  1963، إلا أن الحكومة آنذاك برئاسة أحمد بحنيني رفضته، لاعتبارات شكلية،  وإلى غاية سنة 1978، و أعاد النائب الإستقلالي البرلماني سعد العلمي طرح مقترح الزعيم عبد الخالق الطريس لتعريب الحياة العامة، إلا أن الحكومة برئاسة الإشتراكي عبد الرحمن اليوسفي قد رفضته أيضا لنفس الإعتبارات الشكلية. وفي سنة 2003 ، تقدم نواب من الفريق الإستقلالي بنفس المقترح رفضه رئيس مجلس النواب عبد الواحد الراضي الإشتراكي لاعتبارات شكلية أيضا، وأما سنة 2008،  فتقدم الفريق الإستقلالي بنفس المقترح إلا أن الوزير الإستقلالي المكلف بالعلاقة مع البرلمان سعد العلمي  والذي سبق له أن تقدم بنفس المقترح يوم كان نائبا رفضه هو نفسه لاعتبارات شكلية أيضا.

فهل للعبة شد الحبل هاته من نهاية بين من يقترح ومن يرفض تعريب الحياة العامة في تناوب عجيب على المواقع والأدوار ؟

رابعا: الفرنكفونية  ورسم السياسة اللغوية في مجال التعليم

أصرت فرنسا على التدخل الصريح والمباشر في السياسة اللغوية والتعليمية والثقافية للمغرب الخاضع لهيمنتها، بل وحرصت حرصا شديدا على فرض اللغة الفرنسية في مؤسسات الدولة والحياة العامة. بعدما  وجدت في النخب الفرنكفونية المتحكمة في القرار خير معين لها على تطبيق سياستها، حيث تحقق لها في مجال التمكين للغة الفرنسية في عهد ما بعد الإستقلال السياسي. ما لم يتحقق لها في عهد الإستعمار المباشر، لذلك فإن هناك من يرى أن الإستقلال الوطني لكثير من المستعمرات الفرنسية. تحقق في جلاء المستعمر عن الأوطان عسكريا، أما الإستقلال الإقتصادي والثقافي واللغوي فلا تزال جبهاته مفتوحة ومعاركها طويلة ضارية، وقد تمتد لعقود طويلة أن معظم السياسات والحروب كانت انعكاسات لغوية وثقافية، برهنت على خطورة الدور الذي تلعبه اللغة في حياة الأمم والشعوب.

مارست فرنسا ضغوطات قوية على المغرب من مواقع متعددة من أجل إقرار الوجود اللغوي الفرنسي بالمغرب،  وإعطاء الواقع الذي فرضه المستعمر أثناء فترة الإحتلال العسكري صفة الشرعية والإستمرارية في جميع الميادين، وخاصة ميدان التربية والتعليم وتكوين الأطر، حيث استطاعت اختراقه وفرض سياسة لغوية وتعليمية وثقافية تفرنس الأجيال القادمة وتفرغها من قيمها الثقافية والحضارية والدينية في أفق إدماجها في المشروع الفرنكفوني العلماني، الذي سيعزلها بشكل تام عن تاريخ وحضارة وقيم الأمة المغربية .

لا يخفى على أحد الدور الحاسم والكبير للتربية والتعليم في ترسيخ القيم والخصوصيات الثقافية والحضارية والدينية والأخلاقية، لذلك عملت فرنسا بكل ما لديها من وسائل على التحكم في بنية التربية والتعليم وتغييرهما ،والهدف من ذلك فصل الإنسان المغربي عن مقوماته الحضارية، حيث رسمت سياسة لغوية تقوم على تشجيع التمدرس باللغة الفرنسية في مقابل إقصاء اللغة العربية من التدريس بدعوى أنها ليست لغة العلوم والفنون،  وإنما هي لغة الدين والعبادات. بل  وصل الأمر بها إلى تشجيع استعمال العاميات واللهجات العربية والأمازيغية في التدريس، بغية إضعاف كل الروابط التي تجمع اللغة والثقافة بالمجتمع، خصوصا وأن اللغة الغربية لغة القرآن، وبالتالي فإن القضاء عليها بالتدريج هو قضاء على الثقافة والتراث الإسلامي.

، رغم الإستقلال السياسي للمغرب سنة 1956 إلا أنه لم يستطع وضع قطيعة نهائية مع سياسة المستعمر الثقافية واللغوية الإقصائية لكل ما هو وطني وعربي  وإسلامي، بل ظل مكبلا بالشروط التي أملتها مفاوضات “إيكس ليبان”، فكان الطابع العام الذي طبع الوضع الجديد هو الإستقلال السياسي في إطار استمرار التبعية الثقافية واللغوية والإقتصادية ضمن ما يسمى بالفرنكوفونية، وهذا ما فرض معالجة مختلف القضايا بالتشاور والإتفاق مع فرنسا بما في ذلك القضايا السيادية .

إن ثقل التركة الإستعمارية الفرنسية على المغرب أثر بشكل كبير على مشاريع الإصلاح والبناء على جميع الأصعدة . وقد بدا الأمر واضحا في المجال التربوي والتعليمي، الذي تعثرت كل مشاريع بنائه  وإصلاحه، من خلال الإضطراب والتردد في الإختيارات الذين طبعا معظم القرارات والسياسات التعليمية منذ الإستقلال، حيث طغى هاجس التوافق بين التيار الفرنكفوني النافذ والمتغلغل والمؤثر في كل مراكز القرار والمدعوم من فرنسا، والتيار الوطني المدعوم شعبيا لكنه يفتقد لأدوات الضغط الكافية للتأثير في القرارات، وفي صياغة المشاريع وتنفيذها، وخير مثال على ذلك قضية التعريب التي ما زلت تبرح مكانها منذ عهد الإستقلال رغم أنه أحد المبادئ الأربعة الأساسية التي قام عليها إصلاح التعليم غداة الإستقلال ، وهذا ينطبق أيضا على أكاديمية “محمد السادس للغة العربية” التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وخرج قانونها التنظيمي في الجريدة الرسمية منذ  سنة 2003 ، إلا أنها ما تزال حبر على ورق.

إن قوة اللوبي الفرنكفوني في مراكز القرار الوطني أفشل مشروع التعريب، الذي كاد أن ينجح لو توفرت الإرادة السياسية وخف الضغط الفرنكفوني الذي أبدى خوفه وانزعاجه من نجاح التعريب، خصوصا بعد نجاحه في بعض الدول العربية كسوريا والعراق والأردن. .


المصادر و المراجع: 

 ــ الفرنكوفونية و الإستلاب عوائق التعلم لأبو زيد المقري.

ــ ثمانون عاما من حرب الفرنكوفونية على الإسلام و اللغة العربية لإدريس الكتاني.

ــ الدعوة إلى الدارجة بالمغرب، عبد العلي الودغيري.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.