منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تحطيم التماثيل وسؤال الحرية والوجود

0

كان مقتل جورج فلويد، الأمريكي ذو الأصول الأفريقية، في مينيابوليس أثناء إلقاء القبض عليه يوم 25 ماي الفتيلة التي ستشعل نار الغضب والتظاهر والاحتجاج من قبل المتظاهرين في جميع المدن الأمريكية. وقد تابع العالم مشهد مقتله خنقاً عبر وسائل التواصل والإعلام لا سيما أن الطريقة التي لفظ بها أنفاسه كانت مهينة، وتمت ببرودة دم وبقصدية مقززة، من قبل الشرطة بعد أن جثم أحد رجالها على رقبته لمدة تسع دقائق، رغم صراخه واستغاثته المتواصلة. مما أدى إلى احتجاجات في مختلف الولايات الأمريكية ضد وحشية الشرطة وغياب المساواة العرقية، تقودها حركة “حياة السود مهمة”، ثم سرعان ما تعددت المظاهرات وانتشرت في أنحاء أوروبا وأخذت تتسع حتى أصبحت موجة عالمية كبيرة…

وقد ظلت هذه الاحتجاجات تتسع، ثم تطورت من موجة احتجاجات في الشوارع إلى موجه تطالب بالمساواة الحقيقية وبتغيير القوانين والإجراءات التي تشجع على العنصرية والعرقية وتطلق يد الشرطة في ممارسة تعسفها وعنصريتها، بل أضحت تهدد استمرار وحدة ولايات أمريكا بعد الأحداث الأخيرة وبروز تناقضات كبرى بين الفاعلين السياسيين المتعددين، في الوقت الذي أيقظت ملفات قتل وتعذيب وسوء معاملة، سابقة، لمواطنين سود في أمريكا وبعض دول أوربا…

انطلقت الاحتجاجات سلمية، وَوُوجِهت كثير منها بالقوة، وهدد الرئيس ترامب بتدخل الجيش، الأمر الذي رفضه وزير الدفاع بدعوى أن الجيش موجود لحماية الشعب وليس لقمعه أو قتله، ثم توالت الاختلافات وردود الفعل بين الرئيس وعمداء بعض الولايات والنواب وغيرهم.

عبر المحتجون بطرائق مختلفة عن مطالبهم التي أخذت تتسع، شيئاً فشيئاً، ثم أخذت منحى آخر امتد إلى كسر التماثيل والنصب والتذكارات المشهورة في أكثر عواصم أوروبا وأمريكا وغيرها، مع المطالبة بإزالتها جميعاً.

لقد ظلت دول كثيره في أوروبا وأمريكا تفتخر بمجموعة من “الأبطال” الذين أسسوا لها مجدها، ولو على حساب الشعوب الأخرى، فشيدت لهم تماثيل وتذكارات ونُصُبٍ نصبتها في شوارعها الكبرى، بل ألحقت أسماءهم بمناطق وشوارع وساحات… إنها تزهو بهذا “المجد” على حساب الأقوام والشعوب التي استعبدتها وأبادت بعضها وقهرت عناصرها. وها هي تخضع اليوم لإرادات الذين أعدوا لائحة لتماثيل هؤلاء “الأبطال”!. فهل حان الوقت لتعيد الشعوب كتابه تاريخها من جديد بل تاريخ الإنسانية، والعالم، من جديد؟.

المزيد من المشاركات
1 من 75

إن حملة إسقاط وكسر تماثيل أشخاص ارتبط تاريخهم بالعبودية والقهر والاستغلال؛ رموز العنصرية والتوسع الاستعماري والعنصري والمتاجرة بالناس الأحرار والقتل والنهب والتفاخر بقطع الرؤوس وأخذ الصور التذكارية معها، هي دعوة أعمق مما يبدو لنا ظاهرياً، بل هي أبعد من مجرد ثورة أو احتجاجات أو نزوة طارئة عابرة.

يبدو أن العالم يعيد كتابة ذاته من جديد، ووفق معاييرَ وأمورٍ ومعادلات مغايرة يصعب التكهن بنتائجها، لا سيما في خضم انتشار جائحة كورونا (أو كوفيد 19) وما صاحبها من خوض في أمور معقدة؛ يمتزج ويتداخل فيها العلمي بغير العلمي، والواقعي المشاهَد بفكرة المؤامرة التي تشيع وتجد لها أنصاراً وحقائقَ وحججاً موضوعية في الكثير منها… مما يجعل العالم كلَّه، اليوم على صفيح ساخن وحارِق.

لقد قام المحتجون بهدم وتخريب وتهشيم أبرز التماثيل التي تذكرهم بذلك الماضي القريب من العبودية والاستغلال الفظيع، وعلى رأسها تمثال كريستوفر كولومبوس الذي قطع المحتجون رأسه في مدينه بوسطن، كما قاموا بتخريب وتكسير وتلويث تماثيل لشخصيات أخرى معروفة في التاريخ الأمريكي استعبدوا وقتلوا وعذبوا أشخاصاً ومجموعات بأكملها، ولاسيما الأمريكيين السود خاصة خلال فتره الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1965)، وهي الحرب التي امتدت في الولايات الجنوبية رافضة إلغاء الرق والعبودية ودافعت على إبقائهما والحفاظ عليهما، وقاتلت من أجل ذلك. كما قام فوج من المتظاهرين في نيو أورلينز بولاية لويزيانا بتحطيم تمثال جون ماكدونو المعروف بـ”مالك العبيد”، ورميه في نهر المسيسيبي.

وفي بلجيكا قام المتظاهرون بتلطيخ تمثال الملك بولد الثاني في العاصمة بروكسيل باعتبار تاريخه الاستعماري في القارة الأفريقية عندما كان حاكماً بين 1865 و1909. وفي بريطانيا، أيضاً، قام المتظاهرون بسحب تمثال تاجر الرقيق المشهور والمعروف خلال القرن 17 إدوارد كوليستون ثم ألقوا به في نهر آفون، كما تمت، يوم 9 يونيو 2020، إزالة تمثال روبرت ميليغان (1746-1809) التاجر الإسكتلندي الذي عُرِف بنشاطه في تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي، من أمام مُتحف دوكلانز في لندن.  بل إنهم ونستون شيرشل وزراء السا بق الموجود وسط العاصمة لندن

وفي إيطاليا طلبت جمعية “إي سنتينيلي”، المناهضة للفاشية، من رئيس بلدية ميلانو إزالة تمثال الصحافي الشهير إندرو مونتانيلي الذي اتهمته بالزواج من طفلة في إثيوبيا خلال الفترة الاستعمارية الإيطالية في إفريقيا، لكن عمدة المدينة رفض ذلك مما أدى ببعض المجهولين إلى تخريبه، يوم السبت 13 يونيو، وطليه بطلاء أحمر في الحديقة تحمل اسمه أيضا في ميلانو، بعدما تمت كتابة عبارات “عنصري، مغتصب” بطلاء أسود على قاعدة التمثال…

وتنقسم النظرة إلى هذه التماثيل التي خُربت أو التي طُلِب إزالتها من قِبَل المتظاهرين والمحتجين إلى قسمين:

  • قسم يرى أنها تمثل الوجه الأسود من الاستغلال الذي عانته فئات كثيره من البشر من خلال العبودية أو الإبادات المتعددة في حق تلك الجموع البشرية، وحرمانها من الحياة، وبالتالي فوجودها تماثيلها ونُصُبها يجدد النقمة الكبيرة والحقد الدفين اللذين لم يستطع التاريخ أن يمحوهما من ذاكرة الذين اضطُهِد آباؤهم وأجدادهم، لا سيما عندما تتجدد بصيغ جديدة، سواء من قبل الشرطة أو مجموعات من الجيش؛ فهي رموز لشخصيات منبوذة لا تستحق الحياة ولو من خلال التماثيل، وتبقى عملية إزالتها نوعاً، ولو رمزياً، لانتصار المظلومين وإعادة الاعتبار إليهم واعتذاراً لتاريخهم وتاريخ آبائهم وأجدادهم؛
  • قسم ثان ينظر إلى هذه التماثيل باعتبارها آثاراً تاريخية تُذكِّرنا بفترات تاريخية من حياة البشرية؛ فهي إذن تاريخ ثقافي لكل بلد على حدة، ومن ثم يمكن اتخاذها وسيله للتذكر والاتعاظ حتى لا تتكرر تلك الفظائع، بالإضافة إلى أنها أعمال فنية كبرى لفنانين مشهورين.. فهي تخليد للفن أكثر مما هي تخليد للأشخاص الذين تجسدهم…

ومهما كان الجدال حول هذه القضية، فإن المتظاهرين عازمون على السير قدُماً نحو هدف إزالتها وتخريبها، الأمر الذي دفع ببعض عمداء المدن واضطرهم إلى إزالة كثير منها أو إخفائه خوفاً من تعرضه للتخريب وانتظاراً لتوقف موجة الغضب والاحتجاج تلك.أخذه إلى المتاحف أأ

تبدو الأحداث المتسارعة في العالم، اليوم، منذرة بتغيرات لا بد أن تمس جوانب كثيرة من حياة البشرية، وتعيد النظر في قضية حقوق الإنسان والبحث عن آليات جديدة للتفعيل والأجرأة العملية. بالإضافة إلى الحاجة إلى صحوة ضمير الإنسان المعاصر، لاسيما الذين يديرون اقتصاد واجتماع وسياسة هذا العالم، والإنصات إلى صوت الشعوب التي تصرخ، من جديد، أنها لم تعد مجرد أرقام انتخابية أو استهلاكية كما يتم الإعداد لأن تكون عليه….

 

إزالة تمثال تاجر العبيد من أمام متحف لندن

تمثال إندرو مونتانيلي بمدينة ميلانو في إيطاليا

 

تحطيم المحتجين لتمثال كريستوفر كولومبوس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.