منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التغلغل الفرنسي في المغرب | الغزو اللغوي نموذجا

مصطفى بنحمو

0

تمهيد:

إن مصير ثقافتنا رهين بتطهير أجوائها من المثقفين المرتزقة وبدحر ورفض كل ما هو دخيل عن ثقافتنا وأفكارنا وخصوصياتنا حتى نستطيع بناء أرضية ثقافية لشعوبنا توافق فطرتها وخصائصها ولتنعتق من الاستلاب الفكري والانسلاخ الثقافي.[ زمن الذلقراطية للدكتور المهدي المنجرة، بتصرف].

هي أسطر لا أزعم إحاطتها بأطراف الموضوع، نابعة من أعماق حبنا وغيرتنا على لغتنا وحضارتنا ووطننا، هي صرخة في وجه الفرنكوفونية بالمغرب: “لسنا ضد تلاقح الثقافات، ولكن نرفض أي فرض لثقافة أجنبية على ثقافتنا”.

لا زال الشعب المغربي يصارع هذا الشبح.. شبح اللغة الفرنسية، ويا ليت كان الأمر مجرد لغة للتواصل والتحدث، ولكن الأمر يفوق ذلك، فهي ــ اللغة ــ فكر وثقافة، اتجاهات وقيم ومواقف…، فهم بذلك يريدون فرض الثقافة الفرنسية المبنية على العلمانية والإباحية والمادية….

1 ــ فرنسة التعليم واستهداف الناشئة.

المزيد من المشاركات
1 من 61

كما هو في علم جميع المغاربة قاطبة، أننا لا زلنا مستعمرين ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، من طرف المستعمر الفرنسي، فمنذ حصولنا على الاستقلال المزيف وفرنسا تسعى بمعية أجندتها لترسيخ الوجود اللغوي بالمغرب، وإعطاء هذا الوجود الذي فرضته الحماية الفرنسية في عهدها صفة الشرعية عن طريق التعليم، بتسليط اللغة الفرنسية على رقاب التلاميذ منذ المستوى الابتدائي إن لم نقل من الحضانة، والغاية من ذلك فرنسة الأجيال الناشئة وإفراغها من قيمها الدينية والوطنية والحضارية ليسهل دمجها في إطار دولة فرنكوفونية علمانية، مبعدة ومنعزلة تماما عن تاريخها ولغتها وثقافتها ودينها وحضارتها الإسلامية، لتصبح أداة تحكم في المجتمع المغربي.

والواقع أن الإخفاقات المتتالية في وضع ميثاق وطني لسياسة التعليم المغربي، يوافق خائص ومبادئ المجتمع المغربي، لهو دليل على مدى التغلغل الفرنسي في المجال التعليمي وفرض نفسه كشريك لنا في تعليمنا وثقافتنا وحيلولته دون إرساء منظومة تعليمية مغربية مستقلة منبثقة عن الدراسات الميدانية وعن خصائص المجتمع المغربي.

2 ــ فرض ازدواجية لغة التعليم وطموح المغرب الفرنكوفوني.

عملت فرنسا على فرض نظام ” ازدواجية لغة التعليم” غداة الاستقلال باسم تبادل الخبرات والمصالح باعتبار اللغة الفرنسية نموذجا لسانيا كاملا، وهو ما من شأنه أن يساهم في بناء المغرب الجديد، المغرب العلماني الفرنكوفوني، والغاية من ذلك واضحة، وهي فرنسة الأجيال الصامدة عن طريق ترسيخ اللغة الفرنسية كلغة تعليمية هدفها القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة حضارة عريقة وتراثا إنسانيا خالدا.

وهكذا يتم تحويل المغرب تدريجيا بفضل سياسة ازدواجية اللغة، إلى مغرب فرنكوفوني بعد ما حرم أبناؤه من الازدهار والنمو في إطار ثقافتهم العربية وهويتهم الإسلامية.

و عملت هذه السياسة على فرنسة اتجاهين أساسيين متكاملين:

  • الاتجاه الأول:

يتجسد في مدارس البعثة الثقافية الفرنسية حيث تجري عملية فرنسة أبناء الطبقة البرجوازية بمن فيهم ذوي الحظوة في المجتمع وإعدادهم لتحصيل الشهادات الكبرى واستلام المناصب العليا في الإدارة ليلعبوا دورهم في التنكر والعداء للحضارة العربية والإسلامية، ودعم البرجوازية المغربية الجديدة بإطارات قيادية لتكون صلة وصل بينها وبين المغرب.

  • الاتجاه الثاني:

يتمثل في مدارس التعليم الرسمي المغربي العمومي الخاصة بأبناء الشعب المغربي الذين تتم فرنستهم من خلال تسليط اللغة الفرنسية على رقابهم طيلة سنوات من الدراسة.

وهكذا اخترقت سياسة الفرنسة كل المظاهر الوطنية المغربية من الإدارة والتعليم ووسائل الإعلام والشركات والمؤسسات وأسماء الإعلانات والحفلات والفواتير والمراسلات، بل حتى من أراد أن يقدم سيرته الذاتية لمؤسسة أو شركة فعليه تقديمها باللغة الفرنسية، وهذا دليل على حجم الإختراق والتغلغل الفرنسي في الثقافة والحضارة المغربية.

و يا ليت كان الأمر مجرد لغة للتواصل والتحدث بها، لكنه تعدى ذلك إلى فرنسة العواطف والقيم والمواقف والاتجاهات، ويؤكد ذلك الدكتور عبد العلي الودغيري الذي يعتبر من أهم رجال الفكر بالمغرب الذين دافعوا عن اللغة العربية، يقول في كتابه، الفرنكوفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب: ” إن الغرض ليس هو نشر اللغة والثقافة الفرنسيتين، ولكن هو الوصول عن طريقها إلى التحكم في عقول ومصير مستعمريها، فالمسألة ليست مسألة لغة تطل بواسطتها شعوب معينة على العالم الغربي وثقافته وحضارته، ولكنها مسألة سياسية مخططة بخبث ومهارة وتستعمل طعما لاصطياد الشعوب“.

3 ــ إخفاقات متتالية في كل المجالات.

      • إخفاق في مجال التعليم.

من العبث أن يطلب من التلميذ أن يتعلم اللغة الفرنسية وهو لا يستشعر أي صلة بها على الإطلاق، بل يعتبرها لغة القهر والإذلال والاستعمار، والمراحل التي قطعها المغرب في تعريب المحتوى الدراسي بالتعليم الأساسي أو الثانوي، مكن من الوقوف على حقيقة لا جدال فيها، وهي أن التعبير الفرنسي كان ولا زال أحد أكبر العوائق أمام التحصيل الدراسي وأحد الأسباب في الفشل الدراسي الطويل، لكون ذلك لا يمت أي صلة بثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا وخصائصنا.

      • إخفاق في مجال الاقتصاد.

أما في مجال الاقتصاد فمعظم التجارة الخارجية للمغرب تقام مع فرنسا، مما يعطي مؤشرا واضحا أن المغرب عبارة عن سوق مفتوحة وملحقة بفرنسا.

      •  إخفاق في المجال الديني.

وهات بات واضحا ومتجليا في الأجيال الصاعدة، التي أبعدت عن منابع الإيمان وتوجيهات الوحي فأصبحت قلوبها جوفاء قاحلة من الإيمان والقيم السمحة، لا يجمعها رباط ولا توحدها غاية.

وأهم ما يمكن رصده في هذا المجال، وهو احتكار منصب وزير الشؤون الإسلامية بالمغرب منذ سنة 2002 إلى الآن، من طرف شخص واحد يشرف على هذا المجال. وهذا سبب كاف ليكون الشأن الديني بالمغرب في غاية الإهمال والتدهور.

خاتمة:

لقد أريد لناشئتنا أن تنسلخ من لغتها العربية، وتلبس لبوس اللغة الصليبية، والغرض من هذا النشاط هو حفر فجوة غائرة بينهم وبين لغة القرآن، إذ أن موت اللغة العربية مؤذن بموت الإسلام، والاستعمار الجديد دائب ومصر على تحقيق هذا الهدف.

ولذا فإننا أمام حرب حضارية صليبية وظفت فيها اللغة كسلاح جديد، والهدف هو ربط المغرب بتبعية دائمة لفرنسا عن طريق تحطيم أسس المقاومة الداخلية المتمثلة في عقيدة الشعب ولغته وهويته وأسلوب حياته.

ولذا فإننا ننبه بكل قوة على التجني الذي يرتكب في حق لغتنا العزيزة، وعلى الدعس والطمس الذي تشهده ثقافتنا وهويتنا وحضارتنا، لإبعاد الأمة المغربية عن تراثها الروحي وجعلها تابعة وخاضعة للثقافة الفرنكوفونية، فلذا على كل مغربي حر نبيل أن يسعى للتشبت والدفاع عن لغته وثقافته وحضارته وهويته، وأن يدحر ويرفض أي فرض لثقافة أجنبية على ثقافتنا.


المراجع:

ــ زمن الذلقراطية، للدكتور المهدي المنجرة.

ــ الفرنكوفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب، لعبد العلي الودغيري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.