منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة الجمعة: وفّر عليك عشرات السنين بتقرير ما تريد، وإلى أين تريد أن تصل قبل أن تبدأ المسير

وفّر عليك عشرات السنين بتقرير ما تريد، وإلى أين تريد أن تصل قبل أن تبدأ المسير / الشيخ بن سالم باهشام

0

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

خطبة الجمعة

وفّر عليك عشرات السنين بتقرير ما تريد، وإلى أين تريد أن تصل قبل أن تبدأ المسير

بن سالم باهشام أستاذ العلوم الشرعية

عباد الله، هاهي الامتحانات الدراسية السنوية قد انتهت في أغلب المؤسسات التعليمية، وها هي النتائج النهائية قد أعلنت، وها هو حشد من التلاميذ والتلميذات الحاصلين على المعدلات المرتفعة يتسابقون إلى المدارس العليا، والأقسام التحضيرية، قصد إجراء اختبارات الولوج، والحظوة بالموافقة، فلهؤلاء نقول: بأية نية تبدؤون السير في هذه الطريق، هل بمحض إرادتكم، أم بإيعاز من آبائكم أو أحد أقاربكم؟ وما الغرض من اختياركم هذه التخصصات دون سواها؟ هل لكسب المال، وطلب الدنيا، وتبوئ مقاما اجتماعيا وسط الناس؟ أم لخدمة البشرية وتحقيق الصالح العام؟

المزيد من المشاركات
1 من 39

عباد الله، الكثير من الشباب في أمس الحاجة إلى من يصحح نياتهم، لأن غرضهم من وراء عملهم هو كسب المال، وطلب الدنيا، ولهؤلاء نقول ولآبائهم الذين حفزوهم على هذه التخصصات:

إن أغلب هذه التخصصات، لم تنشأ للاستثمار المالي، وإنما المقصود منها خدمة الصالح العام، وإنقاذ البشرية، وإذا وظفت هذه التخصصات لأجل الكسب المادي، وطلب الدنيا، فإن ناقوس الخطر سيدق، وسيكون إيذانا بهلاك الحرث والنسل، وانتشار الفساد في البلاد وبين العباد، وأن الكسب المادي الحلال يمكن تحقيقه دونما حاجة إلى هذه التخصصات التي ستتاجر في أرواح البشر، وأن هؤلاء الأشخاص إن لم يصححوا نياتهم، فلن يجدوا راحتهم فيما اختاروه، وسيكونون بذلك قد أخطئوا الطريق على حسب راحتهم وراحة أسرهم ومصالح بلدهم، لهذا ينبغي تصحيح الانطلاقة،  قصد توفير عشرات السنين على أنفسهم بتقرير ما يريدون، وإلى أين يريدون أن يصلوا قبل أن يبدؤوا المسير، فالطب والهندسة وما شابههما ليست للاستثمار المالي، وإنما لخدمة الصالح العام، وبهذه النية، سيجد كل أصحاب هذه التخصصات راحة في الضمير، وسعادة في العيش، فقليل يغنيهم، ويجدوا فيه راحتهم، خير من كثير يطغيهم فيحرموا بسببه السعادة الحقيقية، والدنيا إنما جعلت لخدمتنا، لا لنخدمها ونصبح عبيدا لها، رَوَى الْبُخَارِي فِي الصَّحِيحِ وغيره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِي رَضِي، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ…».. [السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (9/ 159)]، فكم ممن جمعوا الثروات المالية من غير حلها، شقوا بها وشقت أسرهم، لأنهم لم يصححوا نيتهم، ولو يراعوا الله في كسبهم، وصدق عليهم قول الله تعالى في سورة التوبة: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 55]، ولنا في هذه القصة عبر ودروس يمكن أن نستقيها منها.

يُحكى أنّ صياداً بسيطاً كان يعيش يوماً بيوم، فكان يذهب كل يوم للصيد حتى الظهيرة، وبعدها يأخذ ما اصطاده للسوق فيبيعه. وفي يوم من الأيام، التقى به سائح أجنبي، وأعجب بما لدى الصياد من أنواع جيدة من الأسماك، بدأ بتجاذب أطراف الحديث معه، فسأله عن عمله وطبيعة حياته، وكيف يقضي وقته، فشرح له الصياد ما يقوم به يومياً، من الصيد، إلى بيع ما يصطاد، وبعدها شراء احتياجاته واحتياجات أسرته، فقال له الأجنبي مستغرباً: “أتعني أنّك تعمل يومياً فقط منذ الصباح وحتى الظهيرة؟”، فأجابه الصياد بالإيجاب. فقال الأجنبي: “وكيف تقضي بقية يومك؟”، فأجاب الصياد: “مع زوجتي وأولادي، وأستلقي في بعض الوقت، إضافة إلى أنني أجلس مع بعض الأصدقاء نتجاذب أطراف الحديث، ونعزف بعض الأغاني”، فقال الأجنبي ساخراً: “لو كنت في بلادنا، لاستثمرت وقتك بشكل أفضل يعود عليك بمردود مالي أكبر”. فأدرك الصياد ما يرمي إليه الأجنبي، وقرر أن يجاريه، فسأله: “وكيف ذلك؟”، قال الأجنبي: “تستطيع أولاً أن تضاعف ساعات عملك، وبالتالي ستضاعف دخلك، ومن ثمّ ستقوم بتوفير كل المبالغ الزائدة التي حصلت عليها لتشتري بعد عام أو عامين على الأكثر مركباً آخر، وهكذا حتى تمتلك أسطولاً كاملاً من المراكب؛ وليس مركباً واحداً فقط”، فقال الصياد: “وحتى أمتلك هذا الأسطول، كم سأستغرق من الوقت؟”، فأجاب الأجنبي: “حسب خبرتي؛ فإنّ الأمر سيحتاج ما يقرب من عشرين عاماً”، فقال الصياد: “وماذا بعد أن أمتلك الأسطول؟”، فأجاب الأجنبي: “عندها تستطيع أن تتقاعد؛ وأن تستمتع بوقتك مع أسرتك وأبنائك، أو أن تجالس أصدقاءك، تعزف وتغني معهم”، فضحك الصياد، وأدرك الأجنبي سبب ضحكه، فتوقف عن الحديث، وبدت عليه آثار الارتباك والخجل.   عباد الله، هذا درس من الحياة نستخلص منه، أنه قبل أن يبدأ كل واحد منكم مشواره ورحلته، عليه أن يتأكد أنّه لن يصل إلى المكان الذي هو فيه الآن، فعندها سيكون من الأفضل أن يوفر على نفسه عناء وتعب الرحلة، ويبقى حيث هو راضٍ. فقرروا ما تريدون، وإلى أين تريدون أن تصلوا قبل أن تبدؤوا المسير، فذلك يوفر عليكم عشرات السنين”.

فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا منتهى غايتنا، واجعل الدنيا في أيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا، واسلك بنا أحسن السبل التي نسعد بها دنيا وأخرى، وصلى الله وسلم على خير الورى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين آمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.