منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة الجمعة “البشرية وعيد الحب”

بنسالم باهشام / خطبة الجمعة "البشرية وعيد الحب"

0

خطبة الجمعة

البشرية وعيد الحب

بنسالم باهشام 

 

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

عباد الله، عندما يطلق مصطلح “عيد الحب“، يتبادر إلى الذهن عند جل الناس، أنه يقصد به: يوم الحب، أو عيد الحب، أو عيد العشاق، أو يوم القديس فالونتين، وهو احتفال نصراني، يحتفل به كثير من الناس في العالم في 14 فبراير حسب الكنيسة الغربية، أو في 6 يوليو حسب الكنيسة الشرقية من كل عام، حيث يحتفلون بذكرى القديس فالونتين، ويحتفلون بالحب والعاطفة، حيث يعبر فيه المحبون عن حبهم لبعضهم البعض، عن طريق إرسال بطاقة معايدة، أو من إهداء الزهور وغيرها لأحبائهم. وقد انتشر صيت هذا العيد، وكأن الذي يحق له الحديث عن الحب وإنشاء عيد له هم النصارى بقيادة قديسيهم، وهذا كله واقع معيش عند غياب أهل الحق في إطار سنة التدافع بين الحق والباطل، والتي قال فيها  سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 251]، فأين المسلمون اليوم في العالم، والذي يجب أن يكونوا شهداء على الناس، ويرتقوا بمعنى الحب الذي حُرفت حقيقته بهيمنة أصحاب الأهواء والشهوات، ألا يستحق ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون عيدا عالميا للحب بحق واستحقاق؟ ألا يستحق عيد الحب أن ينتقل من شهر فبراير ويوليو بالتوقيت الشمسي، إلى شهر ربيع الأول بالتوقيت القمري، فجميع الكائنات جمادا ونباتا وحيوانا وإنسا وجنا وملائكة، تحب الرسول صلى عليه وسلم، ولم يحظ مخلوق في تاريخ الكون كله بهذا الحب مثل ما حظي به سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إن الكون قد أضاء بطلعته صلى الله عليه وسلم، قبل ولادته، حيث ظهر ضوء في السماء، روى ابن إسحاق بسنده، ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قَالَ: (دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حين حملت بي كأنه خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ له قُصُورُ بصرى من أرض الشَّامِ). [رواه ابن إسحاق بسنده 1/166 سيرة ابن هشام، ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره ( 1/566)، والحاكم في مستدركه ( 2/600) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي].

المزيد من المشاركات
1 من 18

عباد الله، إن كان عجيبا أن يحب النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما فيه روح مما لا يعقل، كالشجر الذي كان يعرفه ويسلم عليه، وجذع النخلة الذي اشتاق إليه، وبكى لفراقه، فالأعجب حقّا، أن يحب النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ليس فيه روح ولا عقل، إن نظرتَ إليه فهو جماد لا يسمع ولا يرى، ولكنه في الحقيقة يسمع ويعقل، بل يشتاق ويحب، إنه جبل أحد الذي أحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد رجح ابن حجر أن حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لجبل أحد، وحب أحد له هو على حقيقته، فقد قال في كتابه فتح الباري: ” الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره”، من هنا يتبين أن الدلائل والمعجزات النبويّة، لم تقف مع الجمادات عند حدود النطق والكلام والحركة، بل امتدّت لتشمل الحب والشوق، والمشاعر والأحاسيس، إلى درجة أن الجبل أحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واشتاق إليه، إنها دلائل ومعجزات مع الجمادات التي لا روح فيها، أعطاها الله لنبيه وحبيبه ـ صلى الله عليه وسلم، تأييداً لدعوته، وإعلاءً لقدره، الأمر الذي ترك أثره في النفوس، ولفت انتباه أصحابه نحو دعوته التي جاء بها، وأثبت لهم أنها دعوة صادقة مؤيدة من الله، روى البخاري في صحيحه، عن أنَس بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)، وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أُحُدا جبل يحبنا ونحبه).

ومن أدلة حب الكائنات للرسول صلى الله عليه وسلم، ما رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أَحَبَّ عبدا دعا جبريل فقال: إني أُحِبُّ فلانا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جبريل، ثم ينادى في السماء، إن الله يحب فلانا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهل السماء، ثم يُوضَعُ له القبول في الأرض ،…) [رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم (3209)].

عباد الله، ألا تستحق ولادة من أحبه الله جل في علاه، وأحبته الملائكة عليهم السلام، ويحبه أهل الأرض ممن أنار الله قلوبهم، أن تكون ولادته عيدا للحب بمعنى الكلمة؟

عباد الله، لقد جَمَعَ اللهُ عزَّ وجلَّ في آية واحدة كُلَّ مَحبوباتِ الدُّنيا، وكُلَّ مُتَعَلِّقاتِ القُلوبِ، وكُل مَطامِعِ النُّفوسِ، وجعلها ثمانية، وَوَضَعَها في كفَّةٍ، وَوَضَعَ حُبَّ الله تعالى، وحُبَّ رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والجهاد في سبيل الله في كِفَّةٍ ثانِيَةٍ ، وحَذَّرَ من رُجوحِ الكفَّةِ الأولى على الثَّانِيَةِ، فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾.[التوبة: 24].

عباد الله، قد برهن الصحابة رضي الله عنهم على هذا الحب لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى شهد بذلك الكفار، فضلا عن المسلمين، فسيدنا محمد رسول الله بعث إلى البشرية جمعاء، من عرفه أحبه، قال أبو سفيان عندما كان على كفره وعروة بن مسعود: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً، وقال صفوان بن أمية: ما على وجه الأرض وجه أحب إلي من وجهك. وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا رجعوا من الحرب يجدون النساء في ضواحي المدينة سائلات عمن قتل، قائلات: (لا نبالي من عطب إذا سلم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

عباد الله، إن حب النبي صلى الله عليه وسلم رزق، يتنزل على القلب من هذا الرزق على قدر المساحة النقية البيضاء الطاهرة منه، فكلما اتسعت الرقعة البيضاء والنقية من قلب الإنسان، كلما زادت  محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهج بها لسانه، لأن الكلام أصلا جعل في الفؤاد، وجعل اللسان على الفؤاد دليلا، فكلما فاض القلب حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاض اللسان تعبيرا عن تلك المحبة، وأكثر الشخص من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كل هذا رزق، فأبو لهب رأى النبي صلى عليه وسلم، وأبو جعل رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهما لم يرزقا حب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنا به.

عباد الله، اعلموا أن الحُب الصَّادِق يُوَلِّدُ الاتِّباعَ، ولا يَكونُ الاتِّباعُ كَامِلاً إلا بالمَحَبَّةِ، وحُبُّ سَيِّدِنا رَسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوَ الوَاجِبُ والفَرضُ على كُلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمَةٍ، والدَّليلُ على ذلكَ هذه الآية من سورة التوبة، وكَفَى بها دَليلاً وحُجَّةً على وُجوبِ وفَرْضِيَّةِ مَحَبَّةِ سَيِّدِنا رَسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد تَوَعَّدَ اللهُ عزَّ وجلَّ من رُجوحِ الكفَّةِ الأولى على الثَّانِيَةِ بالوَعيدِ بِقَولِهِ: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. ثمَّ فَسَّقَهُم بِخِتامِ الآيَةِ فقال: ﴿واللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 55

عباد الله، لقد جعل الله كل العلاقات المتعلقة بالإنسان مبنية على الحب، وقسمها إلى ثلاثة: العلاقة مع الله، والعلاقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلاقة مع الناس، وجعل تذوق حلاوة الإيمان مبني على الارتقاء بالحب ليصبح لله وفي الله ومن الله وإلى الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : (لاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَحَتَّى يَكُونَ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا). [رَوَاهُ الْبُخَارِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ].

عباد الله، هذا هو عيد الحب الحقيقي، الذي يجب علينا أن نبرزه للعالم، وحُق لنا أن نفرح ونبتهج بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نغتنم هذه المناسبة العظيمة لإبراز مظاهر البهجة والفرح والشوق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع التقيد بضوابط شرع الله سبحانه وتعالى الذي جعل محبته من محبته، ومن تمام تعظيم وتوقير وإجلال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نظهر محبته الصافية الخالصة، خاصة في زماننا هذا، حيث كثرت الفتن والشواغل والصوارف عن هديه صلى الله عليه وسلم، والموفق المسدد من أكرمه الله سبحانه بصحبة صالحة تدله على هذا الطريق الموصل لهذه المحبة، والتي لا حدود للتفاني فيها حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من الناس أجمعين ومن أنفسنا. روى البخاري في صحيحه، عن عَبْد اللَّهِ بْن هِشَامٍ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ) [أخرجه البخاري (3694) و (6264) و (6632) من طريق حيوة بن شُريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد، به.]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.