منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كل شيء بخير إذا انتهى بخير (خطبة الجمعة )

كل شيء بخير إذا انتهى بخير (خطبة الجمعة ) / الشيخ بنسالم باهشام

0

كل شيء بخير إذا انتهى بخير (خطبة الجمعة )

الشيخ بنسالم باهشام

عباد الله، من مميزات الوقت سرعة المرور والانقضاء، وهو رأس مال الإنسان، وظرف زمان أعماله، وقد جعل الله من مخلوقاته ما نعد به أعمارنا، فماذا نعرف عن الشمس والقمر وعلاقتهما بالتوقيت؟ وماذا نعرف عن الشهور العربية وعلاقتها بالقمر؟ وما الحكمة من تقسيم الأشهر الحرم على السنة الهجرية، وكيف نودع السنة الميلادية؟ كل هذا سنتطرق إليه إن شاء الله في خطبتنا حتى نكون على بينة من أمرنا.

عباد الله، قال تعالى في سورة يونس: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [ يونس: 5]. في هذه الآية الكريمة قال سبحانه: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)، أي: القمر،  فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام ، وختم الآية بقوله سبحانه: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)، أي: لم يخلقه عبثا، بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كما قال تعالى في سورة ص: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [ص: 27]، وقال تعالى في سورة المؤمنون: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115، 116]. وبين سبحانه الصنف الذي سيستفيد من هذا البيان المفصل بقوله سبحانه: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) أي : نبين الحجج والأدلة (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

عباد الله، في هذه الآية من سورة يونس، يخبرنا سبحانه وتعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه سبحانه جعل الشعاع الصادر عن جُرم الشمس ضياء، وشعاع القمر نورا، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يصبح بدرا، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام الشهر، كما قال سبحانه في سورة يس: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: 39، 40]، وقال تعالى في سورة الأنعام: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) [الأنعام: 96] .

المزيد من المشاركات
1 من 22

عباد الله، قبل الإسلام بقرنين، اجتمع سادة العرب في مكة عام 412 ميلادية، للتوافق على التقويم القمري العربي، إذ أن التباين بين قبائل العرب في تحديد الأشهر القمرية، تسبب في فوضى بشأن موسم الحج، وحركة التجارة، وحضر هذا الاجتماع، الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي أعلن عن نبوته عليه الصلاة والسلام عام 610 ميلادية، واتفق العرب في هذا الاجتماع على عدد الأشهر وأسمائها. كما اتفقوا على الأنشطة المرتبطة بكل شهر، فخُصص بعضها للحرب، وبعضها للتجارة، وبعضها للحج، كما اتُفق على الأشهر الحُرُم، التي يُحرّم فيها القتال، واستمرت حتى بعد ظهور الإسلام. وهذه الأشهر هي ذي القَعدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب.

 

عباد الله، لما جاء الإسلام دين البشرية جمعاء، اختار الشهور القمرية التي كانت معتمدة في التقويم العربي، لتكون تقويما للشهور والأعوام في الإسلام، كما اختار الشمس لتكون تقويما للأيام، فقال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36]

عباد الله، كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هو من اعتمد العمل بالتقويم الهجري في الدولة الإسلامية، والذي كان يُعرف من قبل بالتقويم العربي، واكتسب لفظة “الهجري” بعد ربطه بالهجرة النبوية، ورغم أن التقويم الهجري يبدأ تأريخه بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، لكن العمل به بدأ بعد ذلك بـ 17 عاما.

ويعتمد التقويم الهجري على قياس دورة القمر حول الأرض، بحيث يكتمل الشهر الهجري باكتمال دورة القمر، وذلك على عكس التقويم الميلادي/ الشمسي الذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس.

وتُقاس نهاية وبداية الشهر الهجري بناء على رؤية هلال الشهر الجديد، ما يجعل أيام الأشهر الهجرية غير محددة، على عكس التقويم الشمسي المحددة شهوره ب ثلاثين دائما في بعضها، والأخرى بواحد وثلاثين يوما. وبناء عليه، يتباين عدد أيام الشهر الهجري ما بين 29 وثلاثين يوما.

لهذا تتقدم السنة الهجرية ب11 يوما كل عام، مقارنة بالتقويم الشمسي، ما يجعل الشعائر والمناسبات الإسلامية، تقع في فصول وأوقات مختلفة كل عام. كذلك تتباين رؤية اكتمال دورة القمر بناء على الموقع الجغرافي، ما يعني أن بداية الشهر الهجري قد تقع في مكان ولا تقع في آخر.

عباد الله، لقد اختيرت أسماء الأشهر العربية التي نعرفها حاليا، والتي تبتدئ بشهر المحرم، وتنتهي بشهر ذي الحجة، والتي أقرها الإسلام ولم يغير أسماءها، بعد أن كانت القبائل تطلق أسماء مختلفة على الأشهر. وهي في الغالب الأسماء التي اتفق عليها العرب في اجتماع مكة عام 412 ميلادي، إذ ارتبطت أسماء الأشهر إما بالفصول التي تتزامن معها، أو أنشطة العرب في كل منها، أو حرمة القتال فيها، فمثلا أشهر ربيع الأول وربيع الآخر وافقت فصل الربيع عند تسميتها.

وجُمادى الأولى وجمادى الآخرة، وافقت فصل الشتاء عند تسميتها، والكلمة مستمدة من جمود الماء. وشهر رمضان مستمد من الرموض، وهو اشتداد الحر في الوقت الذي سُميّ فيه، أما الأشهر الحُرُم، والتي أقرها الإسلام، فذي القَعدة، يرمز إلى قعود العرب عن الحرب، وذي الحجة، كان هو شهر الحج. أما المُحرم، فهو مستمد من تحريم القتال. ورجب، مستمد من “رجب النصال عن السهام”، أي نزعها، في وقت تحريم القتال، أما صفر، فيرتبط بخروج العرب للحرب حتى تصفر البيوت، أي تخلو من أهلها. وشعبان، يرمز إلى بدء تشعب العرب ما بين حرب وتجارة بعد قعودهم في رجب.

عباد الله، من الحكم الربانية؛ أنه سبحانه وتعالى جعل نهاية كل سنة قمرية مختومة بشهرين محرمين: ذي القَعدة وذي الحجة، لأن الأمور بخواتيمها، وحتى يزداد المؤمن اجتهادا وعملا صالحا واستدراكا لما فرط فيه في جنب الله، ويبادر بالتوبة مما صدر منه تلك السنة، بعد محاسبة نفسه على الكبير والصغير، والظاهر من أعماله والباطن، وهكذا؛ ينهي سنته بطاعة الله، ويبدأ سنة جديدة بشهر حرام يفتتحه بطاعة الله كذلك، و بعد انتصاف السنة القمرية، يقبل شهر محرم وهو شهر رجب، ليحاسب المؤمن نفسه على ما مضى من نصف عامه، ويصلح فيما بينه وبين خالقه وبينه وبين الناس، وقياسا على السنة الهجرية، يجب على المؤمنين والمؤمنات ألا ينجرفوا وراء ما يقع في نهاية السنة الميلادية من عصيان لله، بارتكاب كل المحرمات بدعوى توديع سنة ميلادية، واستقبال سنة أخرى، فالمؤمن يودع سنة بالمحاسبة لنفسه، شعاره قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واستعدوا ليوم العرض الأكبر على الله).

عباد الله، المؤمن الفطن، هو الذي يختم السنة الميلادية بالتوبة إلى الله تعالى، والإكثار من أعمال البر وفعل الخيرات، ويحذر كل الحذر من مجالس العصيان ومخالطة العصاة، ويفتتح السنة الميلادية الجديدة بطاعة الله كذلك.

عباد الله، اعلموا أن هذا الصنف وحده من الطائعين والطائعات دون غيره، هو من تكون سنته سعيدة، لأن السعادة قانون إلهي، وليست ادعاء بشريا، فكل من أطاع الله عاش سعيدا، وكل من عصى الله عاش شقيا، مصداقا لقوله تعالى من سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]، وقوله تعالى من سورة طه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123، 124]، فلا سعادة في معصية الله، مهما حاولنا ومهما ادعينا.

لهذا علينا أن نحرص على الختم بالأعمال الصالحة، فهذه حقيقة لا يقرها الكتاب والسنة فقط، بل أقرها حتى الفضلاء من الكفار، فهذا  شكسبير له مسرحية  تحت عنوان “كل شيء بخير إذا انتهى بخير”، وكثيراً ما تعتبر من مسرحياته التي أثارت جدلاً، وأغلب الظن أنها كتبت في النصف الأخير من حياته المهنية، فيما بين 1601و 1608.

عباد الله،  اعلموا أن العاقل هو من تحرى الحق والصواب، وترك اللهو والغفلة والعناد، وبادر بالتوبة لله في مستهل عام جديد، لا يدري ما يكون فيه من أقدار الله تعالى، والمؤمن بين مخافتين، بين عمر مضى ما يدري ما الله فاعل فيه، وبين عمر آت لا يدري ما الله قاض فيه، روى البيهقي في شعب الإيمان، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ عِلْمًا فَانْتَهُوا إِلَى عِلْمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ، بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي كَيْفَ صَنَعَ اللهُ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي كَيْفَ اللهُ بِصَانِعٍ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ، مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبَابِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ، فَإِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، وَالدُّنْيَا خُلِقَتْ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ). [رواه البيهقي في شعب الإيمان (13/ 153) ح 10097].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.