منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة الجمعة: مت معطاء فارغا، ولا تمت ممتلئا بخيلا

الشيخ بنسالم باهشام

0

عباد الله، يقول تعالى في سورة الصافات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، فنحن بني آدم أوجدنا الله في هذه الدنيا لمعرفة الله وعبادته، ولا يتأتى هذا إلا باكتمال مقومات الشخصية الإسلامية؛ والتي هي:

العلم بالدين، والعمل بالدين، والعمل للدين،

فالله سبحانه وتعالى عالم ولا يعبد إلا بالعلم، وهذا الكون لا يمكن الاستفادة منه، والعيش فيه بسلام إلا بالعلم، إلا أن العلم غير المنشئ للعمل يعتبر شيطنة، فالشيطان أعلم من في الأرض كلهم، والناس تلعنه في البدو والحضر، لهذا لابد من ترجمة العلم إلى عمل على أرض الواقع، ليكون الفرد صالحا، إلا أن هذين المقومين لا يكفيان لاكتمال الشخصية الإسلامية؛ ما لم يسْع الفرد لإصلاح غيره حتى يضمن الحفاظ على توازن الكون وصلاحه، قال تعالى في سورة هود: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 116، 117].

فالمصلح لا يرضى ولا يكتفي بصلاح نفسه ما لم يسع إلى إصلاح غيره، لهذا تجده لا يبخل على الناس بأي شيء مما أفاض الله عليه به؛ من علم ومال وجاه مما ملأ به حياته، ولا يخرج من هذه الدنيا إلا وقد بذل كل ما في وسعه لإيصال ما لديه للآخرين، حتى إذا ما وافته المنية لقي الله فارغا، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد علم، وعمل بما علم، وربى جيلا قرآنيا فريدا، وصفهم الله تعالى في أواخر سورة الفتح فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29]، ولم يغادر الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا إلا وقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومحا الظلمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، هذا هو المعنى الحقيقي لـ(مت معطاء فارغا، ولا تمت ممتلئا بخيلا)، وهذه هي صناعة الموت، وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المبدأ، بدليل أنهم حين تلا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم الآية التي نزلت عليه في حجة الوداع من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، دمعت عيون بعض الصحابة رضي الله عنهم، لأنهم عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح مستعداً متحمساً للرحيل، فقد أدى الأمانة كاملة تامة.

وهذا ما أراده الله من كل مسلم ومسلمة، ونفهم هذا من الحديث النبوي الشريف، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها) [أخرجه الطيالسي (ص 275، رقم 2068)، وأحمد (3/191 ، رقم 13004)، وعبد بن حميد (ص 366 ، رقم 1216)، والبخاري في الأدب المفرد (1/168، رقم 479)، والبزار كما في مجمع الزوائد (4/63)، قال الهيثمي: رجاله أثبات ثقات. والضياء (7/263 ، رقم 2714)].

فلمن ستغرس هذه الفسيلة إن كانت الساعة ستقوم وسيفنى الكون كله، إن لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم السعي للموت فارغا إلى آخر رمق من الحياة، وعدم الاستسلام لأي ظرف من الظروف ولو كان قيام الساعة؟ وبهذا سينال الشخص الأجر والثواب عند الله تعالى، وهذه الحقيقة، قد أدركها بعض الغربيين، إلا  أنها حقيقة لا روح فيها، لأن صاحبها لم يبتغ بها وجه الله تعالى والدار الآخرة كما أراد الإسلام، وإنما قصده دنيوي محض، وبالتالي فلا أجر له عند الله سوى ما سيحظى به من مدح الناس له، وثنائهم عليه، وتخليد اسمه بينهم، ولاشيء له عند الله يوم القيامة، قال تعالى في سورة النور: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39]، وقال سبحانه في سورة الفرقان: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23]، فما قصة هذا الرجل الغربي؟ وما السبب في دعوته إلى الموت فارغا؟

عباد الله، “مت فارغا”، هو عنوان كتاب للمؤلف الأميركي الشاب، “تود هنري”، حيث وضع فيه أفكارا عملية تساعد الفرد على أن يُفرّغ يوميا ما في جعبته من طاقات وأفكار ومعلومات مفيدة له ولمجتمعه. وقد صدر هذا الكتاب للمرة الأولى في عام 2013، استلهم “تود هنري” فكرة كتابه أثناء حضوره اجتماع عمل، عندما سأل مدير أميركي الحضور قائلا: “ما هي أغنى أرض في العالم؟ فأجابه أحدهم قائلاً: بلاد الخليج الغنية بالنفط، وأضاف آخر، مناجم الألماس في إفريقيا. فعقب المدير قائلاً: «إجاباتكم خاطئة، إنها المقبرة!» فبدأ يشرح لهم أن المقابر، فيها ملايين الناس ممن قضوا نحبهم وهم ما زالوا يحملون في جعبتهم الكثير من الأفكار الثمينة التي لم تر النور بعد، ولم يستفد منها أحد.

هذه الإجابة، ألهمت “تود هنري” لكتابة كتابه “مُت فارغاً”، والذي بذل فيه قصارى جهده، لتحفيز البشر، بأن يفرّغوا ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة في مجتمعاتهم، وتحويلها إلى شيء ملموس قبل فوات الأوان، وأجمل ما قاله “تود هنري” في كتابه هذا: “لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً”.

فيا عبد الله، ويا أمة الله، “مُت فارغاً” من هموم الدنيا وآلامها، ومن المعاصي والآثام، مت فارغا دون أن تُكنّ عداوة لأحد، أو حسدا لأحد، أو ظلما لأحد، مت فارغا من كل الخير الذي في داخلك، سلّمه قبل أن ترحل، واعف واصفح وسامح، وإذا كنت تملك فكرة فنفذها، فإذا كانت علما فبلّغه، وإن كان هدفا فحققه، وإن كان حبا فانشره ووزّعه، ولا تكتم الخير داخلك، فتموت ممتلئا متخوماً، وتكون لقمة سائغةً لذيذة لدود الأرض!

عباد الله، علينا أن نعيش كل يوم كأنه آخر يوم من حياتنا، وبهذا سنعطي كل ما نملك، ونبذل من الطاقة أقصاها، ومن العمل أفضله، ومن الإبداع أروعه، وسنكون ملهمين فرحين متفائلين، فلنسع لنكون فارغين حتى تسمو أرواحنا، ونكون ممن قال الله تعالى فيهم في سورة الليل: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) [الليل: 5 – 7]

عباد الله، اعلموا أننا جميعاً نزن آلاف الأطنان من الخير والعطاء والإبداع والحب والأمل ! ولم نعط إلا القليل، ولعلنا نصنَّف في صف البخلاء! ونندرج تحت راية من قال تعالى فيهم في سورة الليل: ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل: 8 – 10]، فلنبادر جميعا، ولنبدأ بالسباق، ما دام ديننا يحثنا على ذلك، لنعطي ونستخرج كل ذرة خير داخلنا، عندها فقط؛ سنكون خلفاء الله في الأرض حقا. فكل الخير الذي في داخلنا، علينا أن نسلّمه قبل أن نرحل، وإذا كنا نملك فكرةً جيدةً نفَّذناها، أو علمًا نافعًا بلّغناه، أو هدفًا عميقًا حقّقناه.

عباد الله، إن المتأمل لهذه الفكرة، يجدها واقعية جدا، فكم من شخص ضليع في العلم، أو في التجارب الحياتية، جاء الموت فخطف زهرة شبابه قبل أن يكرم البشرية بمخزونه الوفير، لأنه كان يؤجل عمل اليوم إلى الغد، كما أن الساحة لا تخلو من المرشدين أو أصحاب الحكمة، أو التجارب العملية، الذين يعكفون على تنوير الناس بأفكارهم وتجاربهم، فإذا ما تقاعس هؤلاء كذلك عن دورهم الرائد، حرم غيرهم من خير كبير. والأسوأ من هذه الحالات، إذا كان هذا العالم أو الخبير، يحارب من قبل مسئوليه في العمل، إما غيرة أو شعورا بالضعف أمامه، ولا يدرون أنهم يرتكبون جريمة بحق هؤلاء، وبحق من سينهل من علمهم. وينسى هؤلاء المسئولون أو يتناسون أن في كل مؤسسة أعمدة خيمة متينة تقام على أكتافهم نهضة المؤسسة وتقدمها. فإذا ما حاربناهم، تراخوا وتراجعوا عن مسيرة العطاء اليومي. والأسوأ من هؤلاء جميعا، أولئك الذين يتصدون للدعاة لله الصادقين، الذين لا يريدون من عملهم وجهدهم وعطائهم شهرة ولا منصبا ولا جاها، وإنما يسعون بكل جهدهم لتحقيق العدل في البلد، واستتباب الأمن، والترقي بالناس إلى مراقي الإحسان، فيقفون عقبة أمام دعوتهم، ويسجنونهم ويعذبونهم ويرفضوا توجيهاتهم ونصائحهم، ويفضلوا البقاء غارقين في الظلم والاستبداد والفساد.

عباد الله، كثيرا ما أتخيل، لو أن كل فرد من المسلمين خصوصا، وفي العالم عموما، قدم اليوم أفضل ما لديه بإتقان، لصارت الحياة أجمل وأنظم وأدعى للبهجة والسرور.

عباد الله، ‎الحياة رحلة عطاء، فحين تعطي للآخر من وقتك وجهدك ومشاعرك، فإنك في المقابل تساهم في تحسين بيئة العمل، وتريح نفسك وغيرك، رَوَى الْبُخَارِيّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ، أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ولا يكفي العطاء مرة واحدة،  بل ينبغي أن يكون هذا العطاء مستمرا في كل وقت وحين؛ وليس مزاجيا، وهذه هي قمة العطاء والتفاني.

فيا عباد الله، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واستعدوا ليوم العرض الأكبر على الله، واسعوا كل يوم – قبل أن تموتوا الموتة الصغرى والتي هي النوم – أن تناموا فارغين، وأن لا تتركوا عمل اليوم إلى الغد، فسيأتي يوم لا غد له، وإنما نعيم أو جحيم، وهو يوم خروج الروح، فتندمون وتتمنوا الرجوع فلا تجدوا إلى ذلك سبيلا، قال تعالى في سورة المؤمنون: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا؛ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). [المؤمنون: 99، 100]، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأنام وحبيب الرحمن، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.