منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الجمعة اجتماع وانجماع على الله

حسن القرشي

0

الجمعة ذرة نفيسة خصها الله عز وجل للمسلمين دون غيرهم، بعد أن اختلف فيها من كان قبلهم من اليهود والنصارى، قال عليه الصلاة والسلام ” أضلَّ اللهُ عنِ الجُمُعة مَن كان قَبْلَنا، فكانَ لليهودِ يومُ السَّبت، وكان للنَّصارى يومُ الأحد، فجاءَ اللهُ بنا فهَدَانا ليومِ الجُمُعة[1]، ويكفي ما جاء من فضلها من النصوص والآثار الصحية لبيان عظم قدرها عند الله، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ” إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى “[2]، وقوله عليه السلام: ” إن الله تبارك وتعالى يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفون بها كالعروس تهدى، إلى كريمها تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم تسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان لا يطرفون تعجبا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون[3].

فالسعيد من علِمها واستحضر حِكم تشريعها وهي كثيرة، غير أني أعرّج على حِكمتين جليلتين أراهما أم المقاصد، وهما مقصد التزكية والانجماع على الله، ومقصد الوحدة والاجتماع في الله.

  1. الجمعة تزكية وانجماع على الله

لتحقيق كمال الانجماع على الله خُصت الجمعة في شريعتنا الغراء بآداب وزيادات وتحريضات، تزيد في جلالها وفخامة شأنها، وتساعد على الانتفاع بها، ومنها أنها شُرعت أصالة للتذكير بالله جل وعلا، قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ” ( الجمعة آية 9 )، ولما كان الذاكر لله عز وجل مذكورا عند ربه قال سبحانه فاذكروني أذكركم” (البقرة آية 152)، فتحقق الوصال بين المحب والمحبوب والذاكر والمذكور، وشتان بين ذكر العبد وذكر المليك الوهاب، كما أنها تتغيا التذكير بلقاء الله عز وجل، لذلك ارتبطت الجمعة في أحاديث كثيرة بيوم القيامة والعرض على الله، منها قوله عليه السلام لا تقومُ السَّاعةُ إلَّا في يومِ الجُمُعة”[4]، ومن خصائها أيضاً، أن الله أخفى فيها ساعة ما دعا فيها مومن صادق بقلب حاضر غير لاه إلا اعطاه الله سؤله، وذلك حتى تشرئب القلوب ولا تتكاسل الهمم ولا تنشغل بما سوى الله، أضف إلى ذلك أنها خصت دون غيرها من الأيام بسنن قولية وفعلية، طلباً للقرب والتماساً للنور التام يوم القيامة، كاستحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والأمر بالاغتسال والتطيب فيه ولُبس أحسن الثياب فيه، واستحباب قراءة سورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر، واستحباب قراءة سورة الكهف وغير ذلك من الآداب المبثوثة في مظانها من الكتب.

طاعاتٌ وقربات تجمع القلوب والأفئدة إلى خالقها، مستحضرةً فضله ونواله، فالمومن الصادق بامتثاله لآداب الجمعة وسننها لا شك أنه يندرج في زمرة المقربين، فيَخصه المولى جل وعلا بنور يعلوه ما بين الجمعتين، وتكون له كفارة ومغفرة ما اجُنبت الكبائر كما قال الصادق المصدوق عليه السلام،”ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم، سلمت له سائر جمعته،.. فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق”[5].

المزيد من المشاركات
1 من 24
  1. الجمعة اجتماع ووحدة لشتاة الأمة

الجمعة تجسيد عملي لمظهر الوحدة والتآلف، كما أنها دعم للفكر الجماعي وعظاً وتوجيهاً، وهي تدريبٌ ميداني على التلاحم والانضباط داخل المجتمع وقبول الآخر، فمن فقه الجمعة ذكر ابن عطية رحمه الله وغيره من الفقهاء شروط انعقادها فقال ” من شروطها الجامع والسلطان القاهر، والسوق القائمة”[6]، شروطٌ تُبرز بحق مبدأ الاعتزاز بالإسلام وهيبته وسمته، كما تبرز تشوف الشريعة إلى الوحدة والاجتماع.

لا مرية أن الشارع الحكيم قصد وحدة الأمة وتماسكها في سن الجماعة للصلوات اليومية، والزام أهل القرية الصغيرة لصلاة الجمعة، والجمع الكبير في صلاة العيد رجالا ونساء وصبيانا، وبالمقابل ” فلو أنهم تركوا الجمعة والجماعة، وانفردوا بعباداتهم وصلواتهم في بيوتهم وقاموا بها منفردين منعزلين، موزعين مشتتين لحُرفت هذه الصلوات ومسخت مسخا كبيرا، وأفقدها أصالتها ووضعها الأول، وتنوع المسلمون فيها، وصاروا فيها فرقا وأقساما، كما كانوا في كثير من مظاهر حياتهم المدنية”[7]، ولذلك جاء التحذير والوعيد النبوي من جراء التخلف عن الجماعة والجمعة خاصة بغير عذر قاهر، فقال عليه السلام ” وقال: من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه “[8]، ولم يختلف العلماء أن ” ذلك سدا لذريعة التفريق والاختلاف والتنازع، وطلبا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تذكر”[9].

فلا مجال للشك بعد هذا أن الجمعة قُرُبة يتزلف بها العبد إلى مولاه، تائبا منجمعا غير متفرق بين هوس فتن الدنيا وزخارفها وهمومها، كما أنها محطة تربوية إيمانية “تربي المسلم على الارتباط بالمسلمين، حيثما كانوا، ارتباطا واعيا منظما متينا مبنيا على عاطفة صادقة، وثقة بالنفس عظيمة، كما تكسب المسلم لذة الشعور بقوة الجماعة وعواطفها المشتركة[10].

 

[1] مسلم بن الحجاج، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، كتاب الصلاة، فضل الجمعة

[2] البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد ومختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع الرياض، ط 1، 1423 هـ – 2003 م، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة

[3] البيهقي، شعب الإيمان، كتاب الجمعة، باب فضل الصلاة على النبي عليه السلام ليلة الجمعة

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

[4] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة

[5] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت ط 27، 1415هـ 1994م، ج1 ص398

[6] ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1، 1422 هـ، ج5 ص 308

[7] أبو الحسن الندوي، الأركان الأربعة، ص 61

[8] البيهقي، شعب الإيمان، كتاب الصلاة، فضل الجمعة

[9] ابن قيم الجوزبة، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل بيروت، 1973م، ج3 ص 116

[10] ينظر أصول التربية الإسلامية لعبد الرحمان النحلاوي، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط 2، 1423 ه، ص 55

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.