منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استقلالية الصداقة خارج الأسرة .. فتش عن العلاقة الفوقية

فاطمة اسماعيل محمد / استقلالية الصداقة خارج الأسرة .. فتش عن العلاقة الفوقية

0

استقلالية الصداقة خارج الأسرة .. فتش عن العلاقة الفوقية

ذ. فاطمة اسماعيل محمد

 

دائما ما يبحث الآباء والأمهات عن الأسباب الحقيقية التي تجعل الأولاد –لاسيما المراهقون – يهربون بأسرارهم إلى مجتمع الأصدقاء، وينتقون هؤلاء الأصدقاء بعيدًا عن حدود الحياة الأسرية. ويفسر علم النفس التربوي ذلك فيشير إلى أن انتقاء الأصدقاء- سواء من أفراد الأسرة أو خارجها- يتوقف على العلاقة بين الآباء والأبناء، وبين الأبناء وبعضهم البعض، حيث علاقات الصداقة الحميمة بين أفراد الأسرة والتي ممكن جدًّا حدوثها لو أن العلاقات بين أفراد الأسرة تسير في الاتجاه الذي يساعد على تنمية الصداقة.

المثال الأوضح في الرغبة في الابتعاد تكون عندما يعتبر الأخ الأكبر نفسه- أحيانًا- المسؤول المباشر وربما الأوحد، فلا يعطي لأخيه الأصغر المساحة الكافية التي تجعل منه صديقًا، وعندما يبحث الأبن عن الصداقة خارج الأسرة فذلك لأنه يفتقدها عندهم.

يدعو علماء النفس التربوي إلى البحث عن العلاقة الفوقية والتي هي من أكثر الأشياء التي تعمل على تدمير علاقة الصداقة بين أفراد الأسرة، موضحين أن العلاقة الفوقية تقتصر على كبير يتكلم وصغير يستمع للكلام دون مناقشة ولو كان ضد رغبته، وهذه لا تصلح علاقة صداقة، فالصديق يسمع ولا يؤنِّب، حتى لو كان هناك نوع من التأنيب فهو عتاب خفيف.

المزيد من المشاركات
1 من 52

ومن الطبيعي جدًّا أن يختلف شكل الصداقة مع الإخوة أو الأصدقاء عنه مع الأب والأم؛ لأن الأبناء تمثل جيلاً مختلفًا في أفكاره وموضوعاته وأحلامه وحتى في نزواته، ولأن ردَّ الفعل سيكون مختلفًا.
ومبرر الأبناء أن العلاقة بالوالدين تحتاج أحيانا إلى تحرى طريقة مناقشة الموضوع الذي يحتاج الأبن البوح به، واختيار المدخل المناسب دون إثارة القلق لاسيما فيما يتعلق بموضوعات الدراسة أو الصحة.
يرون أيضا أن هناك أشياءَ يجب أن يُخفيها الأبن عن والده، وليس بالضرورة أن تكون أشياء مخجلة أو معيبة، ولكني يرددون أن هناك منطقةً لا بد أن تبقى بعيدةً عن أعين الأسرة، منطقة خاصة لا يحب أن يخبر بها حتى أخيه، خشية أن ينتقل الكلام- ولو بالصدفة- إلى والديه، ويمثل الصديق منطقة أمان بعيد عن الأم والأب وأحيانا يكون مصدر خبرة حياتية.

د. حاتم آدم- استشاري الصحة النفسية- يرى أن البحث عن أصدقاء خارج نطاق الأسرة من أخطر قضايا المراهقة، وهي ظاهرة طبيعية من ظواهر نمو الشخصية وتفاعلها مع الآخرين، مع ملاحظة أنها عادةً تكون من نفس الجنس، وعادةً ما يصاحبها رغبتهم في الارتباط بالجنس الآخر، ولا يصح النظر إليها نظرة الريبة أو الحذر، طالما أنها تؤدي إلى الدور المطلوب في حياة المراهق؛ من حيث إثبات الذات، والاستقلالية، والتنفيس عن المشاعر؛ بحيث يعبر بكل حرية عن نفسه وآماله، وهي مسرح للتعبير عن القيم والأفكار، وتتآزر مع الأسرة في تنمية الشخصية، والثقة بالنفس تعطي مساحةً للتوحد الشعوري تعوض ما قد يفقده المراهق في نفسه أو اضطراب في ظروف المنزل، وتمثل مصدرًا رئيسًا لأفكار المراهقين؛ حيث إن ما تقرره “الشلة” وتتفق عليه يكون مقدمًا على كلام الوالدين.

أما الدكتور شحاتة محمود – الخبير النفسي- فيرى أنه كلما كان التناقض أكثر فإن التمسك بقيم الصديق أكبر، فتظهر فرصةٌ للتحدي، وإثبات الذات، والتوحد، وهي تؤكد على حقيقة أن التمرد أمر طبيعي في المراهق، ويستهويه بشدة، وإذا اتفقت الشلة على الخروج على القيم الثابتة في المجتمع فإنها بحاجة إلى ردع شديد مباشر، بل ومساءلة قانونية، بل وأحيانا تدخُّل من الشرطة، فهي حينئذ تمثل بؤرةً معديةً للشِّلل الأخرى، ونموذجًا للتقمص أو التقليد بنفس الفكرة أو أفكار أخرى على نفس النمط.

 

المشكل يظهر عند الأبوين؛ عندما تظهر تصرفات خاطئة من محيط الأصدقاء، وأنه لا بد من فهم الموقف، مع فهم نوعية القيادة داخل “الشلة”، وكيفية اتخاذ القرار فيها، وفهم نفسية الأصدقاء.

يؤكد علماء النفس التربوي أن معظم المراهقين يعتقدون أن الكبار لا يشعرون بهم، وبناء جسور الثقة والتفاهم والحوار؛ فهم يحتاجون أن يسمعهم أحد مراعاة الصبر وتجنب اللوم والاستخفاف بقدر الاستطاعة وتجنب الظهور بمظهر السلطة مع مراعاة تحقيق الإشباع العاطفي.

ويصّر علماء التربية على أن مرحلة المراهقة تحتاج تحكيم العقل، وجهد من الوالدين بضرورة فتح مجالات لشَغل وقت الفراغ، من خلال اقتحام عقل زعيم الشلة وقيمه وسلوكه دون السخرية منه، بمعنى الدخول ل”ملعبه” والشرح المستمر- دون ملل- لعواقب ما يفعلون، والتأكيد على مفهوم الاستقلال الفكري، وعدم التبعية للآخرين، ومحاولة عمل ميثاق شرف يلتزم به الجميع، ومشاركة “الشلة” في اهتماماتها المباحة كنوع من التجاوب، ووقف التصرفات المتجاوزة التي تضرُّ الآخرين بحزم، وإشعار أفراد “الشلة” بأنهم مقبولون اجتماعيًّا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.