منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) من الإشكالات إلى الطريق: البعد الأخلاقي للصلاة

مصطفى اسماعيلي

0

ما الذي حال بين المقاصد الشرعية والصلاة الواقعية اليوم؟ من الذي بنى للصلاة قلعة منيعة وحرمها من الخروج إلى السوق والمشغل، ودواليب الإدارات، وفناء البيوت، وجنبات الطرقات، ليستنير بها هذا، ويصافحها آخر، ويستظل بها الكل؟

هذا السؤال موجه لي، ولكثير من المصلين، ولآخرين تهاونوا عليها واستصغروها، سؤال لشباب متعطش لدينه وآخرين منهم تاهوا في الحياة المادية والعبثية اللاهية، سؤال للتاجر والأجير كما هو سؤال للمسؤول والحاكم، ما موقع أخلاقك من صلاتك؟

لا شك أن أكثر من عامل ساهم بقليل أو كثير الأثر، وسنحاول تلمس بعضها، أو بالأحرى أكثرها وضوحا وتأثيرا.

  • إشكالية التوجيه.

أغلب العلماء المعاصرين ومن بعدهم الدعاة والخطباء، يركزون في الصلاة على الجانب الفقهي، وهو كما رأينا لا يلتفت كثيرا إلى العامل الخلقي ولا يرتب عليه أحكاما في بطلان الصلاة أو الكراهية أو أي شيء من هذا القبيل، وإنما يعتبر الصلاة صحيحة فقط بمجرد الإتيان بمجموعة الأقوال والأفعال المنصوص عليها شرعا، وهو ما أتقنه أغلب الناس، وتولد عنه أيضا كثرة الأسئلة في دقائق الأمور الفقهية، فأهملت المقاصد وتلاشت فلا تذكر، فكيف يعمل بها ولأجلها؟

المزيد من المشاركات
1 من 33

لسنا بهذا القول نقلل من شأن أقوال الصلاة وأفعالها من ركوع وسجود وتسبيح وغيرها، بل على كل مسلم الإتيان بها كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتاج منا مزيد تأكيد، إنما نقف لئلا يضيع الجانب الأهم والأكبر فيها وهو الغاية منها، وقد قال الله تعالى:” فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا” (19). وقوله “أضاعوا” يشمل فيه من ضيعها فلم يصلها كما يشمل من صلاها وضيع واجباتها، قال ابن تيمية: بل المراد بهاتين الآيتين من أضاع الواجب في الصلاة لا مجرد تركها، هكذا فسرها الصحابة والتابعون وهو ظاهر الكلام، فإنه قال:” فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون”، فأثبت لهم الصلاة وجعلهم ساهين عنها، فعلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها، وقد قال طائفة من السلف: بل هو السهو عما يجب فيها مثل الطمأنينة، وكلا المعنيين حق، والآية تتناول هذا وهذا.” (20)

  • إشكالية الفهم.

السواد الأعظم من الناس يرون في الصلاة خلاصهم الفردي يوم القيامة بناء على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله؛ صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح.” (21).و هي كذلك، وإنما جعلوا بهذا الفهم المحدود حواجز بين الصلاة والحياة اليومية، وكأنهم لا يعلمون بحديث المفلس الذي أورده مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” أتدرون من المفلس؟” قالو المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال:” إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقدف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه. أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار” (22)

فالفهم المجزأ يجني على المجتمع في الدنيا وعلى العبد في الدنيا والآخرة، وما لم نفهم الدين كاملا كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فسنظل نعيش الويلات مزدوجة في الأولى والآخرة وصدق الله إذ يقول:” أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون”(23)

  • إشكالية العادة.

إن إعادة الفعل الواحد مرات عديدة زمنا طويلا في أوقات متقاربة، يولد العادة. وهذا ما يهدد شعيرة الصلاة التي تتوفر فيها هذه المقومات الحسية، أن تتحول إلى عادة يمارسها المسلم ويواظب عليها دون شعور، فقد تجد بعضهم شارد الذهن، لا يدرك كم صلى ولا ماذا صلى ولا حتى بماذا صلى الإمام إذا كانت الصلاة جهرية.

إذا أضحت الصلاة عادة تمارس كطقوس تحتاج فقط إلى لباس ومعبد وأصوات محددة وحركات معينة، كيف لنا إذا أن نسأل عن أخلاقها وأثرها وتأثيرها؟ إن العادة تغيب العقل والحس وكل تأثير، إيجابيا كان أو سلبيا، وتحتفظ فقط بالحركات الميكانيكية. وكذلك الصلاة إذا تحولت إلى عادة ودرج الناس عليها؛ تعطل دورها وبهت أثرها، فلا هي تنهى عن فحشاء أو منكر، ولا الله بها يذكر.

الخطر في الموضوع يكمن في أن روح العبادة ولذتها هي ما يدفع الانسان إلى ممارستها وتحمل المشاق وأنواع المتاعب من أجلها، فإذا تحولت هذه العبادة إلى عادة فإن الانسان سيتركها عند أول عقبة أو مشكلة تعترضه. ولئن كان الاعتياد على كثير من شؤون الحياة اليومية الدنيوية مقبولا، فإنه من غير المقبول بتاتا أن ينطبق ذلك على العبادات، فتصير جزءا من البرنامج اليومي ومجرد أفعال مكررة لا تضيف جديدا إلى حياة الفرد، وكلمات لا صلة لها بالقلوب، وبالتالي عملا لا يترك أثرا في نفس الفرد أو سلوكه.

إن ضابط ومقياس تحول الصلاة إلى عادة هو مقدار الاحساس بالخشوع واللذة فيها، هو ذاك الشوق الذي يحملك إليها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:” يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها”.(24)، نعم؛ قد أقر جل العلماء أن الحد الفاصل بين العادة والعبادة، هو النية، لكنه يبقى الحد الفاصل لتبرئة الذمة وصحة الركن. فأين حلاوة الإيمان وزيادة الإيمان، ورفعة الدرجات والسكينة وطمأنينة القلب، وغيرها مما ينال بإحسان العبادات.

إضافة إلى هذه العوامل الثلاث، أكيد أن هناك عوامل أخرى، وفي الغالب تخص بعض الناس أو بعض الأمكنة في زمن ما، كعامل التربية في البيت؛ فالذي ينشأ ويرى أمامه نماذج سيئة في علاقة الصلاة بالأخلاق، فإنه سيتأثر بهم ولاشك، وهو ما يسميه البعض بالإسلام التقليدي أو الموروث، فيزيد الأمر استفحالا. ومنها أيضا ما تعيشه بعض المناطق من استشراء الظلم والطغيان، فإنه يؤثر في سلوك الناس، ويجعل الصلاة أمام مهمة صعبة ومستعصية على ترويض النفوس وتهذيبها، ذلك أن الظلم والطغيان يبت الغلظة؛ فتقسوا القلوب، وتسوء الذمم. يقول ابن خلدون ” الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها.”

  • الطريق

بداية الطريق: إذا كان تشخيصنا صحيحا فأول الحلول هو معالجة المعوقات الثلاث، بدء بالتوجيه الذي يجب أن يسلط الضوء أكثر على الجانب السلوكي بما يخدم المقاصد الشرعية في الصلاة، وذلك حتى تتوازن الرؤية عند الجيل الحاضر في نظرته للصلاة، فيهتم بالجانب السلوكي اهتمامه بالجانب الفقهي. وهذا دور العلماء والخطباء وعموم الدعاة، ومن كان طالب علم؛ فعليه مدارسة المقاصد والسلوك والفقه على حد سواء.

و بحسن التوجيه، يمكننا معالجة الفهم الضيق لنصوص الدين، إذ يصبح لزاما عرض النوازل على مجموع النصوص فيها، لتتضح الرؤية ونتجنب الميلان الذي قد يفضي بنا إلى السقوط في المغالطات، فنخسر الدين والدنيا، فالصلاة لها حضور في المسجد وفي كل مصلى، ولها اسقاطات على الحياة اليومية، فالركوع والخضوع لله في الصلاة لا ينفك عن الخضوع له عز وجل في سائر معاملاتنا، والذي نطأطأ له الرأس في الصلاة وننصت لكلامه، إنما نفعل ذلك ليسمع فيطاع في سائر نشاطاتنا اليومية، هذا الفهم يحتاج لكثير من الجهد ليثبت في الأذهان؛ أملا في ترجمته على الميدان.

  • استكمال الصلاة.

بناء على مجموعة من الآيات والأحاديث، ومنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها. ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها”، يظهر لنا ضرورة استكمال الصلاة في واجاباتها وحقوقها، فليس كل صلاة نصليها كاملة كما يريدها الله ويرضى، فهو مقام لم يصله حتى كبار الصحابة، فكانوا رضي الله عنهم دائمي الاحساس بالتقصير في جنب الله، وقد امتدحهم الله بهذا الشعور إذ قال:” الذين يؤتون ما اتوا وقلوبهم وجلة”. قالت أمنا عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف أن لا يقبل منه.” (25)

الاحساس بالتقصير هو ما يدفع العبد إلى طلب الكمال، وهذا الطلب هو طريق تصحيح الأخطاء، وتحسين الأخلاق، والترقي في مدارج الإيمان والإحسان. هذا الطريق يسميه علماء السلوك بالمجاهدة، قال تعالى:” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين” (26). قال أبو يزيد: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك. ولا يزال السالك عرضة للآفات والانتكاس حتى يصل إلى هذه الحالة. (27)

والصلاة كلما كانت متكاملة كان أثرها على السلوك حسنا، وأكبر الغائبين اليوم في الصلاة؛ الخشوع فيها. واستكمال الصلاة أمر لا يمكن تداركه في وقت معين، بل يستهلك العمر كله، وكلما كان العبد يصلي ويحيى بهذا الشعور وعلى طريق المجاهدة يسير، كان خلقه يتكامل يوما عن يوم.

من علماء النفس من عد هذا الشعور بالتقصير مرضا نفسيا، والأصوب ما قال بعضهم أنه على ضربين؛ شعور بالتقصير الذكي الذي يحمل صاحبه على تطوير ذاته، والشعور بالتقصير السيء الذي يدفع صاحبه إلى الانزواء واعتزال المجتمع، نتيجة احساسه بالدونية. ويبقى الأول مطلبا لتطوير الكفاءات الأخلاقية ومراجعتها من حين لآخر. ومن لا يحس بالتقصير لا يرجى منه تغير أو تطوير مادام يعتبر نفسه كاملا وحسنا.

  • النوافل

النوافل عمل تطوعي يأتي به الفرد برغبته، مما يجعل منه عملا ذا أثر بليغ في النفس والأخلاق، وهو ما نجده في عدد من الأحاديث التي تربط بين صلاة النوافل والأخلاق، منها الحديث المذكور سالفا؛ ” ستمنعه صلاته”، وكانت هذه الصلاة هي صلاة الليل. وكذلك حديث الولاية إذ يقول فيه:” وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل… كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره…” وتتجلى فيه حافظية الله لعباده الصالحين الذين ينالون هذا المقام بالمداومة على النوافل. ثم حديث:” أعني على نفسك بكثرة السجود”(28)، وغيرها من الأحاديث. ذلك أن من الناس من لا تكفيه الواجبات في سد ثغرات النفس ورعوناتها.

إن التطوع في عمومه يصدر من الأشخاص الأكثر فاعلية في المجتمع والأكثر خلقا، ويعلم أيضا التطاوع والتآلف. وينمي في الشخص الرغبة في العطاء والتحفيز على العمل والإنجاز، هذه الإيجابيات النفسية تنمو بالإشباع وتضعف بالحرمان.

و حينما يشبع الفرد حاجته البدنية والقلبية، تظهر له الحاجات الاجتماعية كعامل أساسي يوجه سلوكه، فالإنسان بطبعه اجتماعي ويحب أن يشعر بالانتماء للآخرين، وبقبول الآخرين له، وبالمودة والصداقة، وفي نفس الوقت يرغب هو نفسه أيضا بأن يظهر مشاعر الصداقة والمودة للآخرين.

كما أن النوافل تحارب في النفس الأنانية وحب الذات، وكما قيل ” حب النفس رأس كل خطيئة”، فإذا تخلص العبد من أنانيته، برزت فيه معالم الإيثار وحب الخير للغير، الذي هو الباعث على كل فضيلة.

ومن جانب آخر، فإن العاطفة مهمة في حياة الإنسان؛ لأنها هي التي تدفعه إلى فعل الأشياء التي يتعاطف معها، كما تدفعه إلى ترك الأشياء التي يكرهها بدافع داخلي. فالنفس لابد أن تتجه بعواطفها إما للخير أو للشر، وهذا ما يساهم فيه العمل التطوعي -بما في ذلك التطوع التعبدي-حيث يوجه العواطف الوجهة الصحيحة.

  • جمالية الصلاة

وتبقى الصلاة، كما أقرها الاسلام وجاء بها حبيب الرحمان؛ أرقى ما يمكن أن يتقرب به العبد إلى مولاه، فرضت على الأمة الاسلامية من فوق سبع سماوات من دون باقي الأركان، هي الوسيلة المثلى ليتزلف العبد إلى العلي القدير، والطريقة الفضلى ليزكى بها النفس بما يرضي المولى الجليل، فيخرج إلى الخلق في أحسن حلة، يسعى بينهم بالبر والإحسان، وحسن الخلق.

تبقى الصلاة أحسن وأكمل غداء للروح، كما الأطعمة الشهية أطيب غداء للبدن. فإذا استوفى الإنسان غداء الروح والبدن، أشع بنوره وأخرج أجمل ما في النفس البشرية من خير ورحمة ولين وإيثار ونكران للذات، وغيرها من الخصال الحميدة، كما تمثلها الأنبياء والصالحون من عباد الله على مر الزمان، ولله الفضل والمنة.


(19) سورة مريم الآية 59

(20) مجموع فتاوي ابن تيمية جزء 15 صفحة 234

(21) رواه الترمذي برقم 413

(22) رواه مسلم برقم 2581.

(23) سورة البقرة الآية 85.

(24) رواه أحمد وأبو داود

(25) رواه أحمد وغيره.

(26) سورة العنكبوت الآية 69.

(27) طريق الهجرتين (2.697)

(28) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب فضل السجود والحث عليه 1/353.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.