منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكرم والنفقة في سبيل الله | شعب الإيمان | الشعبة (37)

عبد الحفيظ الإدريسي

0

مقدمة:

إن الحديث عن الشعب البضع والسبعين الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

“الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ “أخرجه الإمام مسلم.

يصور الإيمان في تفاصيله وجزئياته نهرا جاريا له روافد تغذيه. ويمثل نهر الإيمان في قوته وتمكنه من قلب المؤمن وحياة الجماعة الأساس المتين لإقامة مجتمع العمران الأخوي، فرض الله الزكاة حقا مفروضا، وبعد الحق المفروض يأتي التطوع من صدقة ومواساة وكرم يتحلى به المؤمن. فالقاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي ولحمته: التطوع بالخيرات.

لذلك كان من الشعب الإيمانية التي لا بد للمؤمن أن يكون له نصيب منها: الكرم والنفقة في سبيل الله حتى يكون لبنة في بناء المجتمع الإسلامي.

المزيد من المشاركات
1 من 43

تعريف بالشعبة:

تندرج شعبة الكرم والنفقة في سبيل الله ضمن خصلة البذل وهي رابع الخصال الإيمانية العشر التي جمعها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وفي كتاب ربنا وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد نصوصا كثيرة تحض على تَمَثل هذه الخصلة الإيمانية منها: قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة ” من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” وقوله في نفس السورة ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.

وقوله سبحانه في نفس المعنى في سورة المنافقون” وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”.

أما في السنة النبوية فقد ورد قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنه قال “أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيّ الناس أحبُّ إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ”

وقد صحح الحديث كثير من الأئمة.

لاحظ معي أن الحديث فتح مجالات واسعة لما ينبغي أن يكون عليه الكرم والنفقة في سبيل الله وهو ما يفهم كذلك من الحديث الشهير الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ” بينَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ، فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ.

فضل الشعبة وأجرها:

  • تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى وتمحو الخطايا وتقي من النار، قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ صدقةَ السرِّ تُطفىءُ غضبَ الربِّ”
  • تنال دعاء الملائكة وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: ” عن أبي هُريرة رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: “اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا” متفقٌ عَلَيْهِ.
  • يشرح الله تعالى صدر العبد الكريم ويرزقه الطمأنينة أما البخيل الذي يقبض الله صدره كأنما يصعد في السماء.
  • تعدّ الصدقة دليلاً على خصلة الصدق وتمكنها من قلب العبد. لذلك كان أبو بكر الصديق أكثر الصحابة بذلا رضي الله عن الجميع.
  • عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن – أو تملأ – ما بين السماوات والأرض، والصلاة نورٌ، والصدقة برهانٌ…”
  • الصدقة ترفع صاحبها درجات عند الله تعالى فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» في الصحيحين. هناك فضائل أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

ثمراتها أفرادا وجماعات:

  • على المستوى الفردي:
    • حصن من الفتنة

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتنة؟
قال: قلت: أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء فكيف قال؟ قلت: «فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفّرهـا الصلاة والصدقة والمعروف.  كلمة من رجل خبير بالفتن.

    • نماء للمال:

الصدقة سبب لزيادة المال ونمائه وحصول البركة،

يقول تعالى: “يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ” البقرة/ 276
و قد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في أحاديث كثيرة، ومنها عنأبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  “ما نقص مالٌ مـن صدقة – أو ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفوٍ إلا عزّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله”.

    • طهارة للنفس:

التصدّق طريق تزكية النفس الأمثل، لأنّ الإنسان الذي يُنفق ويتصدّق ويبذل من ماله يتطهّر ويتزكّى من خلال هذا الإنفاق. ولذلك، ورد في الآية الكريمة “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” التوبة/ 103

    • مفتاح لأبواب البر:

المال من أعظم محبوبات النفس؛ فمن قدم محبوب الله على ما تحب النفس وفقـه الله للعمل الصالح ويسر له أسباب بقية أعمال البر فلا يستعصي شيء منها عليه يقول تعالى: “فأما من أعطــى واتقـــى وصــدق بالحسنى فسنيسره لليسرى”

جاء في تفسير قوله تعالى: ” فسنيسره لليسرى أي نيسر له أمره، ونجعله مسهلاً عليه كل خير، ميسراً له ترك كل شر لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له لذلك (تيسير الكريم الرحمن، للسعدي: ص 857)
وقد أوضح الله هذا الأمر في قوله ـ عز وجل ـ: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران”: 92

  • على مستوى الجماعة:
    • التكافل بين أفراد المجتمع الواحد:

أقرّ الإسلام مبدأ التكافل ورغبَّ الناس في الإنفاق لمساعدة الفئات المعوزة. وأقر الزكاة وجعل في المال حقا غير الزكاة ودعا إلى كل ما من شأنه أن يرسخ الحب والود بين مختلف طبقات المجتمع.

وجعل الصدقة أحد أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي، لأنها تغطي الحاجات الضرورية واليومية للفقراء من أكلٍ ولباسٍ ودواء. بل إن رسولنا الكريم اعتبر أن أي عمل صالح صدقة،

جاء في الحديث الشريف عن أبي موسى الأشعري:

“عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: فَيَعْمَلُ بيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ قالوا: فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: فيُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوفَ قالوا: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: فَيَأْمُرُ بالخَيْرِ أوْ قالَ: بالمَعروفِ قالَ: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: فيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فإنَّه له صَدَقَةٌ” صحيح البخاري

    •  القدوة الحسنة:

من يتصدق بماله يعطي من نفسه القدوة الحسنة لغيره من المجتمع ويدفع الآخرين إلى الاقتداء به فكم من سلوك حسن في الناس كان بسبب قدوة حسنة

قد لا تتمكن بصدقتك أن تعين كل فقراء في هذا العالم الفسيح، لكن عملك سيدفع آخرين إلى الإقدام والاقتداء بك وتتوسع الدائرة بفعل الصحبة في الجماعة.

خاتمة:

إنه ما من نعمة ينعم بها الله تعالى على عباده إلاَّ وهي من محض فضله وكرمه وإحسانه قال سبحانه” وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ” النحل 53
والعبد مستخلَف فيما رزقه الله تعالى. لكن الذي استخلفه وعده بالكرم والأجر العظيم إذا بذل ماله ابتغاء مرضاة الله.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.