منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تدبير الاختلاف الأسري

عبد الصمد الخزروني

0

مقدمة

سأنطلق للبحث في هذا الموضوع من خلال بسط هذا المثال. إذا أردنا أن نبني بناء معينا فإنه أول شيء نفكر فيه لنبدأ العمل هو وضع الأساس الذي ينبغي أن يكون متقنا ومتينا. لأنه على هذا الأساس المتقن والمتين سيتم بناء ما يراد بناؤه من طبقات. فإذا لم نُتقن تثبيتَ الأساس ولم يكن في منتهى المتانة المطلوبة فلنعلم أنه في كل مرة ستظهر تشققات وتصدعات ستحتاج منا إلى إصلاح وتعديل. هذا المثال ينطبق تماما على الأسرة التي تعتبر بناء أيضا. ولها أساس إن لم يُمتّن ويُتقن تثبيته ستعيش دائما في صراعات واختلافات تحتاج إلى إصلاح. وأساس الأسرة المتين هو ما أمر الله به الزوجين من إجراءات قبل الزواج وأثناءه وبعده. فالتفريط في هذه الإجراءات اللازمة أو في بعضها من طرف الزوجين أو أحدهما على الأقل لا محالة سيُعرض البناء الأسري للخلل آجلا أم عاجلا بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء. وهذا الخلل الذي نسميه اختلافا بالتأكيد سيتطلب مجهودا كبيرا في الحصول على حلول حكيمة والتي نسميها تدبيرا. فيكون السؤال المهم بعد ذلك في كل هذا هو: كيف ندبر هذا الاختلاف داخل الأسرة، سواء كان بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء؟

مطلب التعريف

التدبير (la gestion): لغة من فعل دبَّرَ يُدبِّر، تَدْبيرًا، فهو مُدَبِّر، والمفعول مُدَبَّر – للمتعدِّي. ودبَّرَ أُمُورَهُ: فَكَّرَ فِيهَا وَخَطَّطَ لَهَا، سَاسَهَا.
دَبَّرَ القَائِدُ خُطَّةً عَسْكَرِيَّةً: رَسَمَ أهْدَافَهَا. ومنه تدبير المنزل: علم وفنّ يعنيان بالبيت والحياة البيتيَّة من ترتيب وصحَّة واقتصاد.
اِتَّخَذَ الْمُدِيرُ تَدابِيرَ صَارِمَةً: أَيْ إِجْرَاءاتٍ، تَرْتِيبَاتٍ، قَوانينَ إِجْرَائِيَّةً، اِتَّخَذَ تَدابِيرَ احْتِيَاطِيَّةً.
اِمْرَأَةٌ لهَاَ قُدْرَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى تَدْبِيرِ شُؤُونِ البَيْتِ: عَلَى تَسْيِيرِهِ وَتَرْتِيبِهِ وَالعِنَايَةِ بِهِ. يقال: التَّدْبِيرُ نِصْفُ الْمَعيشَةِ.
هَذَا الأَمْرُ مِنْ تَدْبِيرِهِ: مِنْ فِعْلِهِ، مِنْ صُنْعِهِ[1].

نستفيد مما سبق:

المزيد من المشاركات
1 من 7
  • أن التدبير علم وفن. وهو مرتبط بالمرأة أكثر من غيرها، وفي البيت يكون أظهر وأكثر لما له من أثر.
  • أن التدبير عبارة عن خطة لها أهداف مرسومة وواضحة.
  • أن التدبير له إجراءات وترتيبات وقوانين واحتياطات.

الاختلاف (la différence): لغة من فعل اِخْتَلَفَ: فنقول:) اختلفَ إلى / اختلفَ على /اختلفَ عن / اختلفَ في. يختلف، اختلافًا، فهو مختلِف، والمفعول مُخْتَلَف للمتعدِّي.
اخْتَلفَ ‏الشيئان: لم يَتَّفِقا. اِخْتَلَفَ مَعَهُ فِي الرَّأْيِ: عَاكَسَهُ، أَيْ أَتَى بِرَأْيٍ مُخَالِفٍ.‎ ‎‏اخْتَلفَ الشيئان: لم يَتَسَاويا.
يقال: اختلاف الرَّأي لا يفسد للودّ قضيّة: بمعنى يجب ألا يؤثر ‏الخلاف على حُسن المعاملة[2].

نستفيد مما سبق:

  • أن الاختلاف نوعان: اختلاف تنوع وهو أمر محمود باعتباره سنة كونية. واختلاف تضاد وهو أمر مذموم لما فيه من مضرة وتأثير على حسن المعاملة.
  • أن الاختلاف بعدم الاتفاق على أمر معين يحتاج إلى تنازل أحد الطرفين لصالح الآخر حفاظا على المودة.
  • أن الاختلاف في الرأي يحتاج إلى احترام كل واحد لرأي الآخر.
  • أن الاختلاف بين الاثنين من جهة الخلْق الذي ليس لأي أحد فيه يد يُوجب التسليم.

مطلب الاستقرار الأسري

الأسرة المتكونة من الزوجين والأبناء في الأصل يُراد لها أن تكون مستقرة. وهي غاية كل زوج يسعى إلى تحقيق الحياة الطيبة. لأن الاستقرار الأسري يفتح آفاقا كثيرة أمام أعضاء الأسرة، ويتيح لهم فرص النجاح في كل عمل يقدمون عليه. بينما إذا فُقد هذا الاستقرار وأصبحت سفينة الأسرة تتقاذفها الأمواج من كل الجهات، في ذلك الوقت لا يكون تفكير أعضاء الأسرة إلا في الخلاص والنجاة والوصول إلى برّ الأمان.

فحتى يسود الاسرةَ الاستقرارُ المطلوب يضع لنا دينُنا الحنيف تدابير صارمة مسبقة وهي إجراءات والتزامات فيها الضمانة الكاملة من عدم التعرض لأية مشاكل. أما عدم الأخذ بتلك التدابير ثم الوقوع بعد ذلك في المشاكل الأسرية فهذا يتحمل فيه المسؤولية الزوجان. وبالرغم من أن الدين يُحمّل لهما المسؤولية إلا أنه من رحمته يفتح بابَ المساعدة على مصراعيه لتدارك الأمر إما من داخل الأسرة أخذا بتلك التدابير من جديد، أو من خارج الأسرة بتدخل أهل الثقة من الأقارب أو من المؤمنين لإصلاح ذات البين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

الدين كان واضحا حين أوصى الزوجين بالحفاظ على أمرين مهمين وعظيمين جعلهما الله تعالى بينهما، وبهما تتماسك الأسرة وتنعم بالاستقرار، وهما: المودة والرحمة. يقول الله تعالى: [ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون] (الروم:21).

فالمودة هي بداية التقارب النفسي بين الرجل والمرأة، فإذا تعمقت هذه المودة بروابط الأخوة الإيمانية، وتطورت من علاقة اجتماعية عادية إلى علاقة أخوية إيمانية صارت بينهما رابطة روحية ومحبة قلبية لا تنقطعان.

أما الرحمة فهي الحصن الحصين الذي يحمي هذه المودة ويرعاها حتى تصير محبة، وذلك بالصبر على بعضهم البعض من منطلق التقدير المتبادل والتعظيم والاحترام الواجب بينهما.

وكان واضحا أيضا حين قسّم بينهما الوظائف، فجعل من وظيفة الرجل القوامة، ومن وظيفة المرأة الحافظية. يقول الله تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا] (النساء:34).

القوامة بالنسبة للرجل تعني أن يحمي أهل بيته مما قد يتعرضون له من مخاطر تهددهم في الحياة من جهة الأمام. مخاطر مثل الجوع، العري، الخوف، البرد، الجهل، والمرض. بمعنى آخر القوامة هي قيام الرجل بواجب الإنفاق على أسرته ورعايتهم. وتعتبر القِوامة أخت الحافظية، وهي أمانة ومسؤولية، وهي الدرجة التي جعلها الله للرجل حتى يقود السفينة بحنكة ودراية ومداراة.

الحافظية بالنسبة للمرأة تعني أن تحمي زوجها في غيابه من جهة الوراء أي من جهة ظهره حتى لا يُطعن في شرفه وكرامته أو تنتهك أسرار بيته. بمعنى آخر الحافظية هي حفظ المرأة لغيب الرجل بحفظ أسراره. انطلاقا من واجب الحافظية تتحمل المرأة مسؤولية الحفاظ على شمل الأسرة من الانتثار والانكسار.

هذه هي أسس الأسرة التي يمكن أن يعلو عليها البناء، أما ما يأتي بعد ذلك من أمور تزيد من متانة هذا الأساس وصلابته فإنما هي من باب الإحسان. والله يحب المحسنين.

مطلب تدبير الاختلاف

من الداخل: إذا لم يعد الاستقرار موجودا في الأسرة، أو مهددا بالغياب في كل مرة بسبب الاختلاف، فإنه لابد لأحد الزوجين من المبادرة إلى تدبير هذا الاختلاف قبل فوات الآوان. يقول الله تعالى: [وإن امرأة ٌخافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحا، والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشحَّ، وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله بما تعملون خبيرا] (النساء:128]. وأول ما يدبر به الزوجان هذا الاختلاف السعي إلى تذكير بعضهما بما جعله الله تعالى بينهما من علاقة تقوم على المودة والرحمة، وتذكير بعضهما بدور القوامة والحافظية الذي جعله الله تعالى لكل واحد منهما. فلابد إذاً للزوجين أن يكونا على دراية ومعرفة بهذه الأسس المتينة التي تقوم عليها الأسرة، والتي تبعث على الاستقرار الأسري، وتجعل الأسرة أكثر قوة وتماسكا بين أفرادها. وبها أيضا أوجد لنا الإسلام الأسرة الصالحة والمصلحة. أب صالح وأم صالحة وأبناء وبنات صالحون. يقول الله تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (النحل:97).

وحتى تصلح الذرية لابد من أن يسبقه ذلك صلاح الأب والأم، إذ لا يمكن التفكير أو العمل على إصلاح الفروع بينما الأصول فاسدة. يقول الله تعالى: [وكان أبوهما صالحا] (الكهف:82). ويقول كذلك سبحانه: [وأصلحنا له زوجه] (الأنبياء:90).

إلى جانب تذكير بعضهما البعض بهذه العلاقة المهمة من المودة والرحمة وبدورهما في القوامة والحافظية، يمكن أن نضيف بعض الآليات الأخرى التي قد تخدم هذا التدبير منها:

الحب: “يخطئ من يظن أن الحب ينتهي عند الزواج، استنادا إلى قول من يقول: (الزواج يدمر الحب). فتنتهي معه الهدايا والهمسات والنظرات والكلمات والذكريات الجميلة. بل بالعكس مع الزواج بين الاثنين ينتعش ويتطور ويتجدد بتجدد أساليب التقارب والانسجام”[3]. كما يخطئ كذلك من يظن أن الإسلام ضد زواج الحبّ. بل بالعكس يأمر به، لكن بشرط أن يتأكد الرجل والمرأة أن كلمة “أحبك” ليست عبارة عن نزوة عابرة، وإنما هي عبارة عن محبة خالصة بين الزوجين يرجى لها أن تنمو في بيئة قامت على المودة والرحمة.

التطاوع: إنه مما “يجعل العلاقة الزوجية تحتضن الحب أكثر وتحميه هو التطاوع، فلا ينبغي لهذه العلاقة أن تلتفت إلى الجزئيات من أمور الحياة كزيادة مقدار الملح في الطعام أو نقصه…ولا أن تقف عند الحسابات الضيقة من مطالبة كل واحد منهما بحقوقه، كحقه في الطاعة، وحقها في النفقة. فهذا التعامل الحقوقي نجده في المؤسسات النقابية، أما المؤسسة الزوجية فيتم التغاضي عن هذه الأمور بالنظر إلى الأمور التي تسعد الطرفين”[4].

المثالية: “الحب المثالي أن يكتشف الزوجان اللحظات التي ينتعش فيها الحب حتى يصير إحساسا جميلا يحسان به عن قرب، كالمشي معا تحت زخات المطر، أو الجلوس معا لتوديع الشمس أثناء غروبها، أو التجول معا ليلا إن أمكن لهما ذلك لمعانقة السماء والتأمل في النجوم، أو السباق على شاطئ البحر سجالا بأقدام حافية، فإن تعذر ذلك فحديث ذو شجون في جو صاف داخل البيت”[5]. يقول الله تعالى في معرض حديثه عن العلاقة الزوجية: [وقدموا لأنفسكم] (البقرة:223). أي فليقدم كل واحد من الزوجين ما عنده من قدرات عاطفية جميلة ليعبر بها عن مثاليته تجاه الآخر.

ضجر الحسن بن الحسين من امرأته يوماً فقال لها: أمرك في يدك، أي: إذا أردت أن تطلقي نفسك فطلقي الآن، فقالت: أما والله لقد كان الأمر في يدك عشرين سنة فحفظته أفأضيعه أنا في ساعة صار في يدي، قد رددت إليك حقك فأعجبه قولها، وأحسن صحبتها.

وغاضب رجل امرأته مرة فطلبت الطلاق، وألحت عليه، وقالت: أكتب لي ورقة الآن، فأخذ ورقة وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فأنا فلان بن فلان بعقلي، وطوعي، وإرادتي، أشهد الله أني متمسك بزوجتي أم أولادي، وأنني أحبها، ولا أرضى لها بديلاً، والسلام. ثم طواها، وأغلق الظرف، وناولها إياه، فخرجت من شدة الغضب إلى أهلها، ولم تقرأ شيئاً، وأخبرتهم أنها قد طلقت، ومكثت أياماً، ولما هدأت الأمور، وزالت فورة الغضب، ورجع أهلها إليه، وقامت تعتذر، وطلبت السماح وردني، وأرجعني إلى عصمتك، قال: اقرئي الورقة ففوجئت بما فيها فحمدت، وشكرت، وهكذا يكون الأسلوب الحكيم.

من الخارج: وفي حالة تعذر تدبير الاختلاف من الداخل فإنه وجب التدخل من قبل أهل الزوجين أو من قبل المؤمنين والمؤمنات للقيام بهذا الواجب. يقول الله تعالى: [وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله أو حكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا] (النساء:35). ويقول كذلك سبحانه وتعالى: [لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما] (النساء:114). وفي حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين“.

فإذا أقدم أحدُنا على تدبير هذا الاختلاف الأسري أو دُفع إليه فإنه لا بد له في البداية من معرفة نوع الاختلاف، فإن كل اختلاف له تدبيره الخاص. فتدبير الاختلاف في المشاكل الاجتماعية ليس هو تدبير الاختلاف في المشاكل الفكرية، وليس هو تدبير الاختلاف في المشاكل الشخصية. وقد يكون هناك اختلاف لا يحتاج إلى تدبير من خارج أصلا. فالتجربة والخبرة بأمور التدبير والتواصل والمعرفة بمداخيل القلوب والنفوس كلها أمور ضرورية تعبر عن الكفاءة المطلوبة في المدبر للاختلاف الأسري.

فإذا أردنا أن نحدد بعض الأمور لتدبير الاختلاف بين الزوجين فيمكن أن نذكر منها ما يلي:

  • أولا: التأكد من نية الزوجين في طلب الإصلاح، فهي مهمة ومدعاة للتوفيق بينهما، هذا من جهة. ومن جهة ثانية ضرورة إخلاص المصلحين في العملية أن يكون ابتغاء مرضاة الله تعالى.
  • ثانيا: التذكير قبل كل شيء بالأسس المتينة التي يعلو عليها بناء الأسرة. أن الإسلام أوصانا بها وحمّلنا مسؤولية الحفاظ عليها لنحمي بها الأسرة من أي تفكك.
  • ثالثا: السماع إلى أسباب الاختلاف من كلا الطرفين، فإن اجتمعا في مجلس مع المصلحين فذلك أفضل.
  • رابعا: فتح باب الحوار مع السعي في تقريب الآراء وتغليب المصلحة العامة والتنبيه إلى عواقب الاختلاف على مستقبلهما ومستقبل الأبناء. فإن العلاقة الزوجية أقيمت لتستمرّ ليس في الدنيا فقط بل حتى في الآخرة.
  • خامسا: تطييب الخاطر لكل واحد منهما على حدة بكلام جميل يشجع ويحفز على الصلح، الزوجة من قبل المؤمنات، والزوج من قبل المؤمنين.
  • سادسا: توصية الزوجين بما وصى به الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الحالة من عدم التفاهم، توصيتهما بالصبر والرضى والتطاوع.
  • سابعا: الدعاء لهما قبل الإصلاح وأثناءه وبعده بأن يَجمع الله شملهما ويصلحَ ذات بينهما ويوثق رابطتهما ويديم بينهما المودة والرحمة.

جاء في صحيح البخاري أنه لما آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، زار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، وكان ذلك قبل نزول آية الحجاب، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدينا، أي: لا يهتم لي إطلاقاً، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل، قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء، فقال سلمان: نم، فنام ثم يذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال: سلمان قم الآن، فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حقٍ حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “صدق سلمان”.

وجاءت امرأة إلى سيدنا عمر رضي الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله، فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر عليه، وهو يكرر عليها الجواب، فقال له كعب بن ثور الأزدي: يا أمير المؤمنين هذه امرأة تشكو زوجها في تركه لها، أي: هناك نقص في المعاشرة في حق الفراش، فقال له عمر: كما فهمت من كلامها فاقض بينهما، فقال كعب: عليّ بزوجها، فأتي به فقال له: أحل الله لك أربعاً، فاجعل لها في كل أربع ليال ليلة، وفي كل أربعة أيام يوماً تتفرغ به للزوجة، فقال عمر لكعب: ما أدري من أي أمريك أعجب أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما، اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.

خاتمة

هذا الاستقرار الذي نتحدث عنه والذي ينافي الاختلاف لا يعني الجمود الأسري بل يعني التطور على مستوى العلاقة التكاملية في الوعي والتواصل والتقارب والوسائل والأساليب ما يرفع الأسرة من واقع تقليدي إلى واقع نموذجي. كما لا يعني الاستبداد الذكوري بأن يصبح الرجل هو الآمر والناهي والباقي منفذون فقط. بل يعني التعاون والتراحم والتحاب والحوار والتفاهم والتطاوع داخل الأسرة. فكل المعاني التي تزيد من تماسك الأسرة وقوتها تدخل في إطار قاموس الاستقرار الأسري.

وعندما يحصل الاستقرار يمكن للأسرة آنذاك أن تحتضن هذا الإنسان الفرد المولود، وتعمل على حفظ فطرته وتسهر على تربية شخصيته حتى يصبح رجلا مؤمنا وامرأة مؤمنة. وبهذا الاستقرار أيضا يمكن للأسرة ان تبني عمرانا أخويا وتصنع مجتمعا سويا ومتماسكا بأفراده وقويا بأُسَره الذي سيَتطلّع إلى بناء الأمة بتوحيد مجتمعاتها.

[ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما] (الفرقان:74).

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه من بعده

والحمد لله رب العالمين


[1] – ينظر معجم المعاني الجامع، https://www.almaany.com/معنى كلمة: تدبير.

[2] – ينظر نفس المرجع، معنى كلمة: اختلاف.

[3] – عبد الصمد الخزروني، سر الحب في حياة الإنسان، ص:70.

[4] – نفس المرجع، ص:76.

[5] – نفس المرجع، ص:88.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.