منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العولمة في فكر الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله

مصطفى بن حمو

0

 

تمهيد:

وأنا أتفحص كتب الدكتور المهدي المنجرة، أراه يولي اهتماما بالغا لهذا المصطلح، بحيث لا يكاد يخلو كتاب من كتبه النفيسة من ذكر لهذه الظاهرة، ويربطها بقضايا عدة، ذات أهمية في حياة المجتمعات، فعقدت العزم من حينها على تحضير مقال متواضع خاص بهذا الموضوع.

ولم يكن في نيتي وأنا أحضر هذا البحث، أن أحيط بكل تفاصيله، وإنما حاولت الاقتصار على الأهم منه، لكونه يشكل نقطة تقاطع لقضايا مختلفة، وهذا يتجلى من خلال ربط المؤلف هذه الظاهرة بتلك المواضيع والقضايا.

لعنا لا نبالغ إذا عددنا الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله، من أعظم رواد علم المستقبليات، والعارف بالعلاقات الدولية وتفاصيلها. ولذا فهو لا ينتفض عبثا ضد هذا المصطلح أو الظاهرة ” العولمة”، والذي يعتبره ببساطة الأمركة، ولأهمية وخطورة هذا المفهوم، نجده متكررا في عدد من كتبه ومقالاته وحواراته الصحفية.

المزيد من المشاركات
1 من 83

ورفض المؤلف لظاهرة العولمة السائدة، إنما هو في الحقيقة رفض لمحتواها الاستخرابي من الناحية الاقتصادية والثقافية والسياسية، إذ تسعى إلى تكريس وفرض المنظومة الغربية ذات المرجعية المسيحية ـ اليهودية، وصهر كل الثقافات في قالب الثقافة الغربية، وهذا فيه رفض لمبدإ التعدد والتنوع اللذين لا مستقبل للبشرية إلا بهما.

ولأجل ذلك لم يتهاون الدكتور العارف بخطورة هذه الظاهرة ـ خاصة على مجتمعات العالم الثالث ـ في كشفها وفضح آلياتها والقوى التي تتبناها، التي تجد مصلحة في إشاعتها والترويج لها، ويؤكد هذا ما ورد في كتابه زمن الذلقراطية: “يدور عالم اليوم في فلك العولمة، وهو عالم يحكمه شيء اسمه النظام العالمي الجديد، بزعامة القطب الواحد والمتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تفكر بمنطق القوة العسكرية والضغط الاقتصادي في أنانية مطلقة. لكنها تتوشح بثوب الملائكة حتى تخفي أهدافها الدنيئة وراء ستار المساعي الإنسانية لتضمن استمرارية تدخلاتها وتحمي مصالحها الإستراتيجية”.

أولا: حول مفهوم العولمة.

نجد الدكتور المهدي المنجرة، يقدم تعاريفا متنوعة للعولمة، فتارة يعرفها بكونها الأمركة، وتارة بكونها مرحلة ما بعد الليبرالية، وتارة أخرى يصفها بأنها سلالة من سلالات الاحتلال والإرهاب، وفي جهة أخرى يرى أنها تشكل ديكتاتورية وتوتاليتارية لا تعلن عن اسمها، إلى أن كل هذه المضامين تصب في سياق واحد وهو الاستخراب الجديد ـ الاستعمار الجديدـ بشتى أنواعه، اقتصاديا وثقافيا وسياسيا..، إذ أن سياسة العولمة كمين حضاري وتكريس للفكر الواحد والثقافة الواحدة، وهي المنظومة الغربية القائمة على المدنية والإباحية والإلحاد….

ويعتبر البروفسور، أن مفهوم العولمة مفهوم ذي واجهة جذابة وأخاذة، نتيجة الخداع السيميائي والدعاية المحاطة به لتحسين واجهته، ويدخل في ذلك حتى مدعي العولمة من المثقفين المرتزقة، الذين يرون أن العولمة قادرة على احتواء العالم بأسلوب تواصلي وتعايشي، وما ذلك إلا دعاية وتسويقا وتلميعا لواجهة العولمة، لتغطي بذلك حمولتها الإرهابية والاستعمارية في كل المناحي خاصة الاقتصادية والثقافية.

وهنا نتساءل: كيف تكون العولمة قادرة على احتواء العالم في ظل التواصل والتعايش والحوار وهي تعني أمركة كوكب الأرض وفرض المنظومة الغربية وإقصاء كل ما هو غير مسيحي ـ يهودي؟

ثانيا: تقاطعات العولمة.

1 ــ العولمة والقيم.

تشكل القيم لدى المؤلف قضية ومحورا أساسيا في تنمية المجتمع، وله كتاب في ذلك بعنوان “قيمة القيم” يتحدث في أغلب فقراته عن القيم ودورها في تنمية المجتمع، وفي نفس الوقت يربط هذه القضية بظاهرة العولمة. حيث يؤكد على أن نظام العولمة الجديد الذي تقف وراءه الولايات المتحدة الأمريكية، تسعى من خلال هذا النظام إلى تشتيت مجتمعات العالم الثالث أكثر مما هي مشتتة، وأن مآربها الحقيقية مرتبطة بالأخلاق والقيم وليس بالاقتصاد كما يدعون.

ويؤكد ذلك بقوله في كتابه زمن الذلقراطية: ” فالحضارات اليهودية ـ المسيحية، ترمي من وراء العولمة إلى فرض قيمها وأخلاقياتها وأسلوب حياتها على الحضارات غير اليهودية وغير المسيحية، كحضارة عالمنا الإسلامي، وما الاقتصاد إلا واجهة لإخفاء المأرب الحقيقي للعولمة الكامن في النفوذ إلى حياة المجتمعات لاستمرار بسط الهيمنة والتحكم”. ص 15.

2 ــ العولمة والمعرفة.

يشير البروفسور إلى الأزمة والصراع الذي ستتسبب ـ أو تسببت ـ فيه العولمة بين طبقات المجتمع الواحد، بين من يملك ومن لا يملك، ولا يقتصر هذا الصراع في نظر المؤلف على الجانب المادي فقط، وإنما سيمتد أيضا إلى حقل المعرفة، حيث ستتسع وتتعمق الهوة بين المؤهلات العلمية والثقافية لأفراد المجتمع الواحد، أي سنرى صراعا بين من يعرف ومن لا يعرف.

وهذا الصراع سيؤدي إلى أزمات بين أهل المعرفة وبين من لا علاقة لهم بها.

وفي هذا السياق يجعل مصير الثقافة الوطنية بالنسبة لمجتمعات دول الهامش في ظل تحديات العولمة، رهين بتطهير أجوائها من المثقفين المرتزقة، وبدحر ورفض كل ما هو دخيل عن ثقافتنا وأفكارنا وخصوصياتنا، حتى نستطيع بناء أرضية ثقافية لشعوبنا توافق فطرتها وخصائصها ولتنعتق من الاستلاب الفكري والانسلاخ الثقافي.

وإذا تأملنا جيدا في الوسط الثقافي المغربي، نجده لا يخلو من هذا النوع من المثقفين المرتزقة، ممن يروجون للثقافة الغربية بقيمها وقوانينها، إلى جانب جعل الإسلام دائما محط نقاش لديهم.

وهدفهم تغيير المرجعية الفكرية والدينية للشعب المغربي، وطمس تاريخه وثقافته، وفك الرابط الروحي والفكري الذي يربطه بثوابته الوطنية وجعله متأثرا ومنقادا وراء المبادئ الغربية.

3 ــ العولمة والنظام العالمي الجديد.

يؤكد البروفسور على أن إقامة النظام العالمي الجديد، هو صنيعة السبعة الكبار G7، وصندوق النقد

الدولي والبنك الدولي والكاط، ويدخل في ذلك حتى بعض المنظمات السرية و13 العائلة الحاكمة، غير أن هذا النظام يعمل ضمن نسق غير مباشر للحكم، بحيث يتم إدماج قادة البلدان النامية داخل شبكة الطبقة الحاكمة، ولذلك فهم داخل لعبة نهايتها غير معروفة.

ويقول الدكتور رحمه الله: ” إن أولئك الذين يريدون منا أن نثق بالعولمة بنوع من السذاجة، لم يكتشفوا ما يربطهم بشعبهم وبالإنسانية، فهم قد احتجزوا الكوكب الأرضي وجعلوا الفضاء خاضعا لهم للهيمنة العسكرية، واحتلوا البلدان ورشوا الحكومات واشتروا عقول وأقلام جزء لا يستهان به من أنتلجنسيا العالم الثالث، وعبدوا الطريق للشركات المتعددة الجنسيات لإضعاف الاقتصاديات الوطنية”.

ويصرح البروفسور على أن ما تمت عولمته هو الفقر والظلم الاجتماعي والرشوة والاستلاب الثقافي وليس الانفتاح والازدهار والديمقراطية كما يدعون.

ويصور الآثار السلبية الكونية للعولمة، إذ هي أحد الأسباب الأساسية في صعود العنف وتناسل النزاعات، وهي أيضا الحقل المناسب لمواجهات كونية أكثر حدة وتهديدا لاستمرار الإنسانية على قيد الحياة

4 ــ العولمة والعالم الثالث.

يؤكد البروفسور أن اعتناق هذه المجتمعات للعولمة، ليس حلا ومفتاحا للتنمية والازدهار، بل هي على العكس تماما، إذ سيتم تعميق الفجوة بين طبقات المجتمع الواحد من جهة، وبين دول الجنوب ـ العالم الثالث ـ وبين دول الشمال، وهذا راجع لعدة أسباب أهمها، انعدام التوافق بين إمكانيات دول الجنوب ودول الشمال، والسبب الثاني، يتمثل في استعانة بعض ــ إن لم يكن كل ــ دول العالم الثالث بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتنزيل تطبيق البرامج التنموية التي تمليها عليهم هاتين المؤسستين الماليتين التي لا تراعي مصالح الشعب وتضر بحالتهم الاجتماعية والنفسية، وتجعل البلاد في حالة اضطراب دائم. والمغرب يمثل نموذجا على ذلك خاصة بعد فرض مخطط التعاقد الذي هو من إملاءات صندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى كيفية تسلل العولمة إلى مجتمعاتنا، عبر الغزو الإعلامي، وهو ضمن ما يسميه البروفسور ـ بالإمبريالية الإعلامية ـ، وما رسخه هذا الغزو من أفكار دعائية عن العالم الغربي، إلى جانب المثقفين المرتزقة الذين يروجون للثقافة الغربية، الشيء الذي عاد إلى تفشي الاستلاب الفكري والانسلاخ الثقافي، واستبدال ثقافتنا بثقافة الغير، بالإضافة إلى إعلام شعوب العالم الثالث الذي ساهم بدوره في تكريس هذه الظاهرة. ومن جهة أخرى، فإن العولمة تم تحضيرها مع بعض رؤساء حكومات العالم الثالث والطبقات المستغلة لاستقلال بلدانها وكذا بعض النخب الثقافية المرتزقة.

وختاما، إن العولمة تشكل خطرا حقيقيا على السلم، لما تفرضه علينا من قيم وثقافة و…، في تجاهل تام لخصوصياتنا ونظمنا، وهذا فيه رفض للتعدد والتنوع الحضاري اللذين لا مستقبل للبشرية إلا بهما. ولذلك نحن كأمة لها حضارتها وقيمها وخصائها، يجب أن لا نقع ضحية الاستلاب والانسلاخ الفكري والثقافي، وأن نستبدل ثقافتنا بثقافة الغير.


المراجع:

كتب الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله.

ــ عولمة العولمة.

ــ زمن الذلقراطية.

ــ قيمة القيم.

ــ الإهانة في عهد الميغا إمبريالية.

ــ الحرب الحضارية الأولى.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.