منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عولمة التعليم الجامعي: الجيد والردي والقبيح

عولمة التعليم الجامعي: الجيد والردي والقبيح/د.فتحي حسن ملكاوي

0

عولمة التعليم الجامعي: الجيد والردي والقبيح

بقلم: د. فتحي حسن ملكاوي

هذا العنوان ليس من عندي، وإنما هو عنوان مقال كتبه سيمون مارجنسون وهو أستاذ التعليم العالي في جامعة أكسفورد البريطانية ومدير مركز التعليم العالي العالمي في الجامعة ورئيس تحرير مشارك في مجلة التعليم العالي. وقد نشر هذا المقال في مجلة تسمى “أخبار عالَـم الجامعة: نافدة على التعليم العالي” وذلك يوم أمس، 15 مايو (أيار) 2021.

وقيمة هذا المقال الطويل نسبياً 2500 كلمة (حوالي عشر صفحات) أنه يأتي من شخصية قيادية في ميدان عولمة التعليم العالي، فهو يعرف قيمة هذه العولمة وفضائلها، ويعرف جوانب القصور والعجز فيها، ويعرف المخاطر والوجه القبيح التي تمثله، ويعطي أمثلة على كل ذلك.

وهو مقال من مئات المقالات التي نجدها، عند البحث عنها، منشورة فيما يعد من المجلات والمنصات الإلكترونية ذات البعد الأكاديمي المعتبر، ويأتي كتَّابُها من خلفيات ثقافية مختلفة من أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، واليابان. ولا نجد فيما هو منشور باللغة العربية ما يوازيها في عمق تحليلها وقوة حجتها.

والفقرات الآتية هي ترجمة، بشيء من التصرف، لبعض ما ورد في المقال:

لم تكن العولمة التي ظهرت بعد عام 1990 في الاقتصاد والثقافة والتعليم والعلوم مساحة مشتركة تقوم على احترام الآخر والتعلم المتبادل. لقد كانت عولمة مهيمنة بقيادة أمريكية ترتكز على التراث الأوروبي: الهيليني – اليهودي – المسيحي.

من الناحية الاقتصادية، كانت العولمة غربية وأمريكية بالدرجة الأولى. من الناحية الثقافية، كانت أنجلو أمريكية. هي عولمة أوروبية أمريكية. لقد كانت انفتاحاً على رأس المال وانغلاقاً على المرجعية والثقافة والمساواة.

عند النظر فيما يدرس في الجامعات عن العلوم الاجتماعية التي ترسم خرائط المكان والزمان، وينتهي الأمر إلى “العولمة” فإن مظاهر التكامل والتقارب لا تمثل عبئاً ثقيلاً أو شأناً خطيراً. لكن العولمة من الناحية العملية هي العبء الثقيل والخطير؛ لأنها تتأسس على علاقات القوة والسياسة، وهي منطقة تعمل فيها أطراف مختلفة كل منها يسعى إلى مصالحه الخاصة. ولا تحظى فيها الدول والجامعات باحترام متساو، فمراتب التصنيف في مجالات الثقافة والقيم والحياة وحتى المصالح الاقتصادية ليس متاحة للجميع بالقدر نفسه، أنها مقصورة على حفنة من البلدان، والهجرة من البلدان الأخرى هي هجرة أدمغة تقضي على إمكانيات النمو والتقدم فيها.

ثلاثة وجوه في نقد العولمة، أولها أنها عولمة أوروبية أمريكية تقوم على الليبرالية الجديدة، في ملكية الشركات وحاجات السوق البريطاني والأمريكي اعتباراً من 1990. والأطراف التي تستفيد من الظروف الجديدة هي الأشخاص والجامعات والدول التي كانت حاضرة في السوق من قبل، ومغلقة أمام الآخرين.

يركز النقد الثاني للعولمة الأنجلو أمريكية على جهود التوحيد القسري للثقافات واللغات، ووصم واستبعاد كل شيء مختلف. فالتصنيفات العالمية للجامعات تفضل جامعات الأبحاث الكبيرة وتجعلها هي المقياس، وتبخس قيمة النماذج الأخرى من الجامعات. وبهذ يتم استبعاد معظم مصادر المعرفة البشرية. لا سيما المكتوبة بغير الأنجليزية. فما ينشر في مكانز البحوث باللغة الإنجليزية يمثل 93 % مما ينشر، مع العلم بأن هذه اللغة هي لغة 5% من سكان العالم. مع إهمال واضح لبحوث العلوم الإنسانية والاجتماعية حتى التي تصدر باللغة الإنجليزية إذا لم تكن صادرة من الولايات المتحدة. وكأن القاعدة هي أن الثقافة الأنجلو أمريكية هي الثقافة، وهي الأفضل، وهي الكافية، ولا حاجة لأية رؤى أخرى. وإن كان لا بد من عولمة بمعنى من المعاني، فلا بد أن تتصف بالعدالة المعرفية المضادة للهيمنة، لأن العولمة الحالية هي “إنكار جذري للوجود المشترك”، وتكريس للعقلية الاستعمارية. فأشكال الهيمنة ليست قومية ومعرفية فقط ، ولكنها أيضًا وجودية – أي أنها تجيز أنماطًا معينة من الوجود، وتحجب أية أنماط أخرى. وإذا كان المعرفة العالمية هي أمل عالمي، فإن العولمة تستبعد منها العالم.

والنقد الثالث الذي يتوجه للعولمة الأوروبية الأمريكية هو ما يختص بمنظور تفوق الجنس الأبيض، الذي أنشأ عولمة قديمة في صورة الإمبراطوريات الاستعمارية وممارساتها الوحشية من الاحتلال والإبادة الجماعية والمحو الثقافي والعبودية الاقتصادية. تم نقلها هذا الجنس الأبيض إلى “التنمية” الاستعمارية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية ثم في عولمة ما بعد عام 1990.

العرق الأبيض هو الذي يدعي الحق في رسم المستقبل وتشكيل العولمة السائدة في التعليم العالي. وتفوق العرق الأبيض وأدواته الثقافية هما الأساس في الأشكال السائدة في المجتمع والحياة والتعليم العالي والعولمة. على الصعيد العالمي، تركز القوة على الحضور الأنجلو أمريكي، فهو “الأكثر بياضًا من البيض”. ويمارس حضوره الأبيض كحالة من المعرفة والوجود، ويميز البيض ومؤسساتهم وأعرافهم الثقافية ويوظف البيئات الاجتماعية والسياسية نحو فائدة الحياة البيضاء وحمايتها. الصفة البيضاء الإنجليزية الأمريكية صفة للحياة المثالية التي تشكل التطلعات التعليمية وأنماط الهجرة. والطلاب البيض لا يكتسبون مزايا عنصرية فحسب، بل إن الاستثمار في التعليم العالي الدولي من قبل الطلاب غير البيض هو محاولة لتأمين مستقبل أبيض.

تقوم ممارسات التصنيف في مؤسسات التعليم العالي على التوجه نحو المعايير البيضاء، والدول والجامعات التي لا تستثمر في هذا الاتجاه إلى أقصى حد ممكن يلحق بها ضر اقتصادي وثقافي. فنموذج التصنيف العالمي للجامعات هو نموذج مؤسسي أبيض يعزز متطلبات اللون الأبيض ويقدم معياراً مؤسسياً في التصنيف.

يعرّف التحليل السائد لمصطلح عدم المساواة في حقل التعليم العالي بأنه يتمثل في التقسيم الطبقي الاجتماعي والطموح الاستعماري والتمييز العرقي. لكن لا يمكننا فهم الجانب المظلم للصورة الكلية دون وضع الادعاء بتفوق العرق الأبيض في مركز هذه الصورة.

تؤدي صفة اللون الأبيض في العلاقات إلى عدم المساواة في سائر المجالات، وذلك من خلال رفع مستوى الأشخاص البيض فوق الآخرين ومن خلال بناء أنظمة وهياكل تفرض التسلسل الهرمي العنصري. للعرق قوة في ترسيخ عدم المساواة والهيمنة في التعليم والمعرفة كما هي في الثروة الاقتصادية والطبقة الاجتماعية أو في اللغة والثقافة. فكل هذه الفئات تتداخل في تحقيق عدم المساواة.

محركات عدم المساواة ليست متطابقة. يشرح كل منهما شيئًا لا يفعله غيره. فالليبرالية الجديدة، التي تعبر عن العولمة الأوروبية الأمريكية هي اقتصاد سياسي غير متكافئ. والهيمنة الثقافية، هي إسكات الأصوات الثقافية الأخرى واستعباد معظم المعرفة الإنسانية. وتفوق العرق الأبيض، في العولمة الأمريكية الأوروبية يعني تقسيم الناس إلى طبقات، وإجبارهم على الاستثمار في نظم تمنحهم قيمة غير متكافئة.

إذا كانت الانتقادات التي توجه إلى العولمة الأوروبية الأمريكية في التعليم العالي، انتقادات حقيقية ومقنعة. فإن ذلك ليس كل ما في الأمر، فلا يمكن القبول بأن عدم المساواة أمر لا مفر منه. لا يوجد نظام قوة يتصف بالكمال والبقاء، فالعالم في حالة تغير، والمستقبل مفتوح. لدينا أنفسنا. المستقبل لن يعيد إنتاج الماضي، أي الهيمنة الأوروبية الأمريكية وأيديولوجية السوق العالمية نفسها؛ هذه الصورة آخذة بالزوال.

الأنماط المنظمة في العلوم الاجتماعية مرتبطة بالزمان والمكان. إنها لا تحقق الشمول ولا القدرة على التعميم، فالواقع الاجتماعي مشرع الأبواب في كل الأوقات وليس فقط في الأوقات غير العادية، مثل الجغرافيا السياسية وظروف الوباء، قال هيراقليطس: “من لم يستطع أن يطلب الغيب فإنّه لا يرى شيئًا. الطريق المعروف هو طريق مسدود”.

مهمتنا كمثقفين هي النظر إلى ما وراء السطح، إلى ما هو غير مرئي، لأن العلاقات الاجتماعية لا يمكن مراقبتها بالكامل من الناحية التجريبية ويجب وضع نظريات لها؛ ولأن الواقع ليس مجرد أمر واقع، بل هو كذلك أمر ممكن. ونحن البشر نصنعه بفعلنا. وإذا كان من الصعب تغيير واقع التصنيف الطبقي والعرقي، والراسمالية، والقوى العسكرية، والعنصرية، والتكنولوجيا، فإننا نستطيع أن نغير أنفسنا، ونمارس تنمية الذات، وتغيير فهمنا وقدراتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فالذات هي الشيء الوحيد الذي يمكننا إرادته بحرية، دون الحاجة إلى أخذ المحددات الخارجية في الاعتبار.

ويكمن الأمل الأكبر، في أن ما نسميه البنية الاجتماعية، التي نحسبها واقعاً مقيداً لا تبقى ثابتة على حالها. فعندما تحدث تغييرات كبيرة وغير متوقعة، تتعطل هياكل السلطة المقيدة، وتندرج إمكانات اجتماعية جديدة على جدول الأعمال. تفتح نافذة لتحقيق مكاسب. لكن النافذة لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

ثمة تغييرات كبيرة في التعليم العالي ومشاريع البحث سوف تحدث وتشكل المستقبل، لكن طبيعة هذه التغييرات، ومكان حدوثها وهوية من يحدثها، أمور مفتوحة، ولكل منا مسؤولية في تحديد ذلك. ولكننا نستطيع أن نفعل ما يأتي:

أولاً، يمكننا أن نكون أكثر نشاطًا من ذي قبل في تعزيز استقلالية مؤسسية كافية وحرية فكرية نقدية أوسع في التعليم العالي، والبحث العلمي، لكن المهم أن يكون ذلك في مجال الموضوعات والقضايات التي تهم الناس، وتتخطى ما سائد ومعروف.

ثانيًا، يمكننا العمل من أجل تعريف مفتوح للمعرفة العالمية الموثوقة؛ ليس لإلغاء أو إضعاف العلم الأحادي الثقافة، ولكن لزحزحته على عرشه المزعوم، وتكميله بالمعرفة التي تم تجاهلها أو تهميشها. المسألة ليست خلق التنوع بسلطة أعلى ولكن الاعتراف بما هو موجود.

ثالثًا، يمكننا الاعتراف بشكل كامل بقدرتنا على تكوين الذات. كل واحد منا جزء لا يتجزأ من العديد من كيانات أخرى وأشكال متعددة من الحياة والمعاني. فلنمنح أنفسنا وبعضنا بعضاً مجالًا للتغيير والنمو.

هذا يعني ممارسة الحذر من تجاهل الهويات المختلفة، والامتناع عن وضع حدود وعلامات تقيد الآخرين، وهذا يعني في النهاية شيئاً من التواضع الفكري والتعلم والاحترام المتبادل والعقلية المنفتحة.

ملاحظة: يكثر المقال من التنويه بالتغيرات التي أخذت تطرأ على العالم في مواجهة العولمة والهيمنة الأمريكية الأوروبية البيضاء، يذكر الهند والصين والبرازيل وإندونيسيا، ويتحدث عن اتجاهات تعدد الأقطاب في الاقتصاد السياسي وبشكل بطيء في التعليم العالي، ويتحدث عن تعديل قطبية الشمال والجنوب إلى قطبية جديدة آخذة في التشكل في شرق آسيا وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، وأسيا الوسطي…لكن الملاحظ أن العالم العربي ليس له حضور عند الكاتب)


المصدر:

Marginson, Somon. Globalisation of Higher Education: the Good, the Bad and the Ugly, University World News: The Global Window on Higher Education 15 May 2021.

انظر الرابط:

https://www.universityworldnews.com/post.php…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.