منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تلخيص كتاب “حسن البيان في ليلة النصف من شعبان”

عثمان غفاري

0

مقدمة:

إن الله تبارك وتعالى عظم شأن بعض الأماكن والأزمنة كالمساجد كونها خير بقاع الأرض، ووقت السحر، ويوم الجمعة، وشهر رمضان، وفضل بعض النبيين على بعض، وأمرنا أن نعظم ما عظمه ” ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب“، و”قد اشتهر فضل ليلة النصف من شعبان قديما، فقد كان الناس يحيونها بالعبادة والذكر والدعاء، وإن اختلفوا في صفة إحيائها هل يكون جماعة أو فرادى؟  وهل يكون في المسجد أو البيت؟ وهل تخصيصها بشيء زائد من العبادة على سائر الليالي بدعة؟ أو غير بدعة؟ حيث ذهب إلى كل قول من هذه الأقوال قائل، ورجح ما ذهب إليه بما تيسر لديه من الدلائل، والأحاديث في هذا الباب لا تخلو من ضعف أو انقطاع، وإن كان بعضها أخف ضعفا وأولى بالاتباع”

اختلاف كبير في فضل وعمل ليلة النصف من شعبان، مرده أن هذه اللية وردت فيها أحاديث صحاح وأحاديث حسان وأحاديث ضعاف وأحاديث موضوعة، غير أن الراجح والله أعلم أن الاحتفال بهذه الليلة مشروع، فقد ألف أئمة العلم في تعظيم هذه الليلة مؤلفات كثيرة  ومنها  كتاب ” الإيضاح والبيان، لما جاء في ليلة النصف من شعبان” لابن حجر الهيثمي الفقيه الشافعي، ومن قبله ألف الحافظ أبو الخطاب بن دحية الأندلسي المالكي كتاب “ما صح واستبان في فضائل شهر شعبان” وكذلك كتاب ألفه العلامة الأجهوري  شيخ المالكية في عصره، ومن المحدثين نذكر فضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الحنفي حيث ألف ” رسالة في ليلة النصف من شعبان” وكذا الشيخ محمد زكي إبراهيم صاحب ” كتاب ليلة النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي وسماحة الإسلام”  وكذا الشيخ المحدث عبدالله بن محمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى الذي ألف رسالة علمية جاءت جوابا عن أسئلة رفعت إليه من قبل المستفتين، فحرر رسالة في الباب قال عنها: ” رسالة صغيرة الحجم، غزيرة العلم، كثيرة الفوائد والدرر، قليلة الفضول والهذر…سميتها: حسن البيان في ليلة النصف من شعبان

ونظرا لأهمية هذه الرسالة أحببت أن أجلي لكم أهم ما ورد في هذه الرسالة من درر وخلاصات ومناقشات وسجالات من خلال النقط الأساسية التالية:

أولا: السياق التاريخي

المزيد من المشاركات
1 من 22

أرجع صاحب عبدالله بن محمد بن الصديق الغماري بدء الاحتفال بليلة النصف من شعبان إلى التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم كثير، ممن كانوا يعظمونها ويجتهدون في العبادة فيها بناء على آثار إسرائيلية بلغتهم كما يقال، فعنهم أخذ الناس تعظيمها واشتهر أمرها في البلاد الإسلامية.

ثانيا: الاختلاف الفقهي

حصل خلاف بين العلماء فيها، فعباد وزهاد البصرة وغيرهم وافقوا أهل الشام في مسألة التعظيم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، بل قالوا عن إحيائها بدعة، ومنهم عطاء وابن أبي مليكة، وفقهاء أهل المدينة، وهذا قول أصحاب مالك وغيرهم، حتى قال زيد بن أسلم: “ما أدركنا أحدا من مشايخنا ولا فقهائنا بالمدينة يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولا يرون لها فضلا على سواها”

ثالثا: الإحياء العملي

تحدث المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل عن اختلاف أهل الشام في صفة إحياء هذه الليلة، ما بين قائل باستحباب إحيائها في المساجد جماعة وهذا رأي خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما ووفاقهم على ذلك إسحاق بن راهويه، فقد كانوا يلبسون أحسن الثياب ويكتحلون ويتطيبون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، في حين ذهب الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام، إلى القول بكراهة الاجتماع فيها للصلاة والقصص والدعاء، وأباح أن يصلي فيها الرجل لخاصة نفسه.

رابعا: التأصيل الشرعي

استدعى العلامة عبدالله بن الصديق الغماري رحمه الله شخصيته الحديثية، وقوم الأحاديث العشرة والآثار الثلاثة الواردة في فضل هذه الليلة، وحسم حكمه بالقول إنها لا تخلو من مقال، ويعتري بعضها ضعف وإعلال، معتبرا أن قول أبو بكر بن العربي المعافري المالكي في كتابه “أحكام القرآن” عن هذه الأحاديث: ” ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها” بأنه غلو وإفراط يخالف سلوك طريق الإنصاف، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب للوقوف على الأحاديث والآثار الواردة فيه مع الحكم عليها من حيث الصحة والضعف والوضع.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

خامسا: التنزيل الشعبي

ذكر المؤلف ما يقام في هذه الليلة من صلاة مخصوصة، وأدعية مكتوبة مطبوعة، وتلاوات بنيات مذكورة، فأنكر حفظه الله الدعاء المشهور بين العوام، واعتبر كل ذلك أمور باطلة لا أصل لها، وأن قراءة سورة يس أكثر من مرة، كل مرة بنية باطل فالصلاة لا تصح إلا بنية خالصة، وحسم حكمه بأنه لم يرد في الصلاة المخصوصة في هذه الليلة أي حديث لا صحيح ولا ضعيف بل كلها موضوعة مكذوبة وعددها ستة، ونبه عموم المسلمين أن إعمال الأدعية الضعيفة يجوز في فضائل الأعمال وهو أهون من الركون إلى أحاديث لا أصل لها، مبينا بأن هناك دعاء وارد في هذه الليلة مرده حديثين ضعيفين روتهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أحدهما قالت فيه: “دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوضع عنه ثوبيه، ثم لم يستتم أن قام فلبسهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه، فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، فقلت: بأبي وأمي أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت حجرتي ولي نفس عال، ولحقني رسول الله – صلى الله عليه وسلم –، فقال: ما هذا النفس يا عائشة؟ قلت: بأبي وأمي أتيتني فوضعت عنك ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، فقال: يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله أتاني جبريل – عليه السلام -، فقال: هذه ليلة النصف من شعبان، ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب لا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل ولا إلى عاق لوالديه ولا إلى مدمن خمر، قال: ثم وضع عنه ثوبيه، فقال لي: يا عائشة أتأذنين لي في قيام هذه الليلة، قلت: بأبي وأمي، فقام فسجد ليلًا طويلًا حتى ظننت أنه قد قبض، فقمت ألتمسه ووضعت يدي على باطن قدميه فتحرك ففرحت، وسمعته يقول في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فلما أصبح ذكرتهن له، فقال: يا عائشة تعلميهن، فقلت: نعم، فقال: تعلميهن وعلميهن فإن جبريل – عليه السلام – علمنيهن وأمرني أن أرددهن في السجود”. ضعيف جدا: رواه البيهقي في الشعب وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1651) وقال: ضعيف جدًا وفيه متروكان.

سادسا: خصيصة نسخ الآجال في هذه الليلة

جوابا على سؤال هل هذه الليلة تنسخ فيها الآجال، أورد المؤلف تفسير سيدنا عكرمة وغيره من المفسرين بأن المراد بقوله تعالى في سورة الدخان “إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم” بأنها ليلة النصف من شعبان، موردا ثمانية أحاديث ضعيفة هي مستند القائلين بأنه في ليلة النصف تنسخ الآجال والأرزاق، موردا نصا لابن أبي الدنيا يؤكد القول بأنها ضعيفة والقرآن  يفيد خلاف ما أفادته، فليلة القدر هي التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فلا يلتفت باعتماد الترجيح لهذه الأحاديث، لكنه أورد كذلك أثر لابن عباس رضي الله عنهما يعتمد فيه الجمع لا الترجيح بقوله: ” الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر” مستندا إلى التمييز بين التقدير والتفريق، جامعا بين شمل الأقوال المتضاربة في الباب.

سابعا: المستثنون من المغفرة في هذه الليلة

ثم استنبط من مجموع الأحاديث الواردة في الموضوع من لا يغفر لهم في هذه الليلة، وهم: المشرك، والمشاحن، والقاتل، وقاطع الرحم، والمسبل، والعاق لوالديه، ومدمن الخمر، والزانية.

 ثامنا: خلاصات وتوصيات

ثم ذكر خلاصة ما توصل إليه بحثه وحرر ذلك في خمس نقاط:

1- “أن فضل ليلة النصف من شعبان ثابت في الجملة، وأن إنكاره على سبيل الإطلاق كما فعل ابن العربي المعافري غلط.

2- أن إحياءها بأنواع العبادات مستحب، والإحياء لا يكون إلا بالليل كما هو معلوم والأحاديث تفيد كما تقدم.

3- أن ما يفعله العوام عقب مغرب تلك الليلة من قراءة سورة يس ثلاث مرات بنيات متعددات مع الدعاء المعروف إلخ، بدعة منكرة لا ينبغي فعلها لاشتمالها على مفاسد أقبحها ارتكان كثير من الناس على هذا الدعاء فيظل الواحد منهم طول سنته مرتكبا للمعاصي والموبقات لا يحدث نفسه بالتوبة؛ لأنه يعتقد أنه بالدعاء المذكور يغفر الله له كل ما عمل، ويحول اسمه من ديوان الأشقياء إلى ديوان السعداء.

4- أن صلاة مائة ركعة أو خمسين أو اثنتي عشرة بصفة خاصة في هذه الليلة باطل لا أصل له ولا ينبغي فعله؛ وللإنسان أن يصلي ما قدر عليه من غير تقييد بعدد معين.

5- أن الإنسان ينبغي له أن يستقبل هذه الليلة بتوبة صادقة مخلصة ليفوز ببشارة قوله تعالى “َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “

الخاتمة

“اتسم تقويم العلامة سيدي عبد الله بن الصديق الغماري لليلة النصف من شعبان بحضور شخصية الرجل الحديثية، من خلال ما أورده بشأنها، وبيان ما يجوز فيها وما لا يجوز، ونقد ما اعتراها من بدع، ومخالفات شرعية، وما نسج حولها من أوهام العامة، وما نسب لها من أحاديث باطلة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث بين ضعفها ووضعها بطريقة المحدث المتمكن المستحضر للروايات والطرق.”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.