منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(5) إنجيل يوحنا | الأناجيل الأربعة في الميزان

د. مصطفى العلام

0

نسب هذا الإنجيل إلى يوحنا أحد الحواريين، كان صيادا يهوديا، تبع المسيح منذ البداية، بشر في “أفسس” غرب تركيا ويقال أنه ألف إنجيله هناك ومات فيها شيخا هرما في نهاية القرن الميلادي الأول، وهذا ما أشار إليه ‘علي عبد الواحد وافي’ بالقول: « يوحنا jean: من كبار الحواريين الإثني عشر، وكان أبوه زبدي من السابقين الأولين إلى المسيحية ومن كبار دعاتها، وكانت أمه سالومي قديسة شهيرة ورد ذكرها في الأناجيل، وهي قريبة السيدة مريم أم المسيح. وكانت مهنته صيد السمك، ووقف جهوده بعد اعتناقه المسيحية على نشرها والدعوة لها. وتوفي بين سنتي 98 و100 بعد الميلاد. وينسب إليه إنجيل من الأناجيل الأربعة المعتمدة عند المسيحيين، وهو آخرها تأليفا، وأربعة أسفار أخرى من أسفار العهد الجديد ».[7]

وأهم ما جاء به إنجيل يوحنا مخالفا به الأناجيل الأخرى – متى، مرقص، لوقا – هو القول بألوهية المسيح عليه السلام. واختلف الباحثون في مدى نسبته إلى يوحنا زبدي وفي تاريخ كتابته، يقول ‘منصور الحلو’: « واختلف علماء اللاهوت في تاريخ كتابة هذا الإنجيل اختلافا بينا. فقال البعض إنه كتب سنة 68 ميلادية والبعض الآخر يقول إنه كتب سنة 98 ميلادية، وقد كتب هذا الإنجيل باللغة اليونانية. ويعتقد جمهور النصارى أن كاتب هذا الإنجيل هو يوحنا الحواري ابن زبدي الصياد…بيد أن المحققين من العلماء أنكروا ذلك وأوردوا من الأدلة التي تدل على أن كاتب هذا الإنجيل ليس يوحنا تلميذ المسيح ومن ذلك:

أ- أسلوبه الذي يدل على أن كاتب الإنجيل لم يكتب ما شاهده وعاينه بل ينقل عن غيره.

ب- آخر فقرة منه وهي قوله: “هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق “. ونلاحظ أن يوحنا ذكر بضمير الغائب وظفر بشيء مما كتبه فحكاه عنه ونقله ضمن إنجيله.

ج- لقد كان الخلاف حول هذا الإنجيل وصدق نسبته إلى يوحنا محتدما في القرن الثاني على عهد – إرينيوس- أنه سمع من بوليكارب أن أستاذه يوحنا هو الكاتب له.

المزيد من المشاركات
1 من 29

د- يشهد كبار كتاب ومؤرخي المسيحية بأن هذا الإنجيل ليس من تصنيف يوحنا. فقد كتب “أستاذلن”: إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب مدرسة الإسكندرية بلا ريب، ويعتقد “أ.كولمان” أن الإضافات اللاحقة واضحة في هذا الإنجيل – يوحنا – مثل الإصحاح 21، ويقول إنه من عمل أحد التلاميذ وقد أضاف بعض اللمسات إلى متن الحديث »[8].

وعن سبب تأليف يوحنا لإنجيله، يقول “جرجس روين” تلميذ الرهبان اليسوعيين في ترجمته لإنجيل يوحنا عام 1873 ميلادية: « إن شيربنطوس، وأبيسون، وجماعتهما لما كانوا يعلمون بأن المسيح ليس إلا إنسان، وأنه لم يكن قبل أمه مريم. فلذلك في سنة 96 ميلادية اجتمع عموم أساقفة آسيا وغيرهم عند يوحنا، والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون، وأن يكتب بنوع خاص لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم». [9]

فإنجيل يوحنا إذن كتب بالالتماس ولم يكتب بالإلهام كما يقولون. ويمتاز الإنجيل الرابع – إنجيل يوحنا – عن الأناجيل الثلاثة السابقة له ب:

ـ تاريخ تأخير تأليفه بنحو ربع قرن عن تاريخ تأليف الأناجيل الثلاثة الأخرى

ـ مزيد من التفصيل في العقائد والشرائع.

 ـ التصدي للرد على بعض البدع التي استحدثت في المجتمعات المسيحية في عصره.

 ـ مزيد من الصراحة في إثبات ألوهية المسيح وبنوته للأب.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

وهذا ما جاء مخالفا به الطبقة الأولى إلى نهاية القرن الأول، التي كانت تنكر لاهوت المسيح ! وهذا ما يدفع إلى طرح السؤال: كيف للأناجيل الثلاثة – متى، مرقص، لوقا– أن تنكر نقطة مركزية ومحورية في الديانة المسيحية ألا وهي ألوهية المسيح؟ أو حتى أن تغفلها وتنساها؟

فإنجيل يوحنا إذن صنف بالالتماس، وليس بالإلهام فخالف بذلك الطبقة الأولى بمحاولته إثبات ألوهية المسيح. بالإضافة إلى أنه يوجد في إنجيله من الأقوال والآراء ما لم يروه أحد غيره في هذا الشأن مثل تسمية المسيح بالابن الوحيد أو أنا والأب واحد. وغير ذلك كثير مما رواه إنجيل يوحنا ولم تروه الأناجيل الأخرى.

ومن الباحثين من اعتبر أن من ضمن محتويات إنجيل يوحنا ما هو أقدم من إنجيل مرقص، مما يعني أن نصا بدائيا من إنجيل يوحنا كتب أصلا قبل إنجيل مرقص، ثم أعيدت كتابة هذا الإنجيل مع تذييله بإضافات في وقت لاحق. والشأن نفسه يسري على باقي الأناجيل.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في ختام حديثنا عن هذه الأناجيل الربعة القانونية:

هل يوجد من دليل يبرهن على أن الذين كتبوا الأناجيل الأربعة – على افتراض أنهم كانوا حقا متى ومرقس ولوقا ويوحنا – اعتمدوا على مصادر سابقة لهذه الأناجيل…؟؟؟

وهذا ما سنحاول ملامسته من خلال حديثنا عن المراحل التاريخية لتدوين الأناجيل الأربعة المعتمدة.


الهوامش

[7] الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، علي عبد الواحد وافي، ص: 52 بتصرف.

[8] حوار الحضارات، منصور الحلو، ص 122 -123 -124، بتصرف.

[9] المرجع نفسه، الصفحات نفسها بتصرف.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.