منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) إنجيل لوقا | الأناجيل الأربعة في الميزان

د. مصطفى العلام

0

لوقا أيضا والإنجيل الذي نسب إليه، لم يسلما من تضارب آراء الباحثين فيه. و‘علي عبد الواحد وافي’ قائلا: « لوقا saint luc: ولد في أنطاكية ودرس الطب وزاول مهنته بنجاح كبير، ثم اعتنق المسيحية، وأصبح من كبار دعاتها، ورافق الرسول بولس في كثير من رحلاته، وأشار بولس إلى هذه الرفقة في بعض رسائله. وذهب بعضهم إلى أنه كان رومانيا نشأ بإيطاليا. ويرجع آخرون أنه كان مصورا ولم يكن طبيبا. وقد مات سنة 70 ميلادية على الأرجح. وينسب إليه إنجيل من الأناجيل الأربعة المعتمدة، وسفر آخر من أسفار ” العهد الجديد “ يسمى ” أعمال الرسل “ ».[1]

لكن “بسمه أحمد جستنيه” تأتي برأي مخالف لهذا القول حيث اعتبرته: « الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم ويحتوي أربعة وعشرين إصحاحا. وتختلف آراء معظم الباحثين حول شخصية لوقا. واتفقوا على أنه ليس من تلاميذ المسيح ولا من تلاميذ تلاميذه وأنه تلميذ لبولس وأنه لم يكن من أصل يهودي وذهب “بوست” إلى أنه كان رومانيا نشأ في إيطاليا. وقيل:كان طبيبا،وقيل كان مصورا…». [2]. أما أحمد شلبي فيعتبر لوقا من الوثنيين الذي آمنوا بالمسيح قائلا: « وذهب بعض الباحثين أن لوقا كاتب الإنجيل أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد رفعه ».[3]

وقد اختلف في تاريخ كتابته واللغة التي كتب بها، تقول بسمة أحمد جستنيه: « وعن تاريخ كتابته ذهب البعض إلى أنه كتب بين عامي 60 – 70م على أشهر الأقوال وإن كان بعضهم يعزوه إلى العقد الأخير من القرن الأول. ولغة هذا الإنجيل اليونانية، وهو مما اتفق عليه معظم الباحثين، سوى ما ذكره ابن خلدون أنه ألف باللاتينية وهو خطأ»[4].

ويتداخل إنجيل لوقا في معظم نصوصه وفقراته مع الأناجيل الأخرى. وهذا ما يشير إليه ‘صابر طعيمة’ بالقول: « وقد اقتبس كثيرا من كتابات مرقص، واقتبس منها كذلك القديس متى، فإن الإنسان يستطيع أن يجد في إنجيل متى ستمائة سند من الستمائة وواحد وستين سندا التي يشمل عليها النص المعتمد لإنجيل مرقص، ويجد أيضا ثلاثمائة وخمسين في إنجيل لوقا، تكاد تكون هي بنصها في إنجيل مرقص، بل أكثر من هذا نجد في إنجيل متى كثيرا من الفقرات التي توجد في إنجيل لوقا، ولا توجد في إنجيل مرقص، وهذه أيضا تكاد تكون بنصها. ويبدو أن لوقا قد أخد هذه النصوص عن القديس متى، أو أن لوقا ومتى قد أخذاها عن أصل مشترك لم يعثر عليه بعد. ويصقل لوقا هذه النقول “الإقتباسات” الصريحة بمهارة أدبية، تحمل رينان renan على الظن بأن هذا الإنجيل أجمل ما ألف من الكتب [5] «

وقد تميز هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل بطابعه الأدبي كما تميز بأسلوبه الروائي، وجاء جامعا لمعلومات الشهود المعاينين ولمؤلفي الأحداث الذين سبقوه، ويعزز هذا القول ما شهد به الأب” كانينجر”عن لوقا إذ قال: « لوقا هو أكثر الأناجيل الأربعة إرهافا في الحس وأكثرهم ميلا للأدب، لأنه يتمتع بكل صفات الكاتب الروائي الحقيقي”»[6]

المزيد من المشاركات
1 من 24

وعن الدافع الذي دفعه لكتابة إنجيله يذكر لوقا نفسه في ديباجته الموجهة “لتاوفيلس” إلى أنه جمع أقوال الرواة الآخرين الذين أنشئوا قصصا عن المسيح قبله، وأنشأ بدوره حكاية عن نفس الأحداث مستخدما تلك القصص ومعلومات الشهود المعاينين، وذلك يعني أنه ليس واحدا منهم، حيث يقول: « إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.». لوقا 1:1-4.

من خلال هذا الاعتراف الصريح، نستنتج من كلامه أن مصدر إنجيله جمعه من القصص التي يرويها الناس، مما يبعده تماما عن القول بأنها وحي أو إلهام، وهذا ما جعل الباحثين يختلفون في تقييم إنجيله.


 الهوامش

[1] الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام،علي عبد الواحد وافي، ص: 62 – 63 بتصرف.

[2] تحريف رسالة المسيح عبر التاريخ، أسبابه ونتائجه، بسمه أحمد جستنيه، دار القلم دمشق،ص 236. الطبعة الأولى

1420 ه-2000 م،ص 236.

[3] مقارنة الأديان “المسيحية “،أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية،القاهرة،الطبعة الثامنة 1984م، ص: 75.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 15

[4] تحريف رسالة المسيح عبر التاريخ،أسبابه ونتائجه، بسمه أحمد جستنيه،ص: 237 – 238.

[5] قراءة في الكتب المقدسة “تأملات في كتب الأناجيل”،صابر طعيمة، مكتبة دار الزمان، الطبعة الأولى 1426 ه -2006 م، ص: 14.

[6] حوار الحضارات،منصور الحلو، منشأة المعارف،شركة جلال للطباعة،2007 م،ص: 122.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.