منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قطرات من السماء

0

إن الإنسان محتاج في هذه الدنيا، إلى نعمتين كبيرتين، إحداهما: بها حياة الأرض: التي يعيش عليها الإنسان، وهي نعمة الغيث والمطر، والآخرى. بها حياة الإنسان على الأرض: وهي نعمة الوحي والإيمان، فلا حياة بدونهما: إذا لا يستطيع الإنسان القيام بوظيفة العبودية لله تعالى، إلا إذا أقام صلبه بالطعام والشراب الذي أصله من الماء: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، كما لا تستقر حياة الإنسان ولا يستطيع العيش النفسي والبدني والروحي الكامل: بأمن وأمان إلا بوحي الرحمن سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } [الشورى: 52]

وإذا كنا هذه الأيام نعيش في: فرحة وابتهاج بما أنعم الله علينا من الغيث النافع، فإن الأمر يتطلب منا تأملات في هذه القطرات النازلة من السماء، وما يستلزم ذلك من العقائد والأحكام، لعلنا ننطلق من غيث الأرض إلى غيث القلوب.

إن نزول الغيث نعمة وعِظة، نعمة تستوجب الفرح والانشراح، وعِظة: توقظ الغافلين وترد التائهين لله رب العالمين، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } [الشورى: 28] فهذه الآية الكريمة: ذات الألفاظ المعدودة: تستوعب جماع التذكرة والعِظة، وتبشر القلوب وتزيل القنوط، ولنقرأ معا تغليق المفسر: عبد الرحمن السعدي رحمه الله: {وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ} أي: المطر الغزير الذي به يُغيث البلاد والعباد، {مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} وانقطع عنهم مدة ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعَمِلُوا لذلك الجدب أعمالا فيُنزل الله الغيث {وَيَنْشُرُ} به {رَحْمَتَهُ} من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعا عظيما، ويستبشرون بذلك ويفرحون. {وَهُوَ الْوَلِيُّ} الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. {الْحَمِيدُ} في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال[1].

فهذه ألاية تقرر أن الله سبحانه وتعالى هو من  أنزل الغيث، بعدما أصاب الناس اليأس القنوط، فانتقلوا منه إلى: الفرح والاستبشار بسبب رحمة الله، والتذكير بأن ذلك من كمال الولاية والتدبير لله تعالى: وهذه القضايا الواردة في الآية توجب على المتدبر فيها عدة وقفات

أولا: الوقفة الاعتقادية:

وتتجلى في الأمر الأتية:

  • أن لله وحده المدبر لهذا الكون: فلا يقع شيء إلا بإذنه، فهو مسبب الأسباب، ومجري السحاب، فالملك والرزق والتدبير بيد الله، وهو الذي ينزل الغيث: من خلال ما جعله من الأسباب التي لولا الله، ما كان لها من عمل.
  • أن نزول المطر، دليل على التجدد والحدوث، والتجدد والحدوث دليل على البداية: ومنا هنا صاغ العلماء دليل الخلق والإيجاد: وهو يقوم على مقدمين: الأولى: أن الكون حادث من العدم وليس قديما، والثانية: أن الحادث لابد له من محدث.
  • أن الله مُنزل الغيث: متصف بكل صفات الكمال، ولذلك وصف نفسه في الآية بالولي الحميد، فهو: الْوَلِيُّ الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته[2]، وهو الحميد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها، وأحسنها، فإن أفعاله تعالى دائرة بين الفضل، والعدل[3].
  • الاعتقاد بأن الغيث عطية من الله دليل صدق الإيمان: فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ” أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ ” [صحيح البخاري]
  • أن نزول الغيث من السماء على الأرض الميتة وإعادة الحياة إليها تذكرة بأصل من أصول الإيمان المتلعق بالآخرة: وهو البعث والنشور: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } [الزخرف: 11] وفيه الإشارة أيضا إلى عظيم قدرة المولى جل وعلا.

ثانيا: الوقفة التعبدية:

إن من الحقائق الإسلامية المعلومة: أن من الأحداث الكونية ما تَسْتَوجِبُ نوعا من التعبد: كصلاة الكسوف، والخسوف، وصلاة الاستسقاء،  وأدعية الرغبة والرهبة: عند الزلزال، وشدة الريح…

وكذلك الأمر عند المطر، فهناك عمل قبل نزول المطر: وهو صلاة الاستسقاء أو الدعاء من أجل إنزال الغيث: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»،  وهناك دعاء عند سماع الرعد «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» وهناك دعاء أثناء نزول المطر: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» وهنا دعاء عند كثرة المطر والخوف من ضرره: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»… وغيرها من الأدعية الثابتة الصحيحة، وهناك حمد وثناء وشكر لله على العطاء.

وإن من الأحكام التعبدية عند شدة المطر: جواز التخلف عن صلاة الجماعة فعن عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح «صلوا في رحالكم»[ متفق عليه] كما يجوز الجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم في المسجد، كل هذا رحمة ويسر من الله تعالى.

ثالثا: الوقفة التفكرية

إن التفكر في خلق الله وما يجري في هذ الكون من أحداث: أمرٌ إلهي من أجل ايقاظ العقول وتحريكها: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 24] فالنظر في نزول الغيث والتأمل في قطرات المطر، يوقف الإنسان على دقة الصنعة الإلهية، وعلى ضرورة الحفاظ على نعمة الماء، وأن تغير الأحوال في توالي المواسم على الأرض إعلان بتغير حياة الإنسان وتبدلها، وأن الدنيا ليست دائمة ولا مستقرة: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45]

وإن من الأشياء التي تشد انتباه الإنسان: نُزول الماء على الأرض  من عُلوٍّ: يقول ابن القيم رحمه الله ” تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من عُلوٍّ ليعم بسقيه وِهادَها وتلالها، وظِرابها وآكامها، ومنخفَضها ومرتفعَها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها  من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك ضرر وفساد[4].

رابعا: الوقفة السلوكية:

إن المؤمن عندما يتأمل في غيث السماء، وما تجود به بعده: الأرض من العطاء، يدرك أن لا توازن مع مخلوقات الله إلا بكتساب صفة الإنفاق والعطاء: يقول الإمام المناوي رحمه الله: واعلم بأن الوجود كله متعبد لله بالزكاة، انظر إلى الأرض التي هي أقرب الأشياء إليك تجدها تعطي أقرب الخلق إليها وهم من على ظهرها جميع بركاتها لا تبخل عليهم بشيء مما عندها وكذا النبات يعطي ما عنده وكذا الحيوان والسماء والأفلاك الكل متعاون بعضه لبعض لا يدخر شيئا مما عنده في طاعة الله لأن الوجود كله فقير بعضه إلى بعض قد لزم الفقر وشملته الحاجة فعطف بعضه على بعض وإعطاؤه ما عنده هو زكاته فمانع الزكاة قد خالف أهل السماء والأرض وجميع الموجودات فلذلك وجب قتاله وقهره في الدنيا وأدخل النار في العقبى[5].

فهذه وقفات أوجبها نزول قطرات من السماء، بعثت الفرح والسرور في نفوس الكل، وأيقظت عقول المؤمنين من أجل تجديد الإيمان، وإعادة الروح إلى مسارها الصحيح: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [القصص: 77]

[1]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق،مؤسسة الرسالة،(1420- 2000 )  758

[2]  أنوار التنزيل وأسرار التأويل، الإمام البيضاوي: ناصر الدين، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 5/81

 [3]  تفسير أسماء الله الحسنى، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق عبيد بن علي العبيد، نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة،147

 

[4]  مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، 1/ 223

 

[5]  فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين المناوي، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، 5/505

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.