منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(8)  ما يلحق بالحكاية ولا يتصرف فيه / الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(8)  ما يلحق بالحكاية ولا يتصرف فيه / الحكاية النحوية وسؤال الإعمال|لخضر حيدة

0

(8)  ما يلحق بالحكاية ولا يتصرف فيه / الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

لخضر حيدة

(1) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(2) أقسام الحكاية| الحكاية النحوية وسؤال الإعمال 

(3) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال | أحكــام الحكـــاية (حكاية النكرات) 

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(5)  أحكــام الحكـــاية (أحكام الجمل) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(6) الجملة في ميزان العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(7) الحكاية وسلطة العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

تحفظ العربية مجموعة من التراكيب التي لا تعد من باب الحكاية، ما دامت لم تأت على صورتها وغرضها، ونقصد بالغرض والصورة هنا؛ ما لم يسم بها أو تجىء في تركيب معين، فيه قرائن تدل على الحكاية، مثل فعل القول وغيره كما عرفنا سابقا. لكن على الرغم  من ذلك فهي تراكيب ملحقة بها، لها تركيب خاص يتقاطع مع الحكاية في صفة عدم التجاوب إعماليا، والحفاظ على تماسكه الداخلي.

وأول ما يمكن الحديث عنه في هذا الباب، ما يسمى في العربية بالأمثال، أو كما يحب أن يسميه البعض بالتعابير المسكوكة. فهي تراكيب تحافظ على صورتها الأولى كما أطلقت، من قبيل قولك:( الصيف ضيعت اللبن)، أو( قطعت جهينة قول كل خطيب). وهذه التعابير وغيرها، لا يمكن أن يتصرف فيها بوجه من الوجوه. سواء كان هذا التصرف بالتقديم والتأخير بين أجزائها، أو بتغيير حركاتها الإعرابية بفعل إخضاعها لعوامل معينة. فهي بمثابة تراكيب جامدة متماسكة وجب حفظها.

وينضاف إلى هذا الباب كذلك، ما كثر استعماله حتى صار بمثابة الأمثال، لكن هذه التعابير تستعمل بدرجة أقل من الأولى. ومن ذلك مثلا قولك:( كل شيء ولا شتيمة حر)؛ بمعنى افعل كل شيء تريده، لكن اترك شتيمة الحر.[1]

ومن هذه التراكيب أيضا، صيغ التعجب، فهي تراكيب لا ينبغي التصرف فيها بالتقديم ولا بالتأخير، فقد حدد النحاة له صيغتين مشهورتين فقط هما ( ما أفعل) و ( أفعل به). وقد صرح الرضي بهذا وهو يتحدث عن مصلح التعجب وحكمه في عرف النحاة، إذ يقول الرضي🙁 وهي غير متصرفة لمشابهتها بالإنشاء للحروف، وهي غير متصرفة، أيضا، كل لفظ منها صار علما لمعنى من المعاني، وإن كان جملة، فالقياس ألا يتصرف فيه، احتياطا لتحصيل الفهم، كأسماء الأعلام، فلهذا لم يتصرف في: نعم، وبئس، وفي الأمثال…).[2]

ويفهم من دلالة مصطلح التصرف في نص الرضي، معنيان: الأول ذلك المعنى الصرفي المرتبط بالكلمة، سواء تعلق الأمر ببنيتها إفرادا، أو تثنية، أو جمعا. أو تصرفها في الأزمنة الثلاثة، المتعلقة بالكلمة إذا كانت فعلا.

أما المعنى الثاني لمصطلح التصرف، وهو المقصود عندنا في هذا السياق، فهو ذلك التصرف المرتبط بعناصر التركيب، فقد يحدث المتكلم بين عناصر تركيب ما، تقديما أو تأخيرا، وهذا هو ما لم يجوزه الرضي بقوله🙁 وإن كانت جملة، فالقياس ألا يتصرف فيه). وإن كان قوله (والقياس) يشعرنا باحتمال وجود التصرف أحيانا. لكن لم نعثر على شيء من هذا.

وقد ذكر سيبويه في كتابه أيضا، شيئا من هذه التراكيب التي ليست بحكاية، وتستعصي على مقتضيات الإعمال. وذلك عندما تحدث عن الجملة الاستفهامية، المصدرة بحرف استفهام، المسبوقة بفعل يتعدى إلى المفعول ولا غيره. وقد عقد لهذا بابا سماه🙁 هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى المفعول ولا غيره).
وقد أكد على أن الفعل لا يعمل فيما بعده، إذا فصل بينه وبين معموله بحرف من حروف الاستفهام، ومثل لهذا الأمر بالحديث عن ألف الاستفهام، فقال🙁 لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلا مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله؛ لأن ألف الاستفهام تمنعه من ذلك).[3]

ومن الأمثلة الواردة في هذا الباب، قولك:( علمتُ أعبدُ الله ثمَّ أم زيدٌ)، أو( وقد عرفتُ أبو من زيد)، أو( أما ترى أيُّ بَرْقٍ هاهنا). فكل هذه المعمولات التي بعد الاستفهام، يبدو على أن موضعها النصب على المفعولية، لكن طبيعة هذا التركيب يجعلها في موضع المبني على المبتدأ، الذي يعمل فيه فيرفعه.

إضافة إلى تلك التراكيب المستهلة بمبتدأ، يتضمن معنى النفي. كقولك:( أقل رجل يقول ذلك)، و( أقل يوم لا صيد فيه). ومعنى التركيب الأول؛ ما رجل يقول ذلك. وبذلك يكون لفظ “أقل” في هذا التركيب، مبتدأ لا يقبل التصرف في حركته الإعرابية، أو التصرف في ترتيب عناصر الجملة ككل. فلا يمكنك أن تقول:( إن أقل رجل يقول ذلك)، فإن فعلت ذلك، تكون قد هدمت صرح المعنى الذي وضع له هذا التركيب؛ وذلك بخروج بالتركيب من معنى النفي، إلى معنى التوكيد، وما لا يجوز.

وكذلك الجمل المبدوءة بما له الصدارة في الكلام، من قبيل أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وكم الخبرية، إلى غير ذلك من هذه الأسماء التي تحفظها كتب النحاة. فهي أسماء لا تتقدمها العوامل، ولا تدخل عليها النواسخ، باستثناء، حروف الجر. فلا يمكنك أن تتصرف في تركيبها، بتقديم عامل عليها، فتقول:( إن من عندك)، عوض (من عندك)، فهذا لا يستقيم.[4]

فهذه بعض الأمثلة فقط، وإلا فمثل هذه التراكيب، كثيرة في النحو العربي، تحتاج منا تتبعا وإحصاء.

إذن يصل بنا هذا المبحث إلى حقيقة مفادها أن هناك تراكيب متعددة، لا تدخل في باب الحكاية النحوية؛ لأنها لم تأت على صورتها، ولا لغرضها، وإنما هي تراكيب ملحقة بها تتشارك معها في خصيصة عدم التجاوب إعماليا مع ما قبلها، فتحافظ على تماسكها الداخلي. وبذلك تكون بناء تركيبي مغلق.


[1] ) الجملة العربية، لفاضل صالح السمرائي،ص110

[2] ) شرح الرضي على الكافية،ج4،ص227

[3] ) الكتاب، لسيبويه،ج1،ص235

[4] ) الجملة العربية، لفاضل صالح السمرائي،ص111ـ112

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.