منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاربة أنطولوجيّة بين توما الأكويني ورينه ديكارت أو من العرفان إلى العقل

مقاربة أنطولوجيّة بين توما الأكويني ورينه ديكارت أو من العرفان إلى العقل/ د. البشير لسيود

0

مقاربة أنطولوجيّة بين توما الأكويني ورينه ديكارت

أو من العرفان إلى العقل

An ontological approach between Thomas Aquinas and René Descartes

or from gratitude to reason

د. البشير لسيود

أستاذ الفلسفة والمنطق – المعهد العالي لأصول الدين – جامعة الزيتونة – تونس

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

نروم من وراء هذه المحاولة البحثيّة رصد تطوّر الخطاب اللاهوتيّ الفلسفيّ في المسيحيّة من خلال قطبين غربيّين مثّلا مفصلا أساسيّا في تاريخ الحضارة الغربيّة الحديثة، هما القدّيس توما الأكويني والفيلسوف والرياضيّ رينه ديكارت، فتوما الأكويني رفع لواء العقل والإيمان باسم الكنيسة وديكارت رفع لواء تأسيس منهج علميّ صارم لمختلف المعارف، فأصبح الحوار ثنائيّا بين العقل والعلم، بين الكوجيطو التّومايّ أنا «أعقل كي أومن» والكوجيطو الديكارتي «أنا أفكّر إذن فأنا موجود»، طرافة الرجلين أنّهما يتبنّيان الفكر المسيحيّ والدفاع عنه، لكن في الحقيقة يسعيان إلى نسف المنظومة الدّينيّة التقليديّة القديمة وتأسيس فكر لاهوتيّ جديد مبنيّ على المعرفة العقليّة وكذا تأسيس منهج علمي صارم يحرّر المعارف من الأوهام والشكوك، لكن المفارقة أنّ الأكويني وجد نفسه محاصرا بين ابن رشد والغزاليّ ولم يكن حظّه أحسن من حظّ يوم سقوطه من فوق حماره فقضى نحبه، فإذا مال إلى التوفيق بين العقل والإيمان فإنّه سيصبح ضرورة رشديّا. وإذا آثر الإيمان والعرفان والمعرفة القلبيّة فإنّه سيكون مكرها غزاليّا. وأمّا ديكارت فقد تورّط في معضلة ثنائيّة النفس والجسد وهو ما أعطى الفرصة لسبينوزا حتى ينسف أقواله ويبني نسقا فلسفيّا جديدا، بين هذا وذاك تُراوح هذه المقالة ساعية إلى إنصاف الرجلين وإظهار ما لهما وما عليهما.

كلمات مفتاحية: الأكويني – ديكارت – كوجيطو – أنطولوجيا – العقل – العرفان.

Abstract:

This paper discusses the evolution of the philosophical theologian discourse in Christianity from the perspective of two leading figures who represented a crucial turning point in the history of modern western civilization: Saint Thomas Aquinas and the philosopher and mathematician René Descartes. While Thomas Aquinas championed the relation between mind and faith in the name of the Church, Descartes applied a rigorous scientific methodology to all types of knowledge. These developments fostered a dialogue between reason and science; between the Thomist dictum “I reason so that I believe” and the Cartesian cogito “I think, therefore I am”. The originality of the two figures resides in that both of them adopted and defended Christian thought, but in fact, both endeavored to eradicate the traditional religious system in order to establish a new theology founded on rational knowledge. Equally, both strived to establish a rigorous scientific methodology to liberate knowledge from myths and doubts. Paradoxically, Thomas Aquinas found himself enclosed between Ibn Rushd and Al-Ghazali, and his fate was no better than the day he fell from his donkey and died. If he tends to compromise between mind and faith, he becomes necessarily Rushdist. If he, on the contrary, prefers faith, mysticism and heart knowledge, he finds himself Ghazalist. Descartes, on the other hand, was trapped in the dilemma of duality of spirit and body, which gave Spinoza the chance to wipe out his entire structure and build a new philosophical system. Moving between this and that, this contribution tries to do justice to both, highlighting their pros and cons.

Keywords: Aquinas, Descartes, Cogito, Ontology, Mind, gratitude.

مقدمة:

إنّ طرح المسألة الأنطولوجيّة([1]) عند القدّيس توما الأكويني(Thomas D’Aquin)([2]) والفيلسوف الرياضيّ رينه ديكارت(René Descartes)([3]) يعني استحضار مسألة الوجود([4])، بصفة عامّة، وعلاقة الإنسان بالله وارتباطه بالوجود وما يترتّب على ذلك من استفهامات أنطولوجيّة وأسئلة فلسفيّة عميقة، أي الوقوف عند تطوّر الخطاب الفلسفيّ اللاّهوتيّ المسيحيّ من أنا «أعقل كي أومن» عند الأكويني إلى «أنا أفكّر إذن فأنا موجود» عند ديكارت، فالتصوّر التوماويّ استوعب خصوصيّات الفلسفة الأفلاطونيّة والأرسطيّة ضمن رؤيته الإيمانيّة والعقليّة، والتصوّر الديكارتيّ استوعب خصوصيّات التطوّر العلميّ والرياضيّ ضمن رؤيته التي تؤمن بأديان أجداده. فالفيلسوفان يقودان مشروعين تقويضيّين لما هو سائد لكن بحكمة الفلاسفة وهدوء المتديّنين أي التفكير في ظلّ الخطاب الإيمانيّ الكنيسيّ وتجنّب التصادم مع رجال الدين على خلاف غاليلي وسبينوزا. وبذلك يتمّ ترويض «حرّاس المعبد» لغاية أعمق وأبعد. وهي إعادة زرع العقلانيّة في الفكر الدينيّ وتحرير الدين من سلطة رجال الكنيسة وانفتاح بقيّة المعارف على العقلانيّة والعلوم الصحيحة بصفة عامّة، وهو ما سيتجلّى خاصّة في الرياضيّات والفيزياء مع ديكارت. كما تُجدر الإشارة إلى أنّ الأكوينيّ هو «ابن الكنيسة وسليلها» و»أبو المدرسة التوماويّة» يخوض حربا خارجيّة باسم الكنيسة لمواجهة الأفكار الوافدة أي «مطاردة مغالطات» الفكرين الرشديّ والغزاليّ، وهو ما سيجعله أكثر طمأنينة، بل حاز كُنية «فيلسوف المسيحيّة» أو «دكتور الكنيسة». وقد ذكر ابن رشد في كتاباته «خمسمائة وثلاث مرّات»([5]).

من خلال هذين القطبين الأكوينيّ وديكارت سنصبح أمام مفارقتين أساسيّتين في الفكر المسيحيّ والمعرفة بصفة عامّة. المفارقة الأولى توماويّة تسعى إلى التأسيس للاّهوت من خلال العقل، أي التأصيل للعرفان المسيحيّ وإعادة صياغته وربطه بتراثه اليونانيّ وبجذوره الأفلاطونيّة والأرسطيّة. والمفارقة الثانية ديكارتيّة، وهي التأسيس الفلسفيّ لمختلف المعارف من خلال العقل مع استثناء الجانب الدينيّ بسبب الخجل الديكارتيّ. إنّ هذا الانتقال والمراوحة من الكوجيطو التوماويّ إلى الكوجيطو الديكارتيّ سيكون سببا في ظهور المذاهب الفلسفيّة وطرح مسألة القيم ومفهوميْ النسبيّ والمطلق. وهو ما هيّأ المعارف للانخراط بشكل كامل في النسق العقلانيّ نظرا وممارسة، وأدّى إلى بلورة النزعة العقليّة في مختلف المجالات. فكيف سيؤسّس هذان الفيلسوفان للمعرفة وللمسألة الأنطولوجيّة في ظلّ تطوّر الخطاب اللاهوتي؟ وماهي الاستتباعات المعرفيّة لتصوّرهما؟

أوّلا: القدّيس توما الأكويني:

اختار الأكويني الخلاصة اللاّهوتيّة ([6]) عنوانا لكتابه، أي حاملا لاسم اللاهوت لكنّه بمنظور توماوي مسكون بالعقل، وقد أودع فيه تصوّره للإله الذي شكّل محور بحثه الفلسفيّ، فاعتبر أنّ أرقى ما يمكن التوصّل إليه، هو أنّه فوق كلّ ما قد يدور بخلد الإنسان عنه، وبذلك يتمّ تنزيه الله عن الصفات التي قد تُسند إليه من خلال الانطباع الإنسانيّ والفكر البشريّ والجهد العقليّ. فالبرهنة على وجود الله ممكنة من خلال العلل الطبيعيّة والحركات المتلاحقة والظواهر المتجدّدة، لأنّ التوالي في الحركات ودقّة نظام الكون يكشف عن وجود كائن ضروريّ يمثّل الحقيقة الخالصة والخير الأسمى والنموذج الأعلى فهو «ما لا يمكن تصوّر شيء أعظم منه»([7]).

يسلّم الأكويني بوجود أصل يبلغ حدّ الكمال في كلّ ما يتعلّق بحقيقة الوجود، أي الإقرار بوجود قوّة عاقلة وراء هذا الظهور المستمرّ والمنظّم للأشياء، الذي يعتبره علّة العلل وحقيقة الحقائق ومصدر «سعادة الإنسان لأنّ الإنسان يتشوّق السعادة بطبعه»([8]). فسعى إلى تقسيم رؤيته حول الوجود إلى مجموعة من الأقسام تتعلّق بوجود الله وماهيّته وصفاته، محاولا تجاوز التصوّرات الفلسفيّة والدينيّة القديمة وبناء رؤية جديدة تثبت هذا الوجود من خلال براهين واستدلالات جديدة، رافضا المبدأ([9]) القائل بأنّ كلّ ما يتصوّره الإنسان موجود ضرورة، مُظهرا خطأ بعض الأدلّة على إثبات وجود الله، التي تعتمد على التصوّر. فلا يوجد مخلوق يدرك الخالق إلى درجة الاستدلال([10]) على وجوده من جوهره، لأنّه «ليس في قوّتنا أن نبرهن على وجود الله… ولم يكن ذلك إلا بآثاره…لكن آثاره ليست معادلة له لأنّه غير متناه وهي متناهية، ولا معادلة بين المتناهي وغير المتناهي. فإذا لما كان لا يمكن أن يبرهن على العلّة من المعلول الغير المعادل يظهر أنّه لا يمكن أن يبرهن على وجود الله»([11]).

واجهت الأكويني صعوبة كبيرة لإثبات وجود الله لأنّ العلّة أعظم من المعلول والعقل البشري عاجز على استيعاب الوجود الأعلى الذي يمثّل الحقيقة المطلقة، ولكن مع ذلك سعى إلى إيراد بعض الأدلّة والبراهين على وجود الله أثبتها في خمسة مناهج: من جهة الحركة… ومن جهة العلّة المؤثّرة… ومن جهة الممكن والواجب… ومن جهة المراتب الموجودة… وأخيرا من جهة تدبير الأشياء([12]).

يتبنّى الأكويني الجدليّة الأرسطيّة القائلة بأنّ «الشيء الذي لا يتحرّك هو المحرّك». فكلّ شيء مُتحرّك هو مُتحرّك من طرف شيء آخر. لكن لا يمكن أن تستمرّ هذه الحركة إلى ما لا نهاية، أي لا بدّ من الوصول إلى النقطة التي يوجد فيها شيء لا يتحرّك ويحرّك كلّ الأشياء الأخرى. وهذا غير المتحرّك هو الله نفسه، «كلّ ما يتحرّك فلا بدّ أن يتحرّك من آخر، وإذا كان هذا الآخر متحرّكا فلا بدّ أن يتحرّك من آخر أيضا وهذا من آخر وهنا لا يجوز التسلسل إلى غير النهاية»([13]) وهو ما ذهب إليه ابن سينا([14]) – الذي ذكره الأكويني مائتين وسبعون مرّة- بتأكيده على استحالة الدور والتسلسل في العلل. فكلّ واحدة من موجودات هذا العالم تحتاج إلى العلّة الفاعلة. لكن لا يمكن أن يمتدّ تسلسل العلل إلى ما لا نهاية. وستتوقّف عند علّة ليست محتاجة إلى علّة بعدها. وهي التي نسمّيها بواجب الوجود([15])، أي الله الذي يراقب الوجود ويحرسه. وقد عبّر ابن سينا على ذلك بقوله «وقد يُظنّ أنّ الشيء إنّما يحتاج إلى العلّة الفاعلة في حدوثه، فإن وجد استغنى عنها، وإذن هي لمجرّد الحدوث ولا بدّ لها أن تسبق المعلول. ولا داعي لأن تصاحبه. وهذا ظنّ باطل، لأنّ الوجود بعد الحدوث إن كان بالذات فلا يحتاج إلى علّة خارجة عنها، وإن كان بغير الذات فإنّه لا يتحقّق ولا يبقى إلاّ بالعلّة التي أحدثته»([16]).

يعتبر الأكويني مواصلة السؤال عن خالق الخالق سؤال عدميّ عقيم ينتهي منطقيّا وعقليّا بالإيمان الذي يقتضي التسليم بوجود المحرّك الذي لا يتحرّك والمالك للإرادة المطلقة. كما يرفض القول الأفلاطونيّ الذي يعتبر النفس سجينة الجسم البشريّ وأنّ الإنسان هو النفس لا غير، متأثّرا بتصوّر أرسطو([17])الذي يعتبر الإنسان مزيجا من الجسم والنفس ومن المادّة والصورة. فالنفس هي الطاقة الداخليّة التي تبعث الحياة، وتخلق الصورة. فهي موجود روحيّ وحقيقة غير جسميّة، يبعثه الله في الإنسان.

إنّ حصيلة لزوم وجود علّة لكلّ معلول ينتهي إلى «اثبات علّة مؤثّرة أولى وهي التي يسميها الجميع الله»([18])، وتصرّف بعض الأشياء وكأنّها في مسار لوصول حالة معيّنة من الكمال ليس ممكنا لجميع الموجودات، «بل لابدّ أن يكون في الأشياء شيء واجب. والواجب إمّا واجب لذاته أو لغيره. والتسلسل في الواجبات لغيرها مستحيل كاستحالته في العلل المؤثرة… فإذا لابدّ من اثبات شيء واجب لذاته ليس واجبا بعلّة أخرى بل غيره واجب به وهذا ما يسميه الجميع الله»([19]) يعني الإقرار بوجود فاعل منظّم يسيّرها ويوجّهها في اتّجاه معلوم، كما أنّ مراقبة الكائنات الطبيعيّة تبيّن أنّها منظّمة بكلّيّتها ليكون كلّ منها نافعا للكلّ، ومتآلفا مع سائر الكائنات رغم اختلافاتها، ولا تكون الكائنات المتباينة متآلفة إلّا إذا نظّمها كائن آخر عاقل قادر على إدارة هذا التنظيم الشامل، «فإذا يوجد شيء هو علّة لما في جميع الموجودات من الوجود والخيريّة وسائر الكمالات وهذا ما نسمّيه الله»([20]).

ليتمكّن الأكويني من تحقيق رؤية متكاملة وفهم حقيقيّ للوجود الإلهيّ أورد دليله الخامس وهو دليل التّدبير فقال: «يوجد موجود عاقل يسدّد جميع الأشياء الطّبيعيّة إلى الغاية وهذا الذي نسمّيه الله»([21])، فهو يبحث في العلاقة القائمة بين الله ومختلف الكائنات وانتهى إلى أنّ هذه الكائنات غير قادرة على القيام بذاتها. ممّا يدلّ على أنّ الله وهبها صفة الموجود المرتبط بوجوده، وهو ما يعني رفض القول بالفيض أو الصدور. فلو كانت فيضا لأصبحت الكائنات المخلوقة مماثلة له، في حين لا يصدر عن الواحد إلّا الواحد.

إنّ كلّ الأدلّة التي أوردها الأكويني تثبت أن وجود الله قائم بذاته، وهو ما يجعل منه الكمال الأسمى، الخير الأعظم، لا حدّ لوجوده، ولا تناهي لقدرته، ولا بداية له ولا نهاية، سرمديّ، أزليّ، ثابت لا يتغيّر، علّة كلّ الموجودات، واحد، ولو هناك غيره لتفاوتا في الصفات والخصائص وتباعدا في الفوارق، ووقعا في النقص، فيختلّ نظام الكون، ويفقد الله السيطرة على الكون.

ومن خلال هذه البراهين يتبنّى الأكويني القول بأنّ المعرفة الطبيعية يجب أن تسبق الإيمان. فقبل الكلام عـن أزليّة العالم أو حدوثه أو البحث في صفات الله وماهيّته، ينبغي البدء بإثبات وجود الله ليتمّ الارتقاء إلى الإيمان الدينيّ انطلاقا من الطبيعة باعتبارها حقل اختبار، ليصبح الإيمان هو الحصيلة الطبيعيّة للمعرفة والاستدلال والعلم، من خلال التأمّل والاشتغال الفكريّ والعقليّ للإنسان.

على ضوء هذه البراهين نلاحظ بأنّ «لاهوتا ذا طموح أكثر إيجابيّة، كلاهوت القدّيس توما، يعتمد على الاستدلال ليؤسّس قواعد تأكيديّة جديدة»([22])، وهو ما يعني التقاء الأكويني مع سبينوزاSpinoza([23]) حول المسائل المتعلّقة بالقوانين الطبيعيّة والمعارف العلميّة التي يعتبرها لا تتعارض مع العقل، بل إنّ فهمها وإدراكها يؤدّي إلى فهم الوجود وإدراك الإله وبالتالي الإيمان به وتحقيق السعادة، ذلك أنّ التفكير العميق والتبصّر في نظام الكون وأسراره يؤدّي إلى الإيمان بالله واعتناق المبادئ الدينيّة.

إنّ الاختلافات الطبيعية القائمة في الكون هي التي أقنعت الأكويني بوجود الله والإيمان به. فاستحضر مجموعة من المصطلحات والأدلّة مثل المحرّك الأوّل، والواجد والموجود بذاته، والكائن الذي تنبثق عنه كلّ الكمالات والقادر على تنظيم الكون وكائناته. إذ يقول: «إن لم يقبل الأحمق سلطة الكتاب المقدّس يمكن مع ذلك دحض أقواله إن أنكر، أننا بإمكاننا أن نرتقي من أشياء أخرى إلى ما لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه، فلو أنكر ذلك كاثوليكي فليتذكّر أنّ الكمالات اللاّمرئيّة لله تنكشف بالذّهن منذ خلق العالم عندما نتأمّل في مخلوقاته وتكون الألوهيّة والقدرة الخالدتان لله»([24]).

ليدعم الأكويني تصوّره استحضر قول موسى بن ميمون([25])الذي استلهم منه رؤيته «ليس في مقدورنا أن نعرف الله إلّا عن طريق المجاز والتشبيه. فنستدلّ عليه من أنفسنا ومن تجاربنا. وعلى هذا فإذا كان في الناس خير، وحب، وحقّ، وعقل، وقدرة، وحرّيّة، أو أيّ ميزة أخرى، فلا بدّ أنّ تكون هذه أيضا في خالق الإنسان، وأن تكون فيه بدرجة أعلى تتّفق مع النسبة الموجودة بين اللانهائيّة وبيننا نحن»، أي ما يسمّى في العرفان([26]) بالتحقّق. وهو سعي العارف إلى تحقيق صفات الله في شخصه، إن لم يكن فالاقتراب منها من خلال المجاهدة الروحيّة.

لم يتوقّف الأكويني عند بناء الحجج والبراهين المثبتة لوجود الله بل بحث في ماهيّته وصفاته بالتمييز بين خصائص الذات الإلهيّة وبقيّة الكائنات انطلاقا من لازمتين أساسيّتين للذات الإلهيّة وهي البساطة والكمال. إذ يمكن قول الكثير من الأشياء عن الله، لكنّ كلّ ذلك حسب الطبيعة الحسّيّة -السلبيّة- حيث أنّ طبيعة الله معروفة عن طريق الأشياء غير الموجودة فيه بالمقارنة مع ما هو موجود لدى الإنسان حسّيّا. إنّ الله أبديّ وغير متحرّك وغير متغيّر، ولا تتضمّن ذاته أيّة نقيصة.

لكن إذا سلّمنا بأنّ الله مركّب، سيصبح مادّة، قابلا للتجزئة والانقسام وهو ما يتنافى مع خصائص الذات الإلهيّة. فالله حسب الأكويني هو روح محض منزّه عن الكثرة والتجزّؤ، وفعل خالص لا تميّز فيه بين القوّة والفعل اللّذين هما من مواصفات المادّة المتنقّلة من حالة إلى أخرى والقابلة للتحوّل والتبدّل والزوال، لأنّه منزّه عن صفات النقص باعتباره «واجب الوجود» وعلّة ذاته، وقائما بذاته، ولا نقص يعتريه، لانفراده بالبساطة والكمال عن بقيّة الموجودات. فكلّ الكائنات المخلوقة فاعلة ومنفعلة قابلة للتغيّر والتحوّل قد تفقد صفات وتكسب أخرى بسبب التفاعل مع العامل الخارجيّ أو التبدّل الداخليّ، أمّا الله فهو مكتمل ومنزّه، لا ينفعل ولا يتبدّل، لأنّه الحقيقة الخالصة.

أفرد الأكويني الله ببعض الصفات كالقدرة والعلم، وهي صفات مترادفة ومتكاملة، كما أنّ الصفة المطلقة على الله مناسبة لماهيّته. فليست صفة القدرة التي يختصّ بها الله هي ذاتها صفة القدرة التي يمتلكها الإنسان. وعلم الله ليس هو علم الإنسان، لأنّ علم الله يتّصف بالكمال ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وفي هذا التصوّر تجاوز لرأي ابن سينا القائل بأنّ الله يعرف الكلّيّات ويجهل الجزئيّات، ممّا ينفي عنه صفة الكمال، في حين أنّ علم الله حاصل قبل وقوع الشيء وخلال وقوعه وبعد وقوعه.

ما يبدو واضحا أنّ الأكويني يسير على خطى ابن ميمون القارئ والمدرك لخفايا الثقافة العربيّة متأثّرا برؤيته القائلة بأزليّة العالم وضرورة التوفيق بين العقل والنقل، وأنّ العقل البشريّ قادر على إثبات وجود الله لكنّه ليس قادرا على بلوغ معرفة صفاته كما جاء في كتابه دلالة الحائرين، «اعلم أنّ للعقل الإنسانيّ مدارك في قوّته وطبيعته أن يدركها وفي الوجود موجودات وأمور ليس في طبيعته أن يدركها بوجه ولا بسبب، بل أبواب إدراكها مسدودة من دونه»([27])، لأنّ «للعقل الإنسانيّ… حدّا يقف عنده»([28]).

لكن كيف تحصل النفس على المعرفة عنده؟ حسب الأكويني لا يعود الأمر إلى عمليّة التذكّر عند أفلاطون([29])، أو إلى اشتراك المعقولات من العقل الكلّي عبر النفس الكلّيّة عند أفلوطين([30])، أو من العقل العاشر الفعّال عند كلّ من الفارابيّ([31]) وابن سينا، بل تحصل المعرفة بالاجتهاد العقليّ من خلال عمل الحواسّ والمخيّلة والتجربة والاستدلال. إذ يركّب العقل القضايا المنطقيّة من خلال القوى الذاتيّة معتمدا على التجربة والاستدلال.

جعل الأكويني من العقل «جهازا» قادرا على إدراك كافّة المعقولات بسبب الإخصاب من طرف الإشراق الإلهيّ([32])، شريطة أن يجتهد للحصول عليها عبر الاحتكاك المباشر بالعالم، أي عبر التجربة والاستدلال، لأنّ البحث عن المعرفة وطلب الحكمة هي أنبل الغايات وأكمل الأهداف. فهي مصدر النفع والسعادة. فالعقل الإنسانيّ، حسب التصوّر الأكويني، قادر بمفرده على معرفة حقيقة وجود الله وصفاته، والتمييز بين الخير والشرّ والتدرّب على ممارسة هذا التمييز. فهو يعتبر أنّ مبدأ ضرورة عمل الخير وترك الشرّ هو مبدأ طبيعيّ موجود فطريّا في عقل الإنسان، لأنّ الشرور عناصر لا علاقة لها بأصل الإنسان المخلوق على الفطرة.

ذلك أنّ مبادئ الناموس الطبيعيّ مرتبطة بالميول الطبيعيّة للإنسان الذي يمتلك البذور الأّوّليّة للعدالة والشجاعة وضبط النفس والحكمة. وهو مطالب بتطويرها وتنميتها مستعينا بالكتاب المقدّس ليتمكّن من الحصول على فضائل الرجاء والإيمان والمحبّة، وهو ما يقتضي معرفة أعمق بطبيعة الله وعلمه والحقائق الميتافيزيقيّة في العالم الروحيّ. فالإنسان ككائن حرّ باعتباره عاقلا، ينزع نحو الخير الأسمى من خلال السعي إلى الفضيلة انطلاقا من الخير الجزئيّ إلى غاية الخير الكلّيّ. وهو ما يدلّ على تمتّعه بحرّيّة الفعل والممارسة والتفكير وإتيان الفضيلة، ويجعل النفس السويّة تندفع إلى محبّة الله، لأنّ الحبّ فضيلة الفضائل تنطوي في عمقه الارادة الخيّرة كقيمة أخلاقيّة كبرى.

يحمّل الأكويني الإنسان كامل المسؤوليّة في حقّ الاختيار والممارسة، بحجّة امتلاكه للعقل والحرّيّة، لأنّ الله وهب له العقل ومكّنه من الإرادة والقدرة المناسبتين له للقيام بما يراه صالحا، ليؤكّد بذلك على فكرة أنّ الإنسان مخيَّر وليس مسيَّرا، فيلتقي بذلك مع تصوّرات أرسطو ولوك([33])في القول بأن كلّ ما هو موجود في العقل موجود في الحواسّ.

لكن إذا كانت الغاية الأساسيّة للإنسان في الوجود هي الوصول إلى الحقيقة، انسجاما مع القول الأرسطيّ بأنّ مسعى الإنسان هو السعادة، فأين تتجلّى فضيلة الإنسان في هذا الوجود؟

في نظر الأكويني لا تتحقّق السعادة من خلال تلبية الرغبات المادّيّة بل في ممارسة الفضيلة والأفعال الخيّرة التي توفّر للإنسان «السعادة الكاملة» و»الطمأنينة القصوى»، أي من خلال معرفة علل الأشياء وأسبابها، لأنّ أسمى عمل تقوم به النفس ويغبطها هو: فهم النظام الكامل للكون وعلله. لكنّ هذا الارتقاء النفسيّ والروحيّ عن الدنيا لا يجعل الإنسان يتوقّف ليتأمّل، بل يدفعه باستمرار إلى المزيد من الفهم والسموّ لأن عقل الإنسان الشغوف بالكمال لن يستريح إلّا إذا وصل إلى ذروة الحقّ، لأنّ الخيريّة الكاملة هي حصيلة الفعلِ والذهنيّةِ المتطوّريْن والنموذجيْن.

وبذلك تصبح فكرة عدم الاستراحة في التصوّر الأكويني المسيحيّ إلّا ببلوغ الحقّ، هو استحضار للفناء الصوفيّ الأكبريّ([34])، وللجهد السبينوزيّ([35])، إلّا أنّ هذا الحماس الصوفي الأكويني الذي يؤسّس له لم يسيطر على مسار تفكيره وتوجّهه العقليّ بل آثر المقاربة العقليّة على المقاربة الوجدانيّة باعتبار أنّ العقل هو الأداة المؤدّية إلى الحقيقة حسب تصوّره.

لكن بالرغم من أنّ الأخلاق هي المعبر الوحيد «للسعادة النهائيّة السرمديّة» للإنسان من خلال الفضائل التي يعتبرها الأكويني آليّات مساعدة لبلوغ الغاية الأساسيّة والنهائيّة، وهي رؤية الله، فإنّ العقل سيظلّ الوسيلة القادرة على تحقيق الخير الكلّيّ وبلوغه وإدراكه. وهو الاقتراب من الله، الذي يعتبره الغاية القصوى للإنسان. إذ يمثّل مرجعيّة فهمه وكماله وسعادته لأنّ الأفراح الدنيويّة سعادة ناقصة، لذلك مثّل الكوجيطو التوماوي «أعقل كي أومن» وثبتة حقيقيّة لبلورة فلسفة دينيّة تمنح للإنسان قوّة إيمانيّة تجعله قادرا على فهم حقيقة الإيمان ومتحرّرا من الرؤى الكنسيّة الدوغمائيّة.

وبذلك تصبح ممارسة الإنسان للفضيلة من خلال معرفة الله والقيام بالواجبات نحوه هي الطريق الأمثل لتحقيق السعادة القصوى. وهو ما يقتضي انسجام الممارسة مع الأوامر الخيّرة للعقل والاستحضار الدائم للرغبة الذاتيّة الباطنيّة للقيام بالأعمال الخيّرة، لأنّ الإنسان بفطرته قادر على تتبّع الأخلاق السلوكيّة النبيلة باتّباع ممارسات النبلاء وما يتميّزون به من تمسّك بالفضائل والأخلاق، فــ»العقل الإنسانيّ هو المعيار الذي يُقاس به خير الإرادة البشريّة، لأنّ العقل ينشأ من الناموس الأبديّ الذي هو العقل الإلهيّ ذاته، فمن الواضح أنّ صلاح الإرادة البشريّة يعتمد على الناموس الأبديّ أكثر منه العقل البشريّ»([36])، رغم قدرته على إدراك الخير بطبيعته لأنّ الصلاح الفطريّ متضمّن فيه.

يرى الأكويني أنّ الإنسان بفطرته يتعلّق بالخير ويرغب فيه. لكن ليس كلّ ما يعتبره خيرا هو دائما كذلك من الناحية الأخلاقيّة، ممّا دفعه إلى التساؤل: ما هو الهدف من خلق الإنسان إذا كان الله يعرف كلّ شيء قبل حدوثه، ويعرف مصير الإنسان؟

إنّ الاجابة الأكوينيّة تتمثّل في أنّ الإنسان لا يمكن أن يتمتّع بالكمال ولو بلغ قمّة الارتقاء، لأنّه كائن مخلوق، وإنّ قيامه بالإثم هو ثمن حرّيّته في الممارسة والفعل والاختيار. وإذا انسحبت منه حرّيّته فإنّه سيصبح ملاكا أو عبدا مسيّرا لا مخيّرا، أي عبدا ينفّذ أوامر الخالق. ذلك أن أعظم ما يصل إليه السعداء ويرغبون فيه حسب الفكر الأكوينيّ هو رؤية الله. وبما أنّ الخليقة كلّها نشأت من الله فإنّها ستعود إليه. فالنفس البشريّة التي هي هبة إلهيّة لا تستريح حتّى تعود إلى مصدرها. وهكذا تتمّ دورة الخلق المقدّسة ويكتمل التصوّر الأكوينيّ الذي يبدأ من الله وينتهي إليه.

يمكن اختزال الرؤية الأنطولوجيّة للأكوينيّ في عبارة «أنّ الوجود عرض للماهيّة» وهي عبارة متداولة موروثة عن الفكر الفارابيّ والقول السينويّ، تخطّفها بعض المتكلّمين، ثم استعارتها اللاهوتيّة المسيحيّة من بينهم الأكويني([37])، وهو ما يظهر في «الأثر العظيم الذي كان للفارابي في الفلسفة السكولاستيّة([38]) المسيحيّة إذا درسنا مؤلفات القديس توما الأكويني أبرز فلاسفة النصرانيّة في جميع العصور»([39]).

استتباعات التصوّر الأكوينيّ:

ما نلاحظه أنّ الجهد الأكوينيّ أحدث من خلال استفاداته المتنوّعة وتثمينه لفلسفة القدامى منعرجا حاسما في الحقل اللاهوتيّ المسيحيّ وخاصّة عمليّة التوفيق بين المثاليّة الأفلاطونيّة التي تعتمد على الإدراك المادّيّ من خلال الحواسّ والتحقّق المثاليّ من خلال الفكر، والعقلانيّة الأرسطيّة التي تنطلق من عالم الوجود إلى عالم الماهيّة([40]). فالعقل الأفلاطونيّ حسب التصوّر التوماويّ لم يعد وسيلة للانتقال من عالم الكون والفساد إلى عالم المثل. بل أداة نكتشف من خلالها المثل والقيم الدينيّة، أنّ العالم يملك وجودا بالفعل يتكوّن من مادّة وصورة، لكن هذه الصورة ليست حصيلة المثال والخيال بل تتمتّع بوجود حقيقيّ ملموس. لذلك فالوجود الإنسانيّ السويّ لا يتحقّق إلاّ في ظلّ البعد الدينيّ من خلال الجمع بين العقل والإيمان.

وبذلك يكون الأكويني قد استأنف الأطروحة الأنطولوجيّة لدى بارمنيدس([41])»من خلال تبيين مميّز فضمن مهمّة استنباط المتعاليات»([42]) باستحضاره للقول الأرسطي بأنّ «النفس بوجه ما هي الكائن الذي يؤلّف كينونة الإنسان، إنّما تكشف ضمن الطرق التي بها تكون عن كلّ كائن»([43]). لذلك فهو لم يعد يتقاطع مع بارمنيدس وأرسطو فحسب. بل أصبح يتقاطع كذلك مع ابن سينا وابن عربيّ([44]) الذي سينطلق في تصوّره من العالم باعتباره وجودا حقيقيّا من خلال التجلّي الإلهيّ. وهو ما سيحوّل مبحث الوجود إلى مائدة مستديرة بين الفلاسفة رغم عصورهم المختلفة وحضاراتهم المتباعدة تحكي تجلّيات حركة العقل.

إنّ الوثبة الحيويّة التي حقّقها الأكويني هي إعادة صياغة الأفلاطونيّة والأرسطيّة في إطار تعزيز مبادئ العقلانيّة الأرسطيّة وإبراز قدرة العقل الإنسانيّ على تحقيق المعرفة بمختلف فروعها بما في ذلك إدراك العقائد الدينيّة وتفهّمها. فلم تعد فكرة الخلاص هي المحور الأساسيّ في الدين المسيحيّ بل أصبح النظر العقليّ ثم الإيمان هي الأساس.

يبدو من التقصير أن نطرح التطوّر الهائل الذي أحدثه الأكوينيّ على الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ وتعزيزه للصلة بين العقل والإيمان دون أن نذكر تأثير الفكرين الرشديّ والغزاليّ اللذين سيطرا على خلاصته اللاهوتيّة. فإذا مال الأكوينيّ إلى التوفيق بين العقل والإيمان فإنّه سيصبح ضرورة رشديّا. وإذا آثر الإيمان والعرفان والمعرفة القلبيّة فإنّه سيكون مكرها غزاليّا.

تبرز القيمة الأنطولوجيّة والفلسفيّة والمعرفيّة للتصوّر التوماويّ في إظهار العقل كقوّة قادرة على إدراك الكلّيّ وتوظيفه في مختلف المجالات والمعارف وتجاوز الفكر الكنسيّ الذي سعى إلى إجهاض العقل. وبذلك يؤسّس الأكويني إلى بناء «القانون الطبيعيّ باعتباره مقياس السلوك البشريّ والعلاقات الاجتماعيّة خاصّة السياسيّة… التي لا تنفصل عن الأخلاق، والعدل…فالعقل هو القانون الأبديّ الذي ينظّم الكون»([45]). سيتجلّى عمق الفكر التوماويّ وفائدته من خلال الإضافات المتميّزة التي ستتبلور خاصّة مع ديكارت وسبينوزا.

ثانيا: ديكارت

تميّزت الفلسفة قبل المنعطف الديكارتيّ بهيمنة التصوّرات المدرسيّة التقليديّة التي تعتمد على الرمز والأسطورة والمتعاليات الإلهيّة، بعيدا عن الرؤى التي تدفع نحو التداخل بين المادّيّ والمعرفيّ، أي بين المُنجز العلميّ والمعرفيّ لدى الإنسان، وبين المادّيّ من الطبيعة والموجودات.

لذلك تحدّد هدف ديكارت في التأسيس لتصوّر جديد للوجود والطبيعة يقوم على المبادئ الرياضيّة التي تنفصل كلّيّا عن الميتافيزيقا التقليديّة، من خلال نقلة نوعيّة من فلسفة الماهيّة إلى فلسفة الذات، لتصبح اللحظة الديكارتيّة لحظة انفصال العالم الحديث عن العالم القديم، أي إدراك العالم إدراكا هندسيّا مبنيّا على أسس رياضيّة قادرة على إنتاج العلم والتحرّر من الخطإ. وهو ما يعني ولادة الحداثة بما هي ثورة العقلانيّة وثورة الوعي والذات. وهو ما أهّل ديكارت ليكون أبا للحداثة.

يُعتبر إدراك الوجود عند ديكارت من مهامّ الكائن المفكّر، من خلال تحويل عقل الإنسان من طور «الذات المفكّرة» التي تسعى إلى بناء الحقيقة على أساس قاعدة الوضوح والتميّز «كلّ معرفة واضحة ومتميّزة هي شيء ما، فلا يمكن أن تجيء من العدم، إنّما الله خالقها، وإذن فهي صحيحة» ([46])، إلى طور اكتشاف الوجود وإثباته، لأنّ إثبات وجود الإله يظهر التطابق بين الأحكام العقليّة والقوانين الطبيعيّة من خلال قراءتها بأحرف رياضيّة.

ذلك أن الطبيعة حسب التصوّر الديكارتيّ، لا تحتمل الانغلاق أو النهاية، بل تملك الانفتاح الدائم على عالم غير محدّد، لأنّ وحدة القوانين التي تسيّرها لا تخضع إلّا للقواعد الرياضيّة، ولا علاقة لها بالتصوّرات القديمة القائمة على الأسس الدينيّة المدرسيّة المتحكّمة في الرؤى السائدة عن الوجود. وهو ما يعني الانتقال من المنطق السكولائيّ([47])إلى مرحلة الاستدلال الرياضيّ، من خلال توظيف الشكّ المنهجي لتحقيق اليقين العلميّ والمعرفيّ ليجعل من الإنسان هو «المالك الحقيقيّ للطّبيعة من خلال معرفة قوانينها»([48]).

فقاعدة اليقين الديكارتيّة تكشف أسس التمشّي المنهجيّ الذي يعتمد على «ألّا أقبل شيئا على أنّه حقّ ما لم أعرف يقينا أنّه كذلك، بمعنى أن أتجنّب بعناية التهوّر، والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألّا أدخل في أحكامي إلّا ما يتمثّل أمام عقلي في جلاء وتميّز، بحيث لا يكون لديّ أيّ مجال لوضعه موضع الشكّ»([49]). فتمسُّكُ ديكارت بمعالجة الأفكار الأوّليّة يهدف إلى إعادة بناء الأسس الفكريّة للمعرفة، من خلال ربطها بالعلوم المستحدثة. وهو ما يستوجب «النظر إلى كلّ ما يمكن أن يوضع موضع الشكّ على أنّه زائف»([50]). لذلك رفض التسليم بأيّ علم أو معرفة ما لم يحصل على برهان عقليّ يجعله أمرا يقينيّا.

لتحقيق ذلك حوّل ديكارت شكّه إلى عمليّة افتراضيّة منطقيّة، خالية من معاناة تجربة حقيقيّة. فهو شكّ كلّيّ عامّ، يُطبّق في أغلب المجالات، بما في ذلك الرياضيّات التي تبدو له النموذج الأسمى للوضوح والتميّز أي الحقيقة. فهو شكّ جذريّ لا يشمل بعض الحالات الحسّيّة أو المعادلات الرياضيّة فقط. وإنّما يتعلّق بأغلب المبادئ. بل جعل من هذا الشكّ دليلا على وجوده. فهو كلّما ازداد شكّا، ازداد تفكيرا، وبالتالي ازداد يقينا في وجوده، مهتديا بالرياضيّات، وما حقّقته من دقّة في المنهج([51])، ويقين في النتائج، قصد الوصول إلى نقطة أولى يقينيّة واضحة ومتميّزة بذاتها ليؤسّس عليها فلسفته كلّها. هذه النقطة هي إثبات وجود «الأنا المفكّرة» التي تعادل المبدأ الأوّل في المسلّمات الرياضيّة المؤسّسة لكلّ المبرهنات الرياضيّة اللاحقة، «إنّ العالم كتاب صُنّف بلغة رياضيّة والإنسان لا يستطيع، بدون هذه اللغة أن يفهم كلمة واحدة من كتاب هذا العالم»([52]).

فمن خلال توظيف «الذات المفكّرة» سيسير ديكارت بالطريقة الاستنباطيّة السائدة في الرياضيّات إلى منتهاها من خلال تطبيقها في المذهب الفلسفيّ، وهو ما سيترتّب عنه اكتشاف وجود الإله والعالم وخلود النفس، معتمدا في ذلك على عنصرين أساسيّين، هما: البداهة التي تمثّل التصوّر الذي يتوّلد في النفس السليمة المنتبهة، والاستنباط الذي يمثّل العمليّة العقليّة التي تنقلنا من الفكرة البديهيّة إلى نتيجة أخرى تصدر عنها ومرتبطة بها.

لكن رغم النجاحات التي حقّقها ديكارت في تطبيق منهجه في المجال العلميّ إلّا أنّه لم يتجرّأ على توظيفه في الموضوعات الميتافيزيقيّة مثل وجود الله وخلود النفس، التي وضعها موضع الشكّ، وتوقّف عن الحكم عليها منذ البداية. إذ ذكر في التأمّل الأوّل: «وإذا لم يكن في مقدوري الوصول إلى معرفة أيّ حقيقة، فليكن أن أفعل ما هو في مقدوري على الأقلّ، أي التوقّف عن كلّ حكم، وأتجنّب أن أعطي أيّ مصداقيّة لأيّ شيء باطل»([53]).

كما زاوج ديكارت بين الله والعقل ككائنين مفكّرين لكنّهما لا يملكان وجودا مادّيّا محسوسا، مع تمييزه للوجود الإلهيّ بعدم اعتماده على غيره في وجوده وعدم محدوديّته وإطلاقيّته. فهو يدرك بوضوح وجلاء وجود إله خيّر لا حدّ له. إلّا أنّ طرح ديكارت لمشكلة وجود الإله وطبيعته في «التأمّلات» كوجود ثابت لم يمنعه من الانقطاع عن الشكّ، لأنّ إثبات الذات المفكّرة لا يكفي لبلوغ اليقين المطلق حول العالم وبقيّة الأفكار. وهو ما جعل ديكارت مستمرّا في شكّه ليشمل المعادلات الرياضيّة، مع إدخال فرضيّة جديدة قد تساهم في الخداع وهي: فرضيّة وجود الشيطان الماكر القادر على تضليل حوّاسنا وعقولنا والتأثير عليها، فاليقين الديكارتي الأوّل هو وجود الذّات، لكن هذا الوجود لا يكفي لاثبات بقية الحقائق المختلفة. إذن، هناك توجّه ديكارتيّ أساسيّ ومنهجيّ يسعى إلى جعل الكوجيطو([54]) المناعة الحقيقيّة للعقل الإنسانيّ ضدّ كلّ ما قد يصيب المعرفة والحقيقة والعلم من تعثّرات قد تقف دون تحقيق اليقين في القضايا المطروحة، لأنّ الذات الشاكّة هي ذات مفكّرة تملك الوجود عن طريق الفكر. وهو ما جعل الفكر أساسا وشرطا للوجود من خلال الشكّ الذي لا يتوقّف عن الحركة والاستمرار، إلّا بعد الاهتداء إلى فكرة الإله، لأنّها الفكرة الوحيدة القادرة على تخليص ديكارت من شكّه، ومن خلاله الإنسان عامّة.

وبما أن الله هو الضامن الموضوعيّ للحقيقة، فإنّ غيابه سيمنع الإنسان من تحقيق اليقين، مع استمرار سيطرة فكرة الشيطان الماكر الذي دأب على خداعه، لذلك وضع ديكارت معطيين أساسيّين: أوّلا، البحث عن الإله، وثانيا، التثبّت هل هو مخادع أم لا. فإذا كان مخادعا فهو ليس إلها. وهو ما دفعه إلى نفي وجود إله مخادع. وإذا كان كذلك فهو ليس إلها حقيقيّا بل هو شيطان ماكر. وبذلك يصبح ضمان هاتين الحقيقتين المتمثّلتين في إثبات وجود الإله، وأنّه ليس مخادعا، هو طريق تحقيق اليقين الديكارتيّ.

إذن اهتدى ديكارت إلى وجود الإله بحدس باطنيّ وبصيرة داخليّة على غرار تصوّر القديس أوغسطينAugustin, Saint([55]) الذي يقول: «عندما أخطئ يجب أن أكون موجودا، والخطأ دليل على وجودي، وعندما أفكّر، فإنّني أدرك أنّني جوهر، وعندما يتحقّق لي اليقين بالذات، فإنّي أكون على يقين من أنّني جوهر، وأنّني لست هواء أو نارا أو أي جسم ما، إنّنا لا نطالب من الفكر إلاّ يقين الذات بذاتها»([56]).

تتمثّل إضافة ديكارت لإثبات وجود الله في الأدلّة والبراهين العقليّة، أهمّها:

1/إثبات وجود الإله من خلال وجود الذات المفكّرة: يقول ديكارت «إنّني على يقين من أنّني كائن مفكّر، ولكن هل إنّني مازلت جاهلا الشروط اللازمة كي أكون على يقين من شيء آخر»([57])، تأسيسا على مسلّمة وجود الذات المفكّرة التي أصبحت يقينا لديه، قال «ولهذا يلوح لي أني أستطيع منذ الآن أن أقرّ كقاعدة عامّة أنّ الأشياء التي أتصوّرها تصوّرا واضحا جدّا ومتميّزا جدّا هي صحيحة كلّها»([58]).

رغم صرامة الشكّ الديكارتيّ ودوره في زعزعة الحقائق المتميّزة بالبساطة والوضوح، إلّا أنّه يتلاشى، عندما يعي ديكارت أنّه موجود، وأنّه مدرك لهذا الوجود، وأنّه ليس سببا لوجود نفسه، وبالتالي يجب أن يكون هناك كائن خالق هو الذي أوجده، «وإنّي أتساءل إذن ممّن استفدت وجودي؟ قد أكون استفدته من نفسي أو من أبويّ أو من علل أخرى أقلّ من الله كمالا، فليس يمكن أن تتصوّر شيئا أكمل منه بل ولا كفؤا له»([59]).

يقرّ ديكارت بأنّ سبب وجوده لا يمكن أن يكون شيئا ناقصا أو مفتقرا إلى الكمال، وبالتالي فالإله الكامل هو سبب وجوده. وبما أنّه موجود، فالإله أيضا موجود. فالوالدان يمكن أن يكونا سببا لوجود هذا الجسم المادّيّ، لكنّهما لا يمكن أن يكونا السبب في النفس أو الروح.

للمزيد من الإثبات لوجود الإله وقدرته، يذهب ديكارت إلى أنّ الوجود عبارة عن المرور عبر لحظات الزمن، وهذا المرور يفترض القدرة على جعل الشيء الموجود في لحظة يستمرّ في الوجود في كلّ هذه اللحظات. وبما أنّ الإنسان ليس قادرا على إيجاد أيّ شيء يستمرّ، حاضرا في كلّ الأزمنة، فلا يمكن أن يكون هو السبب في استمرار وجوده في الزمن. وهو ما يقتضي وجود قدرة تدفع نحو الاستمرار والصيرورة والإيجاد في الزمان. وهذه القدرة غير متوفّرة لدى الإنسان.

لقد أصبح الإله في التصوّر الديكارتيّ، هو القدرة التي تجعل وجودي، ووجود الأشياء كلّها، مستمرّة في الزمن، وهي ليست حجّة لإثبات وجود الله فحسب بل كذلك على استمرار خلقه واستمرار العناية الإلهيّة([60]). فهو يعتقد أنّ الإله لم يخلق الإنسان والعالم في لحظة من الزمن ثمّ انتهى دوره، بل كان يؤمن بنظريّة الخلق المستمرّ الذي من خلاله نميّز بين الحركة المحدّدة هندسيا والعناية الالهية المحرّكة والفاعلة والأزليّة.

تظهر أصالة ديكارت كفيلسوف ميتافيزيقيّ «عندما يبحث، انطلاقا من الواقع، عن حقّه المطلق في عدم الشكّ بما قرّره أنّه حقّ حتّى ولو توقّف عن التفكير فيه، أي أنّه يريد أن يكتشف أزليّة الحقيقة عبر وجودها الحاضر، وأن يبني في الوجود نفسه أساس قوانين الفكر الرياضيّ»([61]). فالإنسان في نظر ديكارت لا يمكن أن يكون بمعزل عن الخطإ، إذا ما لم يكن الله قائما على مسلّماته ومرجعا لأفكاره.

2/ إثبات وجود الإله بدليل الكمال غير المتناهي: يفصل ديكارت بين نوعين من الوجود: الوجود الموضوعيّ، وهو الوجود المدرك في هذا العالم، والوجود الواقعيّ، وهي الصور التي نتخيّلها ولا تتمتّع بحضور مادّيّ، كالحصان الطائر، فهي مجرّد «حقائق صوريّة». أمّا الإله فلا يمكن إثبات وجوده حسب التصوّر الديكارتيّ بهذه «الأدلّة التقليديّة»[62]، فهو لا يملك وجودا حسّيّا، إلّا أنّه موجود، لأنّ من يتّصف بصفات الكمال يتمتّع بوجود أكثر موضوعيّة من الأشياء الموجودة بالفعل، لأنّها في النهاية ناقصة. وفكرة الخالق أكثر موضوعيّة من فكرة المخلوق، «وبناء على ذلك أجد على نحو ما أنّ فكرة اللامتناهي سابقة لديّ على فكرة المتناهي. أي أنّ إدراك الله سابق على إدراك نفسي.»[63].

وبذلك يبني ديكارت استدلاله حول الكمال اللامتناهي بالاعتماد على أنّ الخالق أكثر حقيقة من المخلوق، والكامل أكثر حقيقة من الناقص، والقادر أكثر حقيقة من ناقص القدرة، والعالم أكثر حقيقة من ناقص العلم والمعرفة، والمطلق أكثر حقيقة من المحدود. فكلّ الصفات التي يتّصف بها الإله من ورائها أسباب توجدها، ولا يمكن أن يكون الإنسان سببا فيها لأنّه موجود ناقص. فلا يمكن أن يكون سببا في فكرة الكمال. كما أنّ كلّ تلك الصفات يجب أن تعود بالأصل إلى علّة كافية وضروريّة وهي الإله ذاته الذي يتمتّع بصفات الكمال.

فالمعرفة والأخلاق لا تتحقّقان إلّا على أساس أنّ الله هو رمز الكمال الأسمى، لتصبح معرفته مصدر الحقّ والخير والفضيلة، فتتّجه له النفس مطيعة من خلال حبّها لمصدر الوجود ورمز الكمال، لأنّ من صفات الكمال الوجود. وإذا لم تكن فكرة الكمال تعود إلى كائن موجود بالفعل، فسوف تصبح فكرة ناقصة، وهو ما يتناقض مع مبدإ الكمال ذاته، وبالتالي فالكائن الكامل يجب أن يتمتّع بصفة الوجود الكامل، لأنّه لو افتقر إلى الوجود لأصبح غير كامل ويتحوّل إلى فكرة مجرّدة في الذهن.

ينتهي ديكارت من خلال هذا الدليل إلى إثبات وجود فكرة واحدة تتجاوز القدرة الإنسانيّة والارادة البشريّة، وهي فكرة الله باعتباره «جوهرا لا متناه، أزليّا، منزّها عن التّغيير، قائما بذاته، محيطا بكلّ شيء، وقادر على كلّ شيء، قد خلقني أنا وجميع الأشياء الموجودة إن صحّ أنّ هنالك أشياء موجودة»([64])، وهكذا «يبلغ استدلالي درجة من البداهة تجعلني أعتقد أنّ النّفس الإنسانيّة لا تستطيع أن تعرف ببداهة ويقين أكثر ممّا تعرف وجود الله، ويخيّل لي الآن أنّي اهتديت إلى طريق يصل بنا من تأمّل الإله الحق-الذي انطوت فيه كنوز العلم والحكمة جميعا- إلى معرفة الأشياء الأخرى في الكون»([65]).

تبرز أصالة الفكر الديكارتيّ في كونه جعل من وجود الكائن ‹›غير المتناهي» بمعناه الإيجابيّ، شرطا من شروط السلب والإنكار. وهو ما تتميّز به عقلانيّة القرن السابع عشر عامّة: «لغير المتناهي أولويّة أنطولوجيّة على المتناهي، رغم أنّ اليقين الأوّل، من حيث الترتيب الزمنيّ، هو يقيني من وجودي المتناهي»([66]).

3/الدليل الأنطولوجيّ: يعتبر هذا الدليل مواصلة لدليل الكمال الإلهيّ، فبما أنّه « من المحال أن يضلّني الله، إذ أنّ في الخداع أو الغشّ نقصا… فلا جرم أن تعمد المخادعة دليل على الضعف أو على الخبث، وهما أمران لا يمكن أن يوجدا في الله»[67]، يستخلص الدليل الأنطولوجيّ وجود الإله من فكرة الكائن الكامل، فهو يوحّد بين الفكر والوجود في وضعيّة الإله، من خلال النظر إلى الإله باعتباره فكرة مساوية للإله باعتباره وجودا حقيقيّا. وبذلك يصبح الفكر هو عين الوجود حسب المصطلح الكلاميّ، يتأسّس هذا الدليل على مسلّمة منطقيّة تذهب إلى أنّ كلّ ما هو ممكن ومقبول منطقيّا يمكن وجوده واقعيّا، فالعلاقة المنطقيّة التي تدرك بيقين وتميّز في الفكر يمكن وجودها واقعيّا خارج الفكر.

لم يخرج هذا الدليل من ذات السياق الديكارتيّ الذي يسلّم بوجود فكرة واضحة ومتميّزة لديه عن الكائن الكامل الذي لا يمكن أن يفتقد أو يحتاج إلى أيّ صفة بما فيها صفة الوجود. وبذلك يصبح من التناقض القول بفكرة الإله باعتباره الكائن الكامل دون تصوّر وجوده، لأنّ الكائن الكامل غير الموجود حقيقة يتناقض أصلا مع فكرة الكمال ذاتها، وبالتالي فإنّ الوجود جزء من مفهوم الإله، إذن الإله موجود، استنادا إلى « فكرة الله التي نعتبرها مباشرة بذاتها، أي بصرف النظر عن محدوديّتنا، وتلك الفكرة تكفي ذاتها بذاتها في كمالها الخاصّ، حيث الماهيّة عين الوجود»([68]).

إنّ البرهان الأنطولوجيّ هو حصيلة المقارنة «بين فكرة الله « وتلك الأفكار الأخرى الراسخة في ذواتنا باعتبارها أفكارا فطريّة منطقيّة ذات ماهيّات رياضيّة تملك طبائع ثابتة وصحيحة، «إذا كانت جميع النتائج التي حصلت عليها في «التأمّلات» غير صحيحة فإنّ يقيني من وجود الله، يبقى، في الأقلّ، معادلا في قوّته ليقيني من جميع الحقائق الرياضيّة»([69]).

ثالثا: الاستتباعات المعرفيّة الأنطولوجيّة لتصوّرات الفيلسوفين:

رغم القرائن والحجج المتعدّدة التي أوردها ديكارت لإثبات وجود الإله إلّا أنّ إلهه الفلسفيّ بقي شبيها بالمثل الأفلاطونيّة ولم يتحرّر من معارفها. فهو إله متعال، خارج العالم، صاحب إرادة مطلقة، يتدخّل متى يشاء للحفاظ على الحركة باعتبارها نظام العالم. لذلك لعب الكوجيطو الديكارتيّ دور المُثل على مستوى الفرد، من خلال الفصل بين النفس والجسد. فأصبح العقل يتحكّم في رغبات الجسد ويوجّه أفكاره، وهو ما أدّى إلى إغفاله كمصدر للتفكير. فلم يعد الإنسان كائنا عظيما بجسده وعقله بل بعقله ووعيه فقط. وهو ما يترتّب عليه فصل الذات عن جسدها وعالمها الخارجيّ وانكفائها على ذاتها، وبذلك لم يعد الوجود حصيلة التفكير والتأمّل، بل أصبح التفكير ضربا من الوجود.

ظنّ ديكارت من خلال تصوّره أنّه وفّر للفلسفة وللوجود «أرضيّة جديدة وآمنة، بيد أنّ ما تركه عند هذا البدء الجذريّ»([70])، هي مجموعة من الثنائيّات تشهد على عمق الانفصام في الوجود وفي ذات الإنسان.

لذلك رفض سبينوزا هذا الانفصام الديكارتي الذي يقول بالتعالي، سواء بين النفس والجسد أو بين الله والوجود، معتبرا أنّ الجسد جزء من الطبيعة ومن التفكير وأنّ الله محايث للطبيعة، اعتمادا على تصوّر جديد يقوم على وجود جوهر واحد هو الله أو الطبيعة، يتمتّع بصفات لامتناهية تعبّر عنه، وله أحوال لا متناهية، ولا تفسد هذه الوحدة الوجوديّة رغم تعدّدها، جاعلا من الطبيعة فكرة رياضيّة مستقلّة تملك الحقيقة في جوهرها، نافيا عنها كلّ تعال يوجد خارجها، يملك إرادة مطلقة تدفعه إلى الفعل والخلق بحرّيّة، خلافا للتصوّر الديكارتيّ المتعالي، لذلك أصبحت «فلسفة سبينوزا في جملتها لا تدرك إلّا من حيث هي نقد وسعي لتجاوز فلسفة ديكارت»([71])، أو ما يُسمّى بالزرع الديكارتي في المذهب السبينوزيّ.

ربط سبينوزا بين الضرورة والطبيعة الإلهيّة. إذ جعل من ماهيّة الطبيعة هي الضرورة. فهي نظام ثابت ليس فيها مجال للصدفة أو العرضيّة. وإنّما على العقل البشريّ أن ينظر إلى الوجود من خلال هاته الضرورة. فلا وجود للقوى الميتافيزيقيّة المتحكّمة في الطبيعة لأنّ قوانينها المعقولة متضمّنة فيها ويمكن للعقل الاهتداء إليها.

يكشف سبينوزا على أنّ العقلانيّة التي نشأت في القرن السابع عشر لم تعانق كافّة مجالات الحياة الإنسانيّة، وأنّ ديكارت العقلانيّ ناقض نفسه، ولم يسحب عقلانيّته على كلّ مناحي الوجود بل حصرها في مجال الطبيعة، دون أن يسير بها إلى مداها لتشمل الدين والكتب المقدّسة والأخلاق والسياسة، و»إنّ فكرة واضحة ومتميّزة لا تكفي، بل يجب المضيّ حتّى الفكرة المطابقة…وبيان كيفيّة توقّف المعرفة الحقيقيّة للمعلول»([72])، وهو ما دفع بالعديد من الفلاسفة إلى تمجيد ديكارت وانتقاده في الوقت ذاته لتقصيره في تعميم عقلانيّته.

يرفض سبينوزا الوقوف عند القول بالوضوح والتميّز بل يسعى إلى الوقوف عند العلل النهائيّة لتحقيق التطابق الكلّيّ بين الله والطبيعة، أي تحويل الوجود إلى وحدة وقوّة غير قابلة للاختزال والتجزئة، وأنّ الإنسان الكامل والأمثل هو الذي يلتزم بالإرادة والجهد والفعاليّة والقوّة وليس الضعف والجهل والارتكاسيّة. إنّ هذا التباعد بين الرجلين يوحي بوجود «صلة بين الصراع الذي خاضه سبينوزا ضدّ ديكارت، والصراع الذي خاضه دنس سكوت Duns Scot([73]) ضدّ توما الأكويني»([74]).

يبرز عداء سبينوزا للديكارتيّة في رفضه لعمليّة اختزال الوجود التي أثقلت كاهل الأنطولوجيا الوسيطة بثنائيّاتها. فأسّس نسقا يجمع بين «نظام العلّة الصوريّة ونظام الوجود اللذيْن تتوافق تعدّديّة أحدهما توافقا كاملا مع بساطة الآخر»([75])، لذلك وجد في التصوّر السينويّ والأكبريّ ما يستجيب لحاجته بجمعه بين واجب الوجود والوجود. إذ جعل واجب الوجود واجدا للوجود، والوجود كضرب من التجلّي. فهو آيات وعلامات على واجب الوجود. وبذلك يستمرّ سبينوزا في نقل الوجود من مرحلة الوجود الصوريّ المنفصم إلى مرحلة الوجود الحقيقي المتوحّد والمنسجم، المبنيّ على أسس عقليّة وطبيعيّة ليعلن سبينوزا بذلك عن أفول الثنائيّة وتلاشي أفق الأنطولوجيا الديكارتيّة وإرثها الميتافيزيقيّ. فهل سنصل مع سبينوزا إلى «الدرب الآمن» للتحليل الأنطولوجيّ واستعادة السؤال الحقيقيّ حول الوجود من خلال تجاوز الميتافيزيقا بما هي نسيان للوجود وتحقيق محاورة أصيلة للفلاسفة بدءا بالإغريق كما يرى هيدغر حتّى تحافظ الفلسفة على خصوبتها الأبديّة؟

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

 


المراجع:

– ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبدالله)، الشفاء – الإلهيات، راجعه وقدّم له: إبراهيم مذكور، تحقيق: الأب قنواتي و سعيد زايد، 1404هـ.

– ابن منظور (أبو الفضل محمد بن مكرم)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، ط3، 1414ه.

– ابن ميمون (موسى)، دلالة الحائرين، ترجمة وتقديم حسين آتاي، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، د.ت.

– الأكويني (توما)، الخلاصة اللاهوتية، ترجمة الخوري بولس عواد، المطبعة الأدبية، بيروت، 1881.

– أوغسطين (القديس) – أنسليم (القديس) – توما الأكويني، نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة حسن حنفي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط2، 1978.

– برهييه (اميل)، تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط والنهضة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1986.

– الحاج (كمال يوسف)، رينه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط1، 1954.

– دولوز (جيل)، سبينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة أنطوان حمصي، أطلس للنشر والتوزيع، ط1، 2004.

– دولوز (جيل)، الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، مراجعة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009.

– ديكارت (رينه)، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، المركز القومي للترجمة، 2009.

– ديكارت (رينه)، انفعالات النفس، ترجمة وتعليق وتقديم، جورج زيناتي، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1993.

– ديكارت (رينه)، مقال عن المنهج، ترجمة محمود الخضيري، مراجعة وتقديم: محمد مصطفى حلمي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1985.

– سبينوزا (باروخ)، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس، د.ت.

– سعيّد (جلال الدّين)، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998.

– طرابيشي (جورج)، معجم الفلاسفة (الفلاسفة – المناطقة – المتكلّمون – اللاّهوتيون – المتصوّفون)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 2006.

– عويضة (كامل محمد كامل)، أوغسطين فيلسوف العصور الوسطى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1993.

– فارس (فايز)، الأخلاق المسيحية، دار الثقافة، د.م.ن، 1992.

– لاندو (روم)، الإسلام والعرب، ترجمة منير البعلبكي، بيروت، 1962.

– لويس (جنفياف روويس)، ديكارت والعقلانية، ترجمة عبده الحلو، منشورات عويدات، بيروت / باريس، ط4، 1988.

– الموسوعة الكاثوليكية، نشرة روبرت أبلتن، نيويورك، 1913.

– موسوعة لالاند الفلسفيّة، ترجمة: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت / باريس، ط1، 1996.

– هيدغر (مارتن)، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2012.

– Deleuze, Gilles, Spinoza et le problème de l’expression, Éditions de Minuit, Paris, 1968.

– Descartes (René), Meditations on Metaphysics, in the Philosophical works of Descartes, Translated by Elizabeth Haldane and G.R.T. Ross, Cambridge University Press, London, 1975.


 

[1] – الأنطولوجيا L’ontologie: قسم من الفلسفة يُعنى بتأمّل «الوجود بما هو موجود» على حدّ عبارة أرسطو، قال دالميار (D’Alembert) في الفقرة 71 من الخطاب التصديريّ للموسوعة (L’Encyclopédie): «لمّا كان للكائنات الروحيّة والكائنات المادّيّة بعض الخاصّيّات العامّة كالوجود والإمكان والديمومة، كان فحص هذه الخاصياّت يشكّل أوّلا ذلك القسم من الفلسفة الذي تستمدّ منه كلّ الأقسام الأخرى جزءا من مبادئها، إنّا نسمّية الأنطولوجيا، أو علم الوجود، أو الميتافيزيقا العامّة». انظر: سعيّد، جلال الدّين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفيّة، دار الجنوب للنّشر، تونس، 1998، ص67.

[2] – الأكويني، توما القدّيس، D’Aquin, Thomas Saint (1224-1274م): فيلسوف ولاهوتيّ من أصل إيطاليّ، كتب باللاتينيّة، لقّب بـ»المعلّم الجامع» للكنيسة، وكذلك بـ»المعلّم الملائكيّ»، انظر: طرابيشي، جورج، معجم الفلاسفة (الفلاسفة-المناطقة- المتكلّمون- اللاّهوتيّون- المتصوّفون)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 2006، ص 241.

[3] – رينه ديكارت (René Descartes): فيلسوف محدَث ورياضي (1596-1650م).

[4] – الوجود-الكيان، L’existence – L’être: هو تحقّق الشيء في الذهن أو في الخارج، ومنه الوجود المادّيّ أو في التجربة، والوجود العقليّ أو المنطقيّ. وعند المدرسيّين، الوجود مقابل للماهيّة أو الذات باعتبار أنّ الماهيّة هي الطبيعة المعقولة للشيء وأنّ الوجود هو تحقّقه الفعليّ. والوجود بالذات أو القيوميّة (Aséité) اصطلاح مدرسيّ يطلق على الله الذي وجوده من ذاته: ويقابله الوجود بالغير أو الافتقاريّة (Abaliété). انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفيّة، م س، ص482.

[5] – الموسوعة الكاثوليكية، نشرة روبرت أبلتن، نيويورك، 1913، مادة «ابن رشد».

[6] – الخلاصة اللاهوتيّة: «Summa Theologiae» للقديس توما الأكويني الأستاذ الملكي، يتكوّن من خمسة أجزاء، ترجمه من اللاتينيّة إلى العربيّة الخوري بولس عواد مدرّس البيان في مدرسة الحكمة المارونيّة وكاتب أسرار القصادة الرسولية في سورية، تمّ طبعه بالمطبعة الأدبية في بيروت سنة 1881.

[7] – الأكويني (توما)، الخلاصة اللاهوتيّة، ترجمة الخوري بولس عواد، المطبعة الأدبية، بيروت، 1881، ص 29.

[8] – نفسه.

[9] -المبدأ- Le principe: هو عموما ما يكتشف الفكر، في نهاية تحليله، أنّه الأوّل والأصل، أو ما يضعه كقاعدة ينطلق منها في تمشّيه التأليفي، والمقصود بالمبدإ، من جهة موضوعيّة، أي من جهة الأشياء هو بالمعنى: الزمانيّ، الأنطولوجيّ، السببيّ، المنطقيّ، الابستيمولوجيّ، الأخلاقيّ. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص 408.

[10] – الاستدلال (Le raisonnement): هو استنباط قضيّة من قضيّة أو من عدّة قضايا أخرى، أو هو حصول التّصديق بحكم جديد مختلف عن الأحكام السابقة التي لزم عنها: أو هو تسلسل عدّة أحكام مترتّبة بعضها على بعض، بحيث يكون الأخير منها متوقّفا على الأوّل اضطرار. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص35.

[11] – الخلاصة اللاهوتية، م س، ص 30.

[12] – م ن، ص ص 32-34.

[13] – م ن، ص32.

[14] – أبو علي الحسين بن عبدالله ابن سينا، ( 370 ه- 980م/ 428 ه1037م). طبيب وفيلسوف ومنطقي ورياضي، أهمّ مؤلّفاته: الشفاء – الإلهيات، المبدأ والمعاد، مختصر المجسطي، القانون في الطب، والحاصل والمحصول. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 26.

[15] – واجب الوجود- L’être nécessaire: هو الذي يستمدّ وجوده من ذاته ولا يحتاج إلى شيء آخر كي يوجد، كما أنّ وجوده ضروريّ وعدم وجوده محال، وتطلق هذه العبارة في الغالب على الله. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص 479.

[16] -ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبد الله)، الشفاء-الإلهيات، راجعه وقدّم له: إبراهيم مذكور، تحقيق: الأب قنواتي وسعيد زايد، 1404هـ، ج1، ص 184.

[17] – أرسطو (384-322 ق.م): من نوابغ النظر العقلي في تاريخ الفكر اليوناني، من أهم مؤلفاته: ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا)، الأخلاق النيقوماخيّة، مسائل هوميرية… انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص54.

[18] – الخلاصة اللاهوتية، م س، ص32.

[19] – م ن، ص 33.

[20] – م ن، ص 34.

[21] – نفسه.

[22] – دولوز (جيل)، س??????بينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة أنطوان حمصي، أطلس للنشر والتوزيع، ط.1، 2004، ص28.

[23] – باروخ سبينوزا أو بندكتس (Spinoza, Baruch ou Bénédictus) (1632-1677)، أهم مؤلّفاته: رسالة في إصلاح العقل، واللاهوت والسياسة، والأخلاق. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 359.

[24] – أوغسطين (القديس) – أنسليم (القديس) – توما الأكويني، نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة حسن حنفي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط2، 1978، ص 202.

[25] – طبيب ولاهوتي وفيلسوف يهودي من إسبانيا، (1135-1204م). من أهم مؤلّفاته: الشريعة الثانية، دلالة الحائرين. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 34.

[26] – إن التّشجير اللغوي لِكلمة عرفان تعود إلى فعل «عرف» الذي يقول فيه ابن منظور: «عرف: العرفان: العلم… عرفه، يعرفه، عرفة وعرفانا وعرفّانا ومعرفة واعترفه… ورجل عروف: وعروفة: عارف يعرف الأمور، و لا ينكر أحدا رآه مرّة… والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم…والجميع عرفاء»، وبذلك يساوق فعل «عرف» فعل «علم»، لتصبح المعرفة بالشّيء هي العلم به وإدراك معناه مع حفظ الاختلاف بين اللّفظين حسب السّياق والمعنى والدقّة والضّبط، انظر: ابن منظور، (أبو الفضل محمد بن مكرم)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، ط3، 1414، مادّة: عرف، المجلد الرابع.

[27] – ابن ميمون (موسى) القرطبيّ الأندلسيّ، دلالة الحائرين، ترجمة وتقديم حسين آتاي، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، د.ت. ص 67.

[28] – م ن، ص 68.

[29] – أعظم فيلسوف في العصور القديمة، وربّما في الأزمنة قاطبة، ولد نحو عام 427 ق.م من أسرة ارستقراطية أثينيّة، وتوفي نحو عام 347. مؤسّس الأكاديمية التي عمّرت تسعة قرون، لديه العشرات من المحاورات، أهمّها: الجمهورية، السياسي، القوانين. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 71.

[30] – فيلسوف يوناني، ولد في الأرجح عام 203 م، ومات عام 270 م.

[31] – هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، (330 هـ/941 م، 230هـ/950م)، مؤلفاته: كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين (أفلاطون وأرسطو)، إحصاء العلوم، كتاب السياسة المدنيّة (المعروف باسم مبادئ الموجودات)، فلسفة أرسطوطاليس، كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، كتاب الحروف، فصوص الحكم. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 450.

[32] – الإشراق عند ابن عربي هو «نكاح النّور للظلمة» (الفتوحات، ج4، ص224)، والمقصود عند الأكويني هو النّور الذي يقذفه الله في العقل فيهتدي الانسان إلى ربّه من خلال تفكيره العقلي.

[33] – فيلسوف أنقليزي (1632-1704م)، درس الأدب والفلسفة ثمّ الطب،…مؤلّفه الرئيسي: محاولة في الفهم البشري.

[34] – الأكبري: نسبة إلى محيي الدّين بن عربي، الملقّب بـ»الشيخ الأكبر».

[35] – الجهد هو لحظة اتّحاد الانفعالات بالعقل، يقول سبينوزا: «لا يعدو أن يكون الجهد الذي يبذله كلّ شيء من أجل الاستمرار في كيانه غير ماهيّة ذلك الشّيء الفعليّة». سبينوزا (باروخ)، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس، د.ت، ج 3، ق12، ص 175.

[36] – فارس (فايز)، الأخلاق المسيحيّة، دار الثقافة، د. م. ن، 1992، ج2، ص 230.

[37] – الفخر الرازي «المباحث المشرقيّة»، القطب الرازي «شرح المطالع»، سعد الدّين التفتازاني «المقاصد»، الملاّ صدر الدين الشيرازي «الأسفار الأربعة «، القدّيس توما الأكويني «الماهيّة والوجود».

[38] – المدرسيّة – La Scolastique: هي التعليم المدرسي الذي نشأ ونما في المدارس الكنسية والجامعات الأوروبيّة بين القرن التاسع والقرن السابع عشر للميلاد، وأهمّ ما يمتاز به هذا التعليم ارتباطه بعلم اللاهوت، ورفضه التشكيك في العقيدة الدينية، وتوفيقه بين الوعي والعقل، واعتماده في البحث طرق القياس البرهاني وتفسير النصوص القديمة ولاسيما نصوص أرسطو. أمّا المحور الأساسي الذي كانت تدور حوله المجادلات المدرسية فيتعلّق بقضيّة «الكليّات»، أي بقضية واقعية أو لا واقعية الأفكار العامة أو الكلية. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص 418.

[39] – لاندو (روم)، الإسلام والعرب، ترجمة الأستاذ منير البعلبكي، بيروت، 1962، ص 218.

[40] – الماهية (الذات) (La quiddité (L’essence: ماهية الشيء هو هو وتطلق الماهيّة على الشيء الذي، من حيث أنّه مقول في جواب «ماهو» يسمى ماهية، ومن حيث امتيازه عن الأغيار هويّة، ومن حيث حمل اللّوازم له ذاتا، ومن حيث يستنبط من اللفظ مدلولا، ومن حيث أنّه محلّ الحوادث جوهرا» والماهية مقابلة للوجود، باعتبارها مكوّنة لطبيعة الشيء وسابقة لوجوده. أمّا عند جان بول سارتر (JP. Sartre) فالوجود، بالنسبة للإنسان، يسبق الماهيّة، باعتبار أنّ الإنسان يوجد أوّلا قبل أن يكون شخصيّة وينحت كيانه. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص406.

[41] – فيلسوف يوناني، عاش في نهاية القرن السادس ق.م. وجد حظوة لدى أغلب الفلاسفة وخاصّة أفلاطون. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 138.

[42]– هيدغر (مارتن)، الكينونة والزّمان، ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتّحدة، بيروت، ط.1، 2012، ص67.

[43]– نفسه.

[44] – أبو بكر محمد بن علي محيي الدين، الملقّب بـ»الشّيخ الأكبر»، و»الكبريت الأحمر» (1165/560هـ-1240/638 هـ). يناديه مريدوه بـ»محيي الدين»، وقد درس في إشبيلية وقرطبة، وارتحل إلى المشرق العربي؛ حيث أقام إلى حين وفاته. من أهمّ مؤلفاته: الفتوحات المكيّة، وفصوص الحكم، وترجمان لأشواق. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 32.

[45]– برهييه (اميل)، تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط والنهضة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1986، ص 171.

[46] – ديكارت (رينه)، التأمّلات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، المركز القومي للتّرجمة، 2009، ص 175. (من مقدمة المترجم).

[47] – المنطق المدرسي: نما بين القرن التاسع والقرن السابع عشر للميلاد.

[48] – ديكارت (رينه)، انفعالات النفس، ترجمة وتعليق وتقديم، جورج زيناتي، دار المنتخب العربيّ للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1993، ص 7.

[49] – ديكارت (رينه)، مقال عن المنهج، ترجمة محمود الخضيري، مراجعة وتقديم: محمد مصطفى حلمي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1985، ص 190.

[50] -Descartes (René), Meditations on Metaphysics, in the Philosophical works of Descartes, Translated by Elizabeth Haldane and G.R.T. Ross, Cambridge University Press, London, 1975, Vol. I, p. 185.

[51] – المنهج (الطريقة)، La méthode: الطريقة أو المنهج هو السلوك النظري أو العملي الذي ينبغي أن نتوخاه من أجل بلوغ غاية محدّدة. وعندما نتحدّث عن المنهج الخاص بعلم من العلوم، فإنّ ما نعنيه هو إمّا الطريقة المتوخّاة في هذا العلم والتي يمكن استجلاؤها بالنظر فيه ودراسته، أو جملة المبادئ العامة المحدّدة لخصوصية البراهين والاستدلالات والتجارب المستعملة في هذا العلم، أو أيضا الطرق والسبل التي يمكن توخّيها إذا ما أردنا الحصول على معلومات إضافيّة في هذا العلم. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص 450.

[52] – الحاج (كمال يوسف)، رينه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط1، 1954، ص 180.

[53] – Meditations on Metaphysics, Op. Cit., vol. I, p.148.

[54] – الكوجيطو-Le Cogito: لفظ لاتيني معناه: «أنا أفكّر» ويشار بهذا اللّفظ إلى قول ديكارت «أنا أفكّر إذن فأنا موجود» (Cogito argo sum) ومعنى هذا القول إثبات وجود النّفس من حيث هي موجود مفكّر والبرهنة على وجودها بفعلها الذي هو الفكر، لأنّ التّفكير يفترض الوجود، والكوجيطو ليس استدلالا حقيقيّا، رغم أنّ منطلقه استدلاليّ، إذ هو حدس يكشف عن حقيقة أوليّة لا يتطرّق إليها الشكّ، بل الشكّ نفسه ضرب من ضروب التّفكير وهو بالتّالي دليل على وجود الفكر. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، م س، ص 384.

[55] – القديس أوراليوس أوغسطينوس، أحد آباء الكنيسة اللاتينية خلال القرن الرابع ميلادي، أهم مؤلفاته: الردّ على الأكاديميّة، والأسس العقليّة للإيمان، والاعترافات. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 117.

[56] – عويضة (كامل محمد كامل)، أوغسطين فيلسوف العصور الوسطى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1993، ص46.

[57] – التأمّلات في الفلسفة الأولى، م س، ص 132.

[58] – م ن، ص 132.

[59] – م ن، ص 157.

[60] – العناية الالهيّة «فعل يمارسه الله على العالم، بوصفه إرادة تقود الأحداث إلى غايات»، انظر: موسوعة لالاند الفلسفيّة، ترجمة: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت / باريس، ط1، 1996، 2/1064.

[61] – لويس (جنفياف روويس)، ديكارت والعقلانيّة، ترجمة عبده الحلو، منشورات عويدات، بيروت / باريس، ط4، 1988، ص48.

[62] – م ن، ص49.

[63] – التأمّلات في الفلسفة الأولى، م س، ص 153.

[64] – التأملات في الفلسفة الأولى، م س، ص 152.

[65] – م ن، ص 177.

[66] – ديكارت والعقلانية، م س، ص 53.

[67] – التأملات في الفلسفة الأولى، م س، ص 178.

[68] – ديكارت والعقلانية، م س، ص 56.

[69] – من رسالة إلى Mersenne أفريل 1630.

[70]– الكينونة والزمان، م س، ص59.

[71] – Deleuze, Gilles, Spinoza et le problème de l’expression, Éditions de Minuit, Paris, 1968, p 147.

[72] – سبينوزا ومشكلة التعبير، م س، ص 129.

[73] – دنس سكوت (1266 – 1308) كافح طوال حياته في سبيل منح الفلسفة المسيحية توازنا جديدا كان أخل به إدخال الأرسطو طاليسية العربية إلى الفكر الغربي. انظر: معجم الفلاسفة، م س، ص 287.

[74] – دولوز (جيل)، الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، مراجعة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص 114.

[75] – م ن، ص 47.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.