منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسفة “الأخلاق البيئية” وبناء مفهوم “التربية البيئية”

د. جمال الدين ناسك

0

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

لقد شكلت العقلانية الحداثية الصارمة، بمختلف تشكيلاتها الفلسفية المذهبية، الحديثة والمعاصرة، المرجعَ المعرفي لحركة الإنسان ونشاطه، وأضحت الرؤية الفلسفية المفسرة لفعله في المشهد الطبيعي؛ بما أفضى إلى تفرد الإنسان، وتمركزه حول مقوماته ومطالبه ونزواته وانشغالاته، وتقديس الذات “البشرية” واعتبارها قيمة القيم، وذلك على حساب المكونات الأخرى التي تشاركه العالم الطبيعي؛ بما أنها غذت مجرد مصادر أو وسائل لإشباع تلك الرغبات والحاجات، متمثلا المقولة الفلسفية السوفسطائية القديمة: “الإنسان مقياس كل شيء”، والتي كان من مآلاتها الجموح الإنساني الهائل لاستغلال الطبيعة واستنزافها، في تحلل تام من كل القيم والأخلاق التي تستلزمها علاقة الإنسان بها.

وقد نتج عن هذه الروح نشوء نموذج معرفي “لا أخلاقي” هيمن على المنهج العلمي الحديث، وذلك بفعل تحالف العلم مع التقنية؛ والذي تتلخص أهم مبادئه في استبعاد كل اعتبار أخلاقي في البحث العلمي، عملا بمبدأ “أن كل ما كان ممكنا وجب صنعه”[2]، مما كان من نتائجه المباشرة تقرير سيادة الإنسان المطلقة على الطبيعة، الأمر لذي أفضى إلى “كارثة بيئية” غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية، منذرة بقرب نهاية “الاستثناء البشري” على حد تعبير الفيلسوف المعاصر جون ماري شيفر.

لتجاوز هذا المآل الكارثي؛ فقد تداعت النظريات “الفلسفية الإيكولوجية المعاصرة” منذرة بمآلات النسق الحداثي التقني، في إطار وعي فلسفي نقدي وإنقاذي، ومتسلح بالاعتبار القيمي الأخلاقي التقويمي لأعطاب الحداثة ونتائجها، وذلك من أجل إعادة ترتيب وضع الإنسان في الطبيعة وتحديد دوره فيها.

على هذا، تسعى هذه الورقة إلى مقاربة هذه الفلسفات الإيكولوجية المعاصرة من خلال بيان طبيعة مشروعها النقدي ومبادئها المؤسسة، وأطروحات مدارسها الأخلاقية المختلفة.

المبحث الأول:

المطلب الأول: “الفلسفة البيئية”؛ النقد الفلسفي الأخضر للحداثة

من أجل فهم عميق ومتكامل لـ”المسألة البيئية”، بما تحيل عليه من دلالات أبعد من المظهر المادي للتدهور البيئي[3]، سعيا لدرء عواقبه ومآلاته ؛ فقد تدرج التفكير فيها بثلاث مراحل أساسية:

  • مرحلة الدراسة العلمية الخالصة المدعوة بـ”اخضرار العلوم الطبيعية”؛ المتمثلة في “تلون العلوم الطبيعية بالمفاهيم والأفكار المستعارة من الإيكولوجيا من جهة، واستعانة البحوث البيئية بهذه العلوم من جهة أخرى”[4]، حيث طُبعت هذه المرحلة بميلاد “علم البيئة” كجزء من “البيولوجيا”، قبل أن يستقل عنها موضوعا ومنهجا.
  • مرحلة اهتمام العلوم الإنسانية بالمشكلة البيئية، أو مرحلة “اخضرار العلوم الإنسانية”؛ وذلك بإدخال عنصر “القيم والأفكار” لتفسير أعمق وأشمل لحقيقة العلاقة بين الإنسان ومحيطه البيئي. وقد أسفر هذا التزاوج بين حقل المعرفة بالإنسان (العلوم الإنسانية) بـ”علم البيئة” عن نشوء فروع معرفية جديدة، تتداخل في إطارها العلوم الإنسانية بالمفاهيم البيئية.
  • وأخيرا، مرحلة “الاهتمام الفلسفي” بالأزمة البيئية، لتجاوز خطر تشظية حقيقة الظاهرة البيئية عندما تتنازعها حقول معرفية مختلفة، تُنتج تحليلات وحقائق مجزأة عن هذه الظاهرة؛ وذلك بـ”إيجاد مفهوم موحد يمتلك القدرة على تركيب هذه المعارف الجزئية في حقيقة قابلة للتأمل والفهم، وبالتالي للنقد بكل ما يحمله من احتمالات”[5].

وبذلك فقد أسهمت “الفلسفة البيئية”، التي تبلورت أغلب تياراتها ومدارسها في النصف الثاني من القرن العشرين، في تعميق فهم الإنسان لـ”القضية البيئية”، ببيان حقيقة “المشكلة البيئية” الناشئة عن اضطراب العلاقة بين الإنسان والطبيعة. لكن جوهر الوظيفة التي تضطلع بها “الفلسفة البيئية”، بجميع تياراتها الجذرية والإصلاحية الإنسانية؛ تكمن في التأصيل النظري لهذه الأزمة بردها إلى اللحظة الفلسفية التي ميزت عصر النهضة في القرن السابع عشر، تحديدا على يد الفلسفة العقلانية الديكارتية الباعثة للثورة الصناعية في أوروبا؛ التي تقوم على “مركزية الإنسان، أو نظرية الجوهرين؛ الأنا المفكر[6] والمادة الممتدة، وعنها انبثقت ثنائيات عدة: الأنا مقابل العالم، والعقل مقابل الطبيعة، والذات مقابل الموضوع، هذه الثنائيات وضعت الإنسان في المقدمة، في حين جعلت الطبيعة في المرتبة الأدنى”[7]، وبالتالي اعتبار الإنسان مركز الكون وسيده دون منازع، وأنه الأفضل في سلم الموجودات الكونية. ومن ثم؛ فإن الإنسان وحده يملك مطلق الحرية في التصرف والهيمنة على الطبيعة، وتطويعها لخدمته، مادامت هي مجرد “آلة هائلة” مهيأة لإشباع رغباته؛ إذ “يكفي تفكيكها إلى أجزائها كي نمتلك معرفتها، وبالتالي نقدر على السيطرة عليها، والتحكم بها وتوجيهها نحو ما نريد من غايات”[8].

وقد تكفل العلم الكلاسيكي، وأساسا “ميكانيكا نيوتن” المتحذرة من العقلانية الديكارتية؛ بترجمة هذه الفكرة إلى حقيقة واقعية كانت فاتحة عهد “الثورة الصناعية”، وأساس التقنية التي هيمنت على الغرب الأوروبي الصناعي طوال القرون: السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر الميلادية، ومنه تعدت إلى سائر العالم. بهذه “الرؤية للعالم” انطلق عصر الحداثة الغربية، يبشر بحقبة جديدة يهيمن فيها الإنسان على الطبيعة، ويسود على جميع ما فيها من الكائنات الحية وغير الحية (Age of man).

وقد كان هذا النقد الفلسفي البيئي للعقلانية الكلاسيكية، ونتائج الحداثة الغربية المدمرة للطبيعة؛ منطلقا لطرح المشروع الفلسفي الإنقاذي لـ”الفلسفة البيئية”، الذي يتلخص في إزاحة الإنسان عن مركزيته، وذلك بتركيزها على “أخلاقيات احترام الطبيعة”، والاعتراف بكينونتها المستقلة ونظامها الداخلي الخاص، ومن ثم فإنها تؤكد على حتمية الانسجام والتوافق مع نظمها البيئية بطرح عقلية الجشع، والاستهلاك النهم لمقدراتها.

وقد لخص الفيلسوف البيئي هنريك سكوليموفسكي[9]، في مقال متميز المبادئ المؤسِسة للفلسفة البيئية بقوله: “إن المفهوم الذي يشغل من الفلسفة الإيكولوجية مركزَها هو “العالَم كحَرَم”. وهذا المفهوم بمثابة بديل عن الرؤية النيوتنية “للعالم كآلة”. هذه النظرة الجديدة إلى العالم تشدِّد على الطبيعة الفريدة، النفيسة، والقدسية لكوكبنا. وجميع المبادئ الأخرى للفلسفة الإيكولوجية مشتقة من هذا المبدأ.

المبادئ الأساسية الخمسة للفلسفة الإيكولوجية هي الآتية:

1- العالَم حَرَم[10].

2- إجلال الحياة هو قيمتنا المرشدة.

3- الوَفْرة شرط مسبق للسعادة الداخلية.

4- الروحانية والعقلانية لا تستبعد أيٌّ منهما الأخرى، بل تتكاملان.

5.- من أجل أن نشفي الكوكب يجب أن نشفي أنفسنا.”[11].

ومن ثم فإن الفلاسفة البيئيين؛ حريصون على التأكيد على أن النقد الفلسفي البيئي ليس موجها ضد العقلانية، ونتائجها العلمية والتقنية بشكل عام، ولكن القصد هو تجاوز الرؤية الفلسفية التي تؤطرها والمتمركزة حول الإنسان، ببناء عقلانية جديدة متنورة بالمعرفة الإيكولوجية، ولا تستبعد الشرط الروحاني “الميتافيزيقي”، خلاف ما كان سائدا في الفلسفة المادية الحديثة، كما يؤكد ذلك الفيلسوف والفيزيائي المعاصر فريجوف كابرا: “بما أن الفصل الديكارتي بين العقل والمادة قد هيمن على المجتمع الصناعي الحديث الذي ساده الأنموذج الإرشادي الميكانيكي طوال ثلاثمائة عام، فإن هذه الرؤية الجديدة التي تغلبت أخيرا على الفصل الديكارتي لن تكون لها نتائج علمية وفلسفية بالغة الأهمية فحسب، بل أيضا تزخر بمضامين عملية هائلة، إنها ستغير الطريقة التي نرتبط بها بعضنا مع بعض ومع بيئتنا الطبيعية الحية، والطريقة التي نتعامل بها مع شؤوننا الصحية، والطريقة التي نتصور بها مؤسساتنا العاملة، ومنظوماتنا التربوية، والكثير من معاهدنا ومؤسساتنا السياسية والاجتماعية”[12].

في حين يرى البعض؛ أن “الفلسفة البيئية” تندرج في سياق الفلسفات الطبيعيةLes Naturalismes المألوفة في تاريخ الفلسفة والتي نجد آثارها لدى العديد من الفلاسفة المعاصرين؛ أمثال سيرج موسكوفيتشي Serge Moscovici الذي يدعو إلى إعادة تحديد العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهانز يوناس Hans Jonas الذي يركز على مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة (كما سنبين لاحقا)، فيما يدعو ميشال سير Michel Serres إلى وضع “عقد طبيعي”، أو “عقد بيئي”؛ يحدد لنا واجباتنا تجاه الطبيعة والأحياء، ويحدث تجديدا في علاقة الإنسان بالبيئة وأنظمتها، على غرار “العقد الاجتماعي” الذي نادى به جان جاك روسو في القرن الثامن عشر.[13]

بقي أن نشير إلى أن “الفلسفة البيئية” يصنفها المهتمون إلى ثلاثة حقول رئيسة[14]؛ في مقدمتها حقل “الأخلاق البيئية”، التي تؤكد على محورية “البعد الأخلاقي” في نقد الحداثة الغربية بصفة عامة، والنقد الفلسفي البيئي بصفة خاصة، وهذا ما سنحاول بيانه في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: “الأخلاق البيئية”؛ النقد الأخلاقي للحداثة في الفكر الغربي

يعزى ظهور مصطلح “الأخلاق البيئية” إلى الفيلسوف الأمريكي المعاصر آلدو ليبولد[15] (Aldo Leopold) في كتاب نشر له العام 1949م بعنوان “A Sand County Almanac”، انتقد فيه الرؤية الفلسفية السائدة في الفكر الغربي؛ القائمة على “المركزية البشرية”[16]، التي تعتبر الطبيعة مجرد أداة مستباحة للطموح الإنساني بلا حدود ولا قيود. لذا فإنه يؤكد، في المقابل، على الوحدة النظامية العامة للطبيعة المتمثلة في الأرض، والحاضنة لنظم بيئية جزئية تتمتع بالاستقلال والانسجام الداخلي؛ فـ “مع بروز السبرانية ونظرية المنظومات العامة في النصف الثاني من القرن العشرين، أدخل العلماء مصطلح المنظومة البيئية ليدل على مجتمع من الكائنات الحية وبيئتها المادية يتفاعلان كوحدة متكاملة غير قابلة للاختزال. وأصبح كوكب الأرض هو المنظومة البيئية الشاملة التي تعشِّش ضمنها المنظومات القطاعية وتترابط فيما بينها على نمط شبكي”[17]، لذلك يجب اعتبار الإنسان جزءا من هذه المنظومة البيئية، ومن ثم فهو ملزم بواجبات أخلاقية تجاهها قوامها الاحترام والرفق، والاعتراف بالكينونة المستقلة للكائنات التي تؤثث هذا الوجود الطبيعي. من هذا المنطلق تؤكد فلسفة “الأخلاق البيئية” أنه؛ “يمكن إنهاء الأزمة البيئية عندما نتحدى المعايير الأخلاقية للمركزية البشرية، ونوسع الاعتبارية الخلقية لتشمل الكائنات غير البشرية”[18].

وقد شكلت هذه الدعوة خلخلة لمفاهيم “الفلسفة الأخلاقية” التقليدية؛ التي تركز على الدراسة الفلسفية للقيم والمعايير الأخلاقية لفعل الإنسان بين بني جنسه فقط، لنهوضها على “الشخص” كمفهوم أخلاقي؛ بما يتصف به من صفات الوعي والإرادة والمسؤولية وحرية الاختيار، هذه الرؤية التي تقودنا إلى مفهوم “المركزية البشرية” التي تَعتبر فعل الإنسان متصفا بمعايير “القيم والأخلاق” مادام محققا لـ”الكرامة الشخصية” لهذا الكائن دون سائر الكائنات الأدنى[19]؛ فـ”الخير” و”الشر”، مثلا، تتحدد قيمتهما الأخلاقية على أساس ما يتحقق للإنسان من “متعة” أو “ألم” في “المذهب النفعي”، وبموجب هذه النظرة النفعية؛ فعلى الأفراد أن يتصرفوا بالكيفية التي تجلب لهم أكبر قدر من السعادة، وأقل قدر من التعاسة.

لتجاوز هذه الرؤية؛ تطرح “الأخلاق البيئية” الأسئلة الأخلاقية الآتية:

  • هل الإنسان وحده هو الأجدر بالاحترام والاعتبار الخلقي؟
  • وهل الواجبات الأخلاقية مقصورة حصرا على الكائنات البشرية؟
  • ألا توجد كائنات أخرى غير البشر ذات قيمة أخلاقية في ذاتها هي أهل للاحترام؟[20]

للإجابة عن هذه التساؤلات؛ تنطلق فلسفة “الأخلاق البيئية” من التأكيد على ضرورة إعادة النظر في وضع الإنسان داخل الكون، وذلك بإزاحته عن المركزية التي بوأته إياها “الفلسفة العقلانية” لعصر النهضة الأوروبية بنزعتها الإنسانية، وإفرازاتها الفلسفية المتمثلة في الحداثة بشقيها الفلسفي والتقني الصناعي، حيث أصبح الإنسان وفق رؤية “الأخلاق البيئية” مجرد نوع بيولوجي (وليس شخصا كما تقدم)، يتساوى مع الأنواع الحيوية الأخرى؛ بمعنى الانتقال من “المركزية البشرية” إلى “التمركز حول الحيوية”[21] (Biocentrique)، مؤذنة بــ”نهاية الاستثناء البشري”[22] على الأرض، أو أن يُنْظَر إلى وضعه في المنظومة البيئية على أساس التوازن بين إحساسه بالانتماء إلى الطبيعة، وإحساسه بالاستثناء داخلها، على حد تعبير الفيلسوف بول ريكور.

المطلب الثالث: فلسفة “الأخلاق البيئية” وسؤال المنهج

أما بخصوص الجانب المنهجي الذي تتوسل به هذه الفلسفة لتأكيد رؤيتها، وإكسابها الشروط العلمية والصرامة المنهجية؛ فإن المشتغلين بهذا الحقل المعرفي يؤكدون على الاشتغال بمبادئ منهجية وأسس تنظيرية، تتجاوز بنيات وأسس الفكر العلمي في المنظومة المعرفية العقلانية الموروثة عن عصر النهضة الأوروبية؛ من أهمها:

أ- ضرورة تجاوز التحليل “التجزيئي الاختزالي

في النظر للظواهر المدروسة (تحديدا الطبيعة)؛ الذي ينطلق من تعيين الأجزاء، واختزالها في قواعد بغية إدراك الكل. لذلك تقترح فلسفة “الأخلاق البيئية” مبدأ الكلانية، أو التفكير الكلاني (Holism) الذي يركز على إحكام النظرة المعرفية للكل، وتفسير الأجزاء على ضوئها[23]؛ بمعنى النظر إلى الطبيعة باعتبارها نظما بيئية متكاملة ومنسجمة، ومتفاعلة فيما بينها في إطار شبكة من العلاقات؛ لأن الكل يتصف بخصائص لا يمكن تفسيرها بخصائص الأجزاء، وهو مقتضى المبدأ الذي يفيد أن “الكل ليس أكثر من مجموع أجزائه”

ب– تجاوز النموذج البنيوي للمعرفة؛

الذي يقسم الظواهر إلى بنيات غير مترابطة، أو كونها تتكون من مستويات متفاوتة، منها ما هو أساسي ومنها ما هو ثانوي؛ حيث تعتمد “الفلسفة البيئية” نموذج المعرفة كشبكة؛ من منطلق أن الواقع الطبيعي منظم تنظيما شبكيا، لذا “فإن على المعرفة أن تَبني شبكة من المفاهيم المتداخلة والمترابطة كي تمثل الظواهر المدروسة”[24].

ج- مركزية التأطير الأخلاقي للنظام العلمي – التقني الحديث والمعاصر؛ (ميلاد الأخلاقيات)

كما أسلفنا؛ لقد كانت سهام النقد الأخلاقي للفلسفة البيئية متجهة بشكل أكبر، إلى النموذج المعرفي العلمي المتولد عن الفلسفة الحديثة بتصوراتها المعرفية والمنهجية، وتداعياتها الأخلاقية..، وعلى ذلك فقد ركزت فلسفة “الأخلاق البيئية” على حتمية تخليق العلم، كتعبير صارخ عن التوتر الحاد بين العلم والتقنية، بما تتسم به من تقدم وتحول متسارع لا يتوقف، وبين القيم والأخلاق بما تتميز به من خصائص المحافظة والثبات…

لأجل ذلك؛ فقد ظهر ما يُدعى بـ”الأخلاقيات التطبيقية” المرتبطة بقطاعات علمية محددة؛ و”هي مجموعة من القواعد الأخلاقية العملية المجالية، تسعى لتنظيم الممارسة داخل مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا وما يرتبط بها من أنشطة اجتماعية واقتصادية ومهنية، كما تحاول أن تحل المشاكل الأخلاقية التي تطرحها تلك الميادين، لا انطلاقا من معايير أخلاقية جاهزة ومطلقة، بل اعتمادا على ما يتم التوصل إليه بواسطة التداول والتوافق، وعلى المعالجة الأخلاقية للحالات الخاصة والمعقدة أو المستعصية casuistique”[25]، وتتمثل أبرز هذه الحقول الأخلاقية التطبيقية في المجالات العلمية التالية (أوردت منها الباحثة جاكلين روس خمسة ميادين، أُضيف إليها ميادين أخرى لأهميتها العلمية والعملية):

  • أخلاقيات الطب والبيولوجيا” أو “البيوإتيقا La bioéthique
  • أخلاقيات البيئة L’éthique environnementale
  • أخلاقيات الاقتصاد L’éthique économique
  • أخلاقيات المعلومات L’éthique de l’informatique
  • أخلاقيات الإعلام والاتصال L’éthique des mass média
  • أخلاقيات التكنولوجيا La technoéthique
  • أخلاقيات تكنولوجيا الفضاء L’éthique de la technologie spatiale

إجمالا، فإن الأخلاقيات التطبيقية السالفة الذكر تتأطر داخل الفكر الأخلاقي الغربي المعاصر (تحديدا خلال النصف الثاني من القرن العشرين)، الذي جَرُأَ على مساءلة النظام العلمي – التقني بقصد ترميمه، وتصحيح مساره، ونقد بعض أسسه الفلسفية العقلانية وتقويمها، لكن دون الجرأة على التفكير خارج تلك الأسس أو تجاوزها، بما أنها تبقى نظريات أخلاقية تقترح قواعد براغماتية وعلمانية وتدولية توافقية، بمعنى أنها تدور في فلك الفكر الفلسفي الأخلاقي الغربي، التقليدي والحديث، وبالتالي سقطت في آفاته المنهجية والمعرفية.

إجمالا، فإن “الفلسفة الأخلاقية البيئية” قد أفادت من هذه المبادئ المنهجية، في صياغة تصور لـ”الأخلاق البيئية” أو “أخلاق الأرض” يتصف بالشمول، ويستفيد من “التفكير المنظوماتي” الذي تنامى وتبلور بشكل واسع في النصف الثاني من القرن العشرين؛ فمن شأن اعتبار المنظومة البيئية “شبكة” تترابط فيها جميع المكونات، من أحياء وجماد، في نسيج متفاعل أن تضمن المساواة بين مكونات هذا النسيج الحيوي، بما يتيح للكائنات الحية جميعها أن تحقق فيه ذواتها، وأن تنجز أدوارها في سياق السيرورات الطبيعية التي تنشأ فيها؛ لأجل ذلك يدعو مفكرو هذا الاتجاه إلى تبني منظومة أخلاقية قيمية جديدة، ذات أبعاد جمالية وتربوية، تقود إلى “احترام الطبيعة” والتناغم مع إيقاعاتها، والإيمان بالتنوع فيها، والتعايش والتعاون مع مكوناتها، بغية تحقيق علاقة متوازنة معها، ولا يمكن لهذه الرؤية الأخلاقية الشاملة “أن تتحقق إلا إذا وضع الإنسان حدا لسلوكه الفاصل بين الفكر والإحساس، وبين العقل والانفعال، وبين الأحداث والقيم، الخ”[26].

على قاعدة هذه المنظومة الأخلاقية “الخضراء”، التي أسست لها فلسفة “الأخلاق البيئية” بجميع تياراتها وتلويناتها، نادى علماء وفلاسفة البيئة بشدة بواجب الالتزام الأدبي تجاه الأجيال القادمة، وبتبني مبادئ أخلاقية تصحيحية، كـ”أخلاق المسؤولية” التي اشتهر بوضعها الفيلسوف الألماني “يوناس هانس” (Jonas Hans) في كتابه المتميز: “مبدأ المسؤولية: أخلاقيات من أجل الحضارة التكنولوجية”؛ الذي دعا فيه إلى ضرورة “إقامة ميثاق بيننا وبين الطبيعة كما أقمنا ميثاقا من قبل بيننا وبين المجتمع، ميثاقا نتحمل فيه مسؤوليتنا كاملة إزاء وجود الطبيعة باعتبار هذا الوجود موضوعا متمتعا بمشروعية قانونية تضاهي، إن لم تجاوز، مشروعية وجود المجتمع”[27]، لأجل ذلك فقد صاغ مبدأ أخلاقيا في صورة أمر جازم، يلخص فيه “أخلاق المسؤولية” بقوله: “لِتَأْتِ فعلكَ على الوجه الذي يجعل آثاره تصون الحياة الإنسانية الحقة على وجه الأرض”[28].

  • المبحث الثاني: إسهام “أخلاقيات البيئية” في بناء مفهوم “التربية البيئية”

لمواكبة الزحم النظري الذي أحدثه النقد البيئي الأخلاقي، المتمثل في فلسفة “الأخلاق البيئية”، وكذلك وعيا من المجتمع الدولي بمحدودية تأثير القوانين والتشريعات البيئية في الحد من التدهور البيئي ومعالجة “المشكلة البيئية”؛ فقد برزت الحاجة إلى بناء مفهوم “التربية البيئية” نظريا، وإلى وضع أسسه المنهجية العملية في العقود الأخيرة:

“التربية البيئية”؛ المفهوم والوظائف

تضرب جذور “التربية البيئية” بعيدا في التاريخ الإنساني، قِدم وعي الإنسان بحتمية ضبط وتنظيم علاقته بمحيطه البيئي، كما أن الأديان السماوية التي واكبت خطوات الإنسان الأولى في الأرض؛ مافتئت تحمله بالأساليب التربوية المتنوعة على التمثل بالقيم البيئية، وتلقي على عاتقه مسؤولية استثمار الطبيعة والعناية بها، وتعتبر إساءة التصرف فيها إثما كبيرا شأنه في ذلك شأن الخطايا الأخلاقية المذمومة، والقصد هو ترقية التفاعل الإيجابي معها إلى الفضيلة الأخلاقية المحمودة.

وفي التاريخ الحديث، اكتست “التربية البيئية” أهمية كبرى بعد بروز أضرار الثورة الصناعية ونتائجها السلبية، ثم “تعمق الاهتمام بالتربية مع تعمق وعي الإنسان بالمشكلات البيئية الكبرى التي أصبحت تقلق البشرية في النصف الثاني من القرن العشرين”[29]، وعلى إثر ذلك، فقد برز مفهوم “التربية البيئية” مع تزايد الاهتمام بهذا النمط من أنماط التربية على الصعيد الدولي، خاصة بعد المؤتمرات الأممية الثلاث التي اشتغلت على بحث طرق إدماج المفاهيم والقضايا البيئية في المناهج الدراسية؛ يتعلق الأمر بمؤتمر استوكهولم عام 1972م، وندوة بلغراد عام 1975م، ومؤتمر تبيليسي عام 1977م. وقد وضعت هذه المؤتمرات (خاصة مؤتمر استوكهولم) تصورا واضحا وشاملا لمشكلات البيئة الراهنة والمستقبلية، إذ اعتبرت توصياتها أساسا هاديا للبرامج والمناهج المتعلقة بالتربية البيئية، كما أسهمت هذه المؤتمرات في الحسم في تعدد التعاريف التي طبعت مفهوم “التربية البيئية” كنتيجة لتركيبه من مفهومي “التربية” و”البيئة” اللذين عرفا اتساعا والتباسا، كما عرفا تداخلا فيما بينهما على مستوى التعريف[30]؛ حيث انتهت ندوة بلغراد إلى تعريف التربية البيئية على أنها “ذلك النمط من التربية الذي يهدف إلى تكوين جيل واع ومهتم بالبيئة وبالمشكلات المرتبطة بها، ولديه من المعارف والقدرات العقلية والشعورية بالالتزام، ما يتيح له أن يمارس فرديا وجماعيا حل المشكلات القائمة وأن يحول بينها وبين العودة إلى الظهور”[31]، كما عرفها مؤتمر تبيليسي (1977م) بأنها “عملية إعادة توجيه وربط لمختلف فروع المعرفة والخبرات التربوية بما ييسر الإدراك المتكامل للمشكلات ويتيح القيام بأعمال عقلانية للمشاركة في مسؤولية تجنب المشكلات البيئية والارتقاء بنوعية البيئة”[32].

وإذا كانت “التربية البيئية”، وفق هذين التعريفين[33]، في جانبها الوظيفي هي عملية التعديل والتوجيه للسلوك الإنساني باستدماج البعد البيئي في مفاهيم ومناهج التربية والتعليم، تكون المدرسة هي الرائد في تحقيقه (إلى جانب مؤسسات التنشئة والتأهيل في المجتمع)؛ فإنها في حقيقتها المعرفية إحدى أوجه النقد الفلسفي الأخلاقي للحضارة الغربية، عبر طرح سؤال التربية لترقية وعي الإنسان إلى العلاقة المتوازنة مع البيئة واستثمارها استثمارا نظيفا يراعي خصوصياتها وقوانينها الداخلية التي تشكل منها نظاما موحدا، وتستهدف بناء القيم والاتجاهات المتشبعة بالمفاهيم البيئية في المجتمعات؛ “فالوعي في نهاية المطاف يكافئ معرفة بنسق قيمي متميز، وبالتالي تصبح القيم هي حجر الزاوية في التربية البيئية المنشودة”[34]، بعبارة أخرى؛ فإن التربية البيئية هي رؤية ونمط من التفكير يرمي إلى تغيير طرائق التفكير والتعامل مع المحيط المادي، وخلخلة نظام القيم القائم على الاستعلاء على البيئة وتشييئها (اعتبارها أداة بالمعنى الديكارتي للطبيعة)، الذي بنت عليه الحضارة الإنسانية المعاصرة نمط تنميتها وإنتاجها واستهلاكها، ومن ثم فإن ضمان استمرار الوجود الإنساني على الأرض يعتمد أساسا على التربية –مدى الحياة- على القيم البيئية الإيجابية وتعزيزها، بالموازاة مع تصحيح المواقف والاتجاهات الضارة بالبيئة.

من هذا المنطلق المعرفي؛ تسعى “التربية البيئية” وظيفيا إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  • إغناء التربية الحديثة، خاصة المدرسية، بالمفاهيم البيئية لتكوين أنماط سلوكية تصون الحياة التي تزخر بها الطبيعة، ونشر الفكر البيئي لتحقيق التوازن بين متطلبات وحاجيات الفرد، وبين قدرات وموارد المحيط البيئي.
  • “تمكين الإنسان من فهم ما تتميز به البيئة من طبيعة معقدة؛ نتيجة للتفاعل بين جوانبها البيولوجية والفيزيائية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولا بد لها بالتالي من أن تزود الفرد والمجتمعات بالوسائل اللازمة لتفسير علاقة التكافل التي تربط بين هذه العناصر المختلفة في الزمان والمكان، بما يساعد على استخدام موارد العالم بمزيد من التدبير والحيطة لتلبية الاحتياجات البشرية”[35]
  • رفد المنظومة التربوية التعليمية بقيم وأخلاقيات البيئة التي نادت بها فلسفة “الأخلاق البيئية”، من خلال الجمع بين فروع العلم المختلفة، لتخذم القضية البيئية، كما عبر عن ذلك التقرير النهائي لمؤتمر تبيليسي (1977م): “تمثل التربية البيئية جزءا لا يتجزأ من العملية التربوية، وينبغي أن تتركز حول مشكلات محددة، وأن تتسم بطابع الجمع بين فروع العلم المختلفة. كما ينبغي أن تستهدف تعزيز الإحساس بالقيم وأن تسهم في رفاهية الجميع وان تعنى ببقاء الجنس البشري…”[36]

خاتمــــــــــة:

خلاصة القول؛ إن “النقد الأخلاقي البيئي” للحضارة الغربية المادية، بنظرياته الفلسفية المتعددة؛ هو في حقيقته مندرج في سياق النقد الفلسفي، المتوسل بالنظريات الأخلاقية، لمسار العلم الحديث ونتائجه التكنولوجية على المجتمع والطبيعة. إنه تعبير عن وعي إنقاذي، وإن جاء متأخرا، لتلازم مصير الإنسان بمصير الكوكب الأخضر الذي يُقِلُّه ويحضُنه، فرفع لأجل ذلك شعار: “إنقاذ العالم لإنقاذ أنفسنا”.

وأيا تكن النتائج التي حققتها “الفلسفة البيئية”، و”الأخلاق البيئية” في تجذير الوعي بالأزمة البيئية، وربط تصحيحها بتصحيح وتغيير الأنماط الموروثة في تفكيرنا وفي “رؤيتنا للعالم” على أساس الاستعلاء البشري، وتفرد الإنسان بالاعتبار الأخلاقي والنفعي؛ فإن استبعاد هذا الفكر الأخلاقي “للأخلاق الدينية” أسقطها في آفات منهجية ومعرفية، أدت إلى تسطيح الحقيقة الوجودية للإنسان والطبيعة، واختزالها في الوجود المادي الخالص المفصول عن حقيقتهما الروحية القائمة على عقيدة “الاستخلاف والتسخير”، كما يقرر ذلك المنظور الديني، بصفة عامة، والمنظور الإسلامي بصفة خاصة. وهذا مكمن القصور في النقد الفلسفي البيئي، في بعده الأخلاقي، لتقويم النظام العلمي-التقني المميز للحداثة الغربية.

 المصادر والمراجع:

عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 1997

  • عبد الرحمان، طه. سؤال الأخلاق؛ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2006
  • معلوف، حبيب. على الحافة: مدخل إلى الفلسفة البيئية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2002،
  • رومية، معين شفيق، المدخل إلى الفكر الإيكولوجي، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2007.
  • بدوي، محمد عبد الفتاح. فلسفة العلوم: العلم ومستقبل الإنسان، دار قباء الحديثة، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2007،
  • ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2000
  • مايكل زيمرمان، الفلسفة البيئية، ترجمة: معين شفيق رومية. سلسلة عالم المعرفة رقم:332، الكويت، أكتوبر 2006.
  • إرنست بارتيدج Ernest Partidge مقدمة إلى الأخلاق البيئية، مدخل إلى الفكر الإيكولوجي، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2007.
  • بامي، جمال. الفلسفة البيئية وأخلاق الأرض، مجلة الإحياء، عدد 23-33، السنة: 2010.
  • بوفتاس، عمر. الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم، ندوة: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 1432/2011
  • حطاب، أحمد. القرآن الكريم وأزمة البيئة والتنمية، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1427/2006
  • وهبي، صالح محمود، والعجي، ابتسام درويش. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003
  • هلال، عصام الدين. التربية البيئية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2007
  • محمد صابر سليم وآخرون، مرجع في التعليم البيئي لمراحل التعليم العام، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة، 1976
  • اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم)، التربية البيئية على ضوء مؤتمر تبيليسي، باريس، 1983
  • Michel Serres, Le contrat naturel, édition François Bourin, Paris, 1990,
  • موقع: maaber.org

[1] – المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال جنيفرة، باحث في قضايا الفكر الإسلامي والحوار الحضاري.

[2]– عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 1997، ص: 45.

[3]– يتضمن مصطلح “المسألة البيئية” دلالات أوسع من إحالات مصطلح “المشكلة البيئية” أو “الأزمة البيئية” التي تقتصر على بيان الأسباب المادية للتدهور البيئي؛ إذ تتجه “المسألة البيئية” إلى تفكيك الأسباب الثقافية والتصورية التي أنتجت هذه المشكلة، لتصبح مدعاة للتفكير والتأمل. أما “القضية البيئية” فهي أعم وأشمل من مصطلح “المسألة البيئية”؛بما هي التعبير الفلسفي الذي يعبر عن شمولية موضوع “المشكلة البيئية” التي ترتبط بالمصير الإنساني، الناجمة عن سوء تفاعل الإنسان مع الطبيعة، بما أدى إلى تهديد استمرارية الحياة وتنوعها، إنها قضية بيئية-إنسانية بامتياز.(ينظر: معلوف، حبيب. على الحافة: مدخل إلى الفلسفة البيئية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2002، ص ص:31-32)

[4]– مايكل زيمرمان، الفلسفة البئية، ترجمة: معين شفيق رومية. سلسلة عالم المعرفة رقم:332، الكويت، أكتوبر 2006.، ص:1/8.

[5]– المرجع نفسه، ص:1/9.

[6]– الأنا المُفكر أو الكوجيتو عند ديكارت هي التي لخصها في مقولته وفلسفته الشهيرة: أنا أفكر إذا أنا موجود، والتي أدت إلى تقرير أسبقية واستعلاء الأنا/الإنسان على الآخر/الطبيعة.

[7]– بدوي، محمد عبد الفتاح. فلسفة العلوم: العلم ومستقبل الإنسان، دار قباء الحديثة، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2007، ص:367.

[8]– رومية، معين شفيق. مقال: في مفهوم النظرة إلى العالم، موقع: www.maaber.org. ويعتبر الفيلسوف رينيه ديكارت خير معبر عن هذه الفلسفة، في قوله المشهور: “بدلاً من الفلسفة النظرية التي تعلم في المدارس فإنه يمكن أن نجد عوضًا عنها فلسفة عملية إذا عرفنا بموجبها ما النار والماء والهواء والكواكب والسماوات وكل الأجرام التي تحيط بنا من قوة… فإننا نستطيع استعمالها بنفس الطريقة في كل المنافع التي تصلح لها، وبذلك نستطيع أن نجعل أنفسنا سادة ومسخِّرين للطبيعة” (ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2000، ص 168).

[9]– مستشار منظمة اليونسكو، والاستاذ الجامعي المتجول في جامعات أوروبا وأمريكا، وهو يشغل حاليا أستاذ الفلسفة في برنامج العلوم الإنسانية في جامعة ميتشغان الأمريكية.

[10]– يوضح صاحب المقال المقصود بالعالم حَرَم بقوله: “العالم، بحسب أحد مبادئ الفكر الإيكولوجي، حَرَمٌ، وعلينا أن نعامله بوصفه كذلك. وهذا الافتراض هو الأساس لنظرة مختلفة تماماً إلى الكون وإلى منزلتنا فيه. فإذا كنَّا نحيا في حَرَم يجب علينا أن نعامله بإجلال وحرص؛ علينا أن نكون المؤتَمنين على الأرض ورعاتها. إن فكرة القَوَّامية تنبع بشكل طبيعي من افتراض العالم حَرَماً.” موقع www.maaber.org

[11]– سكوليموفسكي، هنريك. فلسفة إيكولوجية: بعض المبادئ المؤسسة، موقع www.maaber.org

[12]– كابرا، فريجوف. شبكة الحياة، تعريب: معين شفيق رومية، مدخل إلى الفكر الإيكولوجي، مرجع سابق، ص ص:64-65.

[13]– ينظر:

Michel Serres, Le contrat naturel, édition François Bourin, Paris, 1990, P:67

[14]– وهي الحقول التي ذكرها مايكل زيمرمان في المؤلف الجماعي: “الفلسفة البيئية”، وهي: حقل “الأخلاق البيئية”، وحقل “الإيكولوجيا الجذرية” (وهي أكثر حقولها تطرفا) ثم حقل “الإصلاحية المتمركزة بشريا”(انظر الصفحات: 1/18-20)

[15]– إلا أن الميلاد الحقيقي لهذه الفلسفة يحدد في العام 1973م على يد الفلاسفة الثلاثة: الفيلسوف الأسترالي “بيتر سينغر” والفيلسوف النرويجي “آرن نايس” والفيلسوف الأسترالي “ريتشارد سيلفان” (ينظر: الفلسفة البيئية، مرجع سابق، 1/25.)

[16]– المركزية البشرية: الرؤية الفلسفية التي تضع الإنسان، والجنس البشري بصفة عامة، في مركز الكون، وبالتالي أفضليته على باقي الكائنات الحية الأخرى.

[17]– رومية، معين شفيق. اخضرار الثقافة، موقع: www.maaber.org

[18]– مايكل زيمرمان، الفلسفة البيئية، مرجع سابق، ص: 1/18.

[19]– ينظر: إرنست بارتيدج Ernest Partidge (أستاذ الأخلاق البيئية في جامعة كاليفورنيا)، مقدمة إلى الأخلاق البيئية، مدخل إلى الفكر الإيكولوجي، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، دمشق 2007. ص: 94 وما بعدها.

[20]– تشكل هذه التساؤلات قاعدة النقد الأخلاقي عند الفلاسفة البيئيين، للتوسع فيها ينظر: بوفتاس، عمر (رحمه الله)، الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم، الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء، أيام 21-22-23 جمادى الثانية 1432ﻫ الموافق لـ25-26-27 ماي 2011م، الدار البيضاء، حول موضوع: “سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر”، ص109-137.

[21]– للتوسع في هذا المفهوم ينظر: بامي، جمال. الفلسفة البيئية وأخلاق الأرض، مجلة الإحياء، عدد 23-33، السنة: 2010، ص: 142 ومابعدها.

[22]– مقولة “نهاية الاستثناء البشري” صاغها الفيلسوف المعاصر جون ماري شيفر(Jean-Marie Schaeffer) كعنوان لكتاب صدر له سنة 2007، وعمَّقها الفيلسوف بول ريكور(Paul Ricoeur)؛ لتدل على “أن الإنسان جزء من الطبيعة لا محالة، وينبغي وضعه داخل النسق البيئي الكوني الذي تشكل في إطاره، إلا أن الإنسان يعتبر الكائن الوحيد في المنظومة الكونية المتميز بالمعرفة والمسؤولية. لذلك يدعو بول ريكور إلى الموازنة بين الإحساس بالانتماء إلى الطبيعة وبين الإحساس بالاستثناء داخلها” (ينظر: بامي، جمال. المرجع نفسه، ص: 134)

[23]– ينظر: إرنست بارتيدج، مقدمة إلى الأخلاق البيئية، مرجع سابق، ص: 94.

[24]– رومية، معين شفيق. في مفهوم النظرة إلى العالم، مرجع سابق.

[25]– بوفتاس، عمر. الأخلاقيات التطبيقية ومسألة القيم، ندوة: سؤال الأخلاق والقيم في عالمنا المعاصر، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 1432/2011، ص: 111.

[26]– حطاب، أحمد. القرآن الكريم وأزمة البيئة والتنمية، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1427/2006.، ص:41.

[27]– عبد الرحمان، طه. سؤال الأخلاق؛ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2006، ص: 124.

[28]– المرجع نفسه، ص: 124.

[29]– وهبي، صالح محمود، والعجي، ابتسام درويش. التربية البيئية وآفاقها المستقبلية، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003، ص:50.

[30]– دائما ما كان يرتبط مفهوم التربية بالبيئة؛ باعتبارها وسيلة التنشئة الاجتماعية للفرد ليحقق التكيف مع محيطه الاجتماعي والبيئي.

[31]– هلال، عصام الدين. التربية البيئية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2007، ص:13

[32]– المرجع نفسه، ص:13.

[33]– تعددت تعاريف “التربية البيئية” سواء تلك التي صاغها علماء التربية وفلاسفة البيئة، أو تلك التي توالت المؤتمرات الدولية في إغنائها وتدقيقها، من ذلك التعريف الذي خلصت إليه الهيئات الدولية المعنية بالبيئة والتربية البيئية: “التربية البيئية هي عملية تكوين القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بمحيطه الفيزيائي، والتدليل على حتمية المحافظة على المصادر البيئية والطبيعية وضرورة استغلالها لصالح الإنسان، وحفاظا على= =حياته الكريمة ورفع مستويات معيشته” (محمد صابر سليم وآخرون، مرجع في التعليم البيئي لمراحل التعليم العام، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة، 1976، ص:13.)

[34]– هلال، عصام الدين. التربية البيئية، مرجع سابق، ص: 20.

[35]– اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم)، التربية البيئية على ضوء مؤتمر تبيليسي، باريس، 1983، ص: 26.

[36]– المرجع نفسه، ص:23.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.