منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل الرأي الفقهي الاجتهادي يمثل “الحلال والحرام”؟

هل الرأي الفقهي الاجتهادي يمثل "الحلال والحرام"؟/ ديما مصطفى سكران

3

هل الرأي الفقهي الاجتهادي يمثل “الحلال والحرام”؟

بقلم: ديما مصطفى سكران

 

في معرض الردود على مقالي الأخير شنع البعض على فكرة “انتقاد الفقه بوصفه عملا بشريا” وتجريده عن قدسيته، والاعتراف بوجود الجانب الذاتي فيه، واعتبروها طعنا بنزاهة الفقهاء.

وأكثر ما أثار حفيظتهم هو الدعوة للفصل بين الرأي الفقهي وبين الحل والحرمة، واعتبروها دعوة مضلة تنطوي على الجهل بالدين، والعدوان عليه، إن لم تكن أصلا جزءا من مؤامرة لهدمه.

فالمفتي عندهم مخبر عن الله كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، حسب تعبير الشاطبي في الموافقات.

وإن هذا التشنيع على التمييز بين الرأي الفقهي وحكم الله في الحل والحرمة، ينطوي على إشكالية عميقة في فهم طبيعة الرأي الفقهي، فهؤلاء هنا لا يميزون بين الأحكام النصية غير الاجتهادية المستفادة مباشرة من قراءة النصوص، والتي لا تحتمل الرأي والتأويل، وبين الأحكام الاجتهادية المتوصل إليها عن طريق قواعد التفسير المفصلة في أصول الفقه.

فكل هذه الأحكام في نظرهم هي “حكم الله”، بدون تمييز بينها، وكلها هي إقرار للحلال والحرام كما يريد الله!

وهي دعوة خطيرة فيها جرأة على الله ما بعدها جرأة، بل إن التأكيد على ضرورة التمييز بين الرأي الفقهي الاجتهادي وحكم الله في الحل والحرمة يجب إعادة صياغته بشيء من الغلظة اللغوية على نحو:

كيف تجرؤون؟!!
كيف تجرؤون على وصف الرأي الفقهي الاجتهادي بأنه حكم الله؟
ومن أين تأتت لكم الجسارة لتقولوا أنه إقرار للحلال والحرام كما يريده الله؟

ألم يسمع واحدكم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح، وهو ينهى أمير بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله:

” وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا”

ومثله قال أمير المؤمنين عمر لما كتب الكاتب بين يديه:

” هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر”

فقال:

“لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب”.

ونقل ابن وهب عن الإمام الفقيه مالك قوله:

“لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا اقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، وما كانوا يجترؤون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنًا، فينبغي هذا ولا نرى هذا..”
ابن القيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، ج١ ص٣٩.

وفي موضع آخر يقول ابن القيم:

“لا يجوز للمجتهد أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر به بنص عن الله ورسوله، إن الله حرم كذا وأباح كذا، وإن هذا هو حكم الله” نفس المصدر، ص٤٤.

ومن المتأخرين، اقرؤوا لأبي الأعلى المودودي رحمه الله كتابه “القانون الإسلامي وطرق تنفيذه”، حيث ذهب أبعد من هذا حين قال:

“ليس كل تعبير لأي حكم من أحكام الإسلام جاء به عالم من علماء المسلمين، ولا كل مسألة استخرجها إمام من أئمتهم بقياسه أو اجتهاده، ولا كل فتوى أصدرها مجتهد من مجتهديهم على أساس الاستحسان، هي القانون في حد ذاتها، إنما هي بمثابة الاقتراح، وهي لا تصير القانون إلا بأن ينعقد عليها إجماع الأمة.” ص٥٦.

ثم يفصل في كتابه في التمييز بين الرأي الفقهي والقانون، فإن كان مقالي قد قال أن الفقه يمثل الجانب القانوني في الإسلام، فإن المودودي يذهب أبعد من ذلك حين يؤكد على وجود افتراق بين الفقه والقانون، فالرأي الفقهي الاجتهادي لا يصلح قانونا في رأيه حتى يجتمع عليه جمهور المسلمين في بلد ما، وهو بالجمهور لم يعن جمهور الفقهاء، بل عنى عوام المسلمين، وقصد اشتراط رضا غالبيتهم لجعل الرأي الفقهي قانونا نافذا في بلد ما.

وقد تحدث عن إشكاليات الفقه كحركة تشريعية في التاريخ الإسلامي الكثيرون، ومنهم الشيخ محمد الغزالي الذي انتقد حصر معنى الفقه في زاوية ضيقة، وغيابه عن ميادين مهمة، وخضوعه لضغوطات السياسة، كما انتقد تغول الفقه في مناح أخرى كالحياة الاجتماعية، وغلبته على الثقافة الإسلامية، والنظر إليه كبديل للأخلاق، وغيرها من الجوانب، مما يمكن الرجوع إليه في كتاب الشيخ “محمد الغزالي داعية النهضة الإسلامية” لمحمود عبده.

فهل نتهم الغزالي بالكفر والطعن في نزاهة الفقهاء، وهل نرمي المودوي بالعدوان على الدين؟

إن انتقاد الحركة الفقهية والحديث عن إشكاليات الفقه كحقل معرفي إذن ليس بجديد، بل من نافلة القول أن من يقدسون الفقه وكل ما كتب فيه، وينظرون إليه على أنه “حكم الله” أو “حكم الشريعة”، يخالفون هدي النبي وصحابته وأئمة الفقه الأوائل، ويفضحون جهلا بينا في هذا الجانب، وهم فوق ذلك يتوهمون أنهم على الحق، ويجاهدون في “سبيله” وما هم في هذه الجزئية على سبيله أصلا.

 

3 تعليقات
  1. أحمد مصطفى دباس يقول

    جزاك الله خيرا استاذة ديما على هذا التناول وهذه الإطروحات الهامة الرائعة وأسأل الله أن يشرح صدرك ويفقك لنفع الأمة..
    في هذه المسألة “الرأي الفقهي الاجتهادي .. ” وأشباهها من المسائل المعروفة في علم الكلام، وفي علم أصول الفقه قد دارت حولها الجدليات ومازالت، وطالت الآثار السلبية لها كل مجنهد مجدد، حتى الشاطبي نفسه لم ينج منها، ويمكن التعرض لهذه المسألة لأهميتها من خلال باب إدراك المصالح بالعقل والفكر ، فكلما كان الفقيه أوسع علما بالعلوم السياسية والإقتصادية والإجتماعية كان أكثر إدراكا لمصالح الأفراد والدولة والأمة وأقرب إلى مقاصد أحكام الشريعة وأقرب إلى الصواب في الحكم الفقهي المستجد. وشكرا لك. وفقك الله.

    1. أحمد مصطفى دباس يقول

      ويوفقك

  2. د. جمال يقول

    الفقه على الغالب ليس حكماً ذاتياً أو شخصياً وهو أيضاً ليس حكماً مطلقاً، لكنه حكم اجتهادي يستند الى أدلة كلية قطعية ويسعى الى الموضوعية قدر المستطاع البشري. ولهذا أكد الشافعي على قاعدة عدم العصمة عن الخطأ : “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. عدم القدسية لا يعني الشخصية أو الاعتباطية أو العدمية، كمن يجتهد برأيه الشخصي او حسب التشهي دون سند أو دليل شرعي.

    تعظيم المكون الموضوعي يتطلب الاجتهاد الفقهي الجماعي والشورى مع الاستعانة بفقه الواقع ومختصيه، الى جانب البعد عن الهوى والتحيز والتسرع في الحكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.