منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أثر الكسب الحلال على صلاح الأبناء(خطبة)

الشيخ بنسالم باهشام

0

عباد الله، من خلال ما يعرض علي من قضايا أسرية؛ جلها تتمحور حول تشكي الكثير من الآباء والأمهات – سواء من عامة المسلمين أو خاصتهم -، من عدم انضباط أبنائهم بتعاليم الدين الإسلامي، ومدى التأثير السلبي للوسائل التكنولوجيا المستحدثة عليهم، حتى أصبح عندهم الليل نهارا يسهرون فيه، والنهار ليلا ينامون فيه، فضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأهملوا برامج حياتهم الدينية والدنيوية، وأصبح الدين عندهم مجرد لقب يحملونه، وإذا أراد الآباء توجيه النصح لأبنائهم؛ قوبلوا بالرفض والإعراض، فما الحل في مجال التربية، ليصلح أبناؤنا؟ هل فات أوان صلاحهم وأصبحوا من الميئوس منهم، أم أن الفرصة لا زالت سانحة ليصبحوا صالحين مستقيمين، ومقيمين للصلاة، ومطيعين لوالديهم؟.

عباد الله، اعلموا أن التربية التي توجه إلى الأبناء نوعان:

نوع مباشر، ونوع غير مباشر، وما دام النوع غير المباشر لا يحدث بسببه صدام بين الأبناء والوالدين، فإن له أثر  ناجع  وفعال في التأثير على الأبناء والبنات، وسنتطرق لوسيلة أساسية من هذه الوسائل غير المباشرة في تربية الأبناء ليصبحوا صالحين وهي أكل الحلال، وإطعام الأبناء من هذا الحلال، وإبعاد الحرام عنهم، ولا يقتصر الأمر على المطعم والمشرب فقط، وإنما في كل نواحي الحياة، فإنما البركة والخير في الحلال، فقد جاء في سنن الترمذي والطبراني، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (…يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)

[أخرجه الترمذي (2/512 ، رقم 614) وقال : حسن غريب . وأخرجه أيضًا : الطبراني (19/105 ، رقم 212)].

ومعنى الحديث كما ذكره ابن الأثير في “غريب الجامع”، أنه لَا يَرْبُو لَحْمٌ، أي لا يرتفع ولا يزيد لحم، نَبَتَ أي نشأ مِنْ سُحْتٍ، أي من الحرام من المكسب، والمطعم، والمشرب، إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ [ ذكره ابن الأثير في “غريب الجامع” (4/ 77)].

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (الطعام يخالط البدن ويمازجه وينبت منه فيصير مادة وعنصرا له، فإذا كان خبيثا صار البدن خبيثا، فيستوجب النار، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به”، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب). [مجموع الفتاوى، لابن تيمية (21/541)].

فهذا الوعيد متعلق بمن كسب الحرام وأنفقه، لكن مع ذلك فإنفاقه على الأبناء فيه مفسدة لنفوسهم وعقولهم ونشأتهم، فإنه بمثابة السم لذواتهم وأرواحهم، رواه البخاري ومسلم في صحيحهيما، عن مُحَمَّد بْن زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ تعالى عَنْهُ يَقُولُ: (أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- :« كِخْ كِخْ ». لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ:« أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»). [رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ آدَمَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ شُعْبَةَ]، وَفِى رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ : (« أَنَّا لاَ تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ »). [أخرجه البخاري (2/542، رقم 1420)، ومسلم (2/751، رقم 1069)]، فالإنفاق على الأبناء من الحلال، من وسائل الحفاظ على فطرتهم سليمة نقية من الأمراض الحسية والمعنوية.

فيا عباد الله، إذا أردتم صلاح أبنائكم فلا تكسبوا إلا حلالا، ولا تطعموا أبناءكم إلا من حلال، فإذا أطعمتموهم حراما، فسيفسدون وتفسد أخلاقهم، وستشتكون عندها من فسادهم وفساد أخلاقهم، وسيصبحون وبالا  عليكم وعلى المجتمع بأكمله. وتأملوا عباد الله، في فقه إسماعيل والد البخاري رحمهما الله، أمير المؤمنين في الحديث، وهو على فراش الموت يقول: ( والله لا أعلم أني أدخلت على أهل بيتي يوما درهما حراما أو درهما فيه شبهة). لهذا كانت ثمرة حرص والد البخاري على الحلال، أن رزقه الله من ذلك ولدا صالحا عالما محدثا هو محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله أمير المؤمنين في الحديث، والذي جدد الله به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبقاها به محفوظة في  أمة الإسلام، فتأملوا عباد الله بركة الحرص على أكل الحلال وآثارها الطيبة على الأبناء.

عباد الله، احذروا من أن يبقى فهمكم للكسب الحرام في مجال ضيق يقتصر على المتاجرة في المحرمات، أو أخذ الرشوة، إن ساحة كسب الحرام تتسع لتشمل التهاون في وقت العمل، وذلك بالدخول في وقت متأخر، والخروج منه قبل الوقت، فهذا نوع من أنواع الكسب الحرام، كما أن التهاون في العمل نوع من أنواع الكسب الحرام، والغش سواء في العمل، أو في المهنة، أو في التجارة، أو في الحرفة هو كذلك نوع من أنواع الكسب الحرام، وسم يتناوله هؤلاء  الأشخاص، ويناولونه لزوجاتهم وأبنائهم، فكيف ترجو منهم صلاحا؟

عباد الله، إذا كنتم تحتاطون على أبنائكم من الفيروسات والميكروبات والأمراض بكل أنواعها، فإن إطعامهم الحرام، هو أشد فتكا بهم وبحياتهم، فاحذروا من الحرام واحتاطوا منه وجنبوه أبناءكم فإنه أخطر من كل من الأمراض حيث تشعرون أو لا تشعرون، وهذا يقتضي منكم الاطلاع على المحرمات في مهنكم وحرفكم ووظائفكم حفاظا على سلامة حياتكم وحياة أبنائكم وأسركم.

فاللهم أصلحنا لأبنائنا واجعل كسبنا حلالا، وأطعمنا من الحلال. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.