منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ظاهرة التناص في رواية «خادم الوطن» لحامد محمود الهجري

ظاهرة التناص في رواية «خادم الوطن» لحامد محمود الهجري/ د. محمد منصور جبريل

0

ظاهرة التناص في رواية «خادم الوطن» لحامد محمود الهجري

Intertextuality phenomenon in nigerian-arabic novel: “Khadimul Watan” by Hamid Mahmud Al-Hijri as a case study

د. محمد منصور جبريل

قسم اللغة العربية – جامعة بايرو – كنو – نيجيريا

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

يهدف البحث إلى إماطة اللثام عن ظاهرة التناص في الرواية العربية النيجيرية لحامد محمود إبراهيم الهجري، بغية الوقوف عند منهجه في الأخذ والاستفادة من النصوص الأخرى لتشكيل نتاجه الفني عبر تقديم الإطار النظري سعيا للوصول إلى الجانب التطبيقي من خلال إيراد نماذج من المتن الروائي المدروس لرصد مدى تجليات النصوص الأخرى في ساحته. وقد استقى الكاتب أفكاره وتصوراته من شتى المنابع الدينية والأدبية والاجتماعية والثقافية، مما يبرز فاعلية التداخل النصي في تشكيل منهجه الإبداعي. وتتمثل أهمية البحث في إبراز دور الأديب النيجيري في المجال الروائي، وإظهار مقدرته في الأخذ من نصوص أخرى اجترارا، أو امتصاصا، أو تحويرا، بغية إنشاء مادته الفنية، ما أدى إلى إثراء النص الروائي شكلا ومضمونا. وبما أن الدراسة تسعى إلى توضيح التداخل النصي، فما دور التناص في تنمية الرواية النيجيرية العربية؟ وما الشخصيات الروائية الواردة في النص؟ وما منهج حامد محمود الهجري في استحضار النصوص الغائبة في روايته؟ وكيف أسهم التناص في نقل رسالته الفنية إلى المتلقي؟ وما مصادر النصوص المتداخلة في النص المدروس؟ وإلى أي مدى يسهم التناص في الجمع بين الماضي والحاضر في الرواية؟ وسيوظف الباحث المنهج الوصفي وفقا لمتطلبات الدراسة الألسنية النصية لتوضيح ظاهرة التناص الواردة في رواية «خادم الوطن».

كلمات مفاتيح: التناص – الرواية النيجيرية – النص الروائي – حامد محمود الهجري – منهج.

Abstract:

The article aims to uncover the phenomenon of intertextuality in the Nigerian Arabic novel taking Hamid Mahmud Al-Hijri work as a case study in order to grasp the novelist’s method through interacting with other texts. That is, it suggests a theoretical framework to reach the practical side via studying samples from his work. The author draws his ideas and perceptions from various religious, literary, social and cultural sources that bring about the effectiveness of textual overlap in the formation of his creative approach. The importance of the research is to highlight the role of the Nigerian writer in the field of fiction and show his ability to draw from other texts ruminating, absorbing, or modifying to create his art which led to enriching the novel’s form and content. So, what is the concept of intertextuality, what is its role in enriching the Nigerian Arabic novel, what is Hamid Mahmud Al-Hijri’s method of invoking the absent texts in his novel, how did the text overlap transmit its technical message to the recipient, what are the sources of overlapping texts in the text studied, to what extent does intertextuality combine the past and present of literary productions? Descriptive method, then, is employed to study and clarify the phenomenon of intertextuality in the novel understudy.

Keywords: intertextuality, Art, Science Fiction, method, theoretical framework, Hamid Mohamed Al-Hijri, Nigeria.

مقدمة:

تُمثِّلُ الرواية زاوية من الزوايا الفنية المعبرة عن أبعاد الحياة الإنسانية بنواحيها الاجتماعية والسياسية والدينية والتربوية وغير ذلك مما يمت بصلة إلى الجانب الحيوي، يوظفها الكاتب لنقل تجربته إلى المتلقي عبر توظيف الشخصيات الروائية المرتبطة بالقالب الزمني والمكاني.

والبحث كما يدل عليه عنوانه: «التناص في رواية «خادم الوطن»، عبارة عن دراسة أسلوبية تهدف إلى كشف الغطاء عن منهج الكاتب الروائي النيجيري حامد محمود إبراهيم الهجري في الأخذ والاستفادة من النصوص الأخرى في نتاجه الفني عبر استخدام آليات التناص لإثراء مادته.

وتجدر الإشارة إلى أن الرواية واقعية تعبر عن السيرة الذاتية والتجربة الشخصية التي مر بها الكاتب، من حلاوة البيئة الجامعية التي ذاقها الكاتب ونهل من ينابيعها، إلى مرارة الخدمة الوطنية بعد رجوعه إلى وطنه العزيز ومسقط رأسه.

وتتمثل أهمية البحث في إبراز إسهامات المؤلِّف في التناص مع النصوص الدينية بما فيها من آي الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة، وغيرها من النصوص الأدبية من الكلام المنظوم والمنثور بغية تشكيل روايته في قالب فني مثير للعواطف.

ترجمة الكاتب وروايته:

هو حامد بن محمود بن إبراهيم بن أحمد الهجري، نسبة إلى مدرسة دار الهجرة الإسلامية بمدينة كنو-نيجيريا.

وُلِد في قرية أَيْغُورُو إحدى قرى مناطق إِلُورِنْ عاصمة ولاية كوارا، بجمهورية نيجيريا الفدرالية، يوم الجمعة 9-5-1976م، واختتم القرآن على يدي شيخه المعلم بَابَا، ثم تحصل على الشهادة الابتدائية الإنجليزية بمدرسة الابتدائية أيغورو، ثم التحق بمدرسة الشيخ آدم يحيى عبد الرحمن الفلاني، مؤسس ومدير دار الهجرة للدراسات العربية والإسلامية بمدينة كنو، حيث حصل على الشهادتين: الإعدادية والثانوية ما بين 1993-1998م بتقدير ممتاز.

والتحق بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجمهورية تشاد، أحد فروع كلية الدعوة الإسلامية بالجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي، عام 1999م-2003م، حيث تحصل على درجة الليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية بتقدير ممتاز، وواصل دراساته العليا بكلية الدعوة الإسلامية بالجماهيرية الليبية حاصلا على شهادة الدبلوم العالي في شعبة اللغة العربية وآدابها عام 2004م، ثم حصل على درجة الماجستير بنفس الكلية عام2007م، ثم رجع إلى نيجيريا خادما للوطن ومحاضرا بجامعة ولاية غومبى-نيجيريا عام 2008م، وله إنتاجات أدبية، منها ديوانه الشعري «الحديقة الغناء»، والرواية المدروسة «خادم الوطن».[1]

نبذة عن الرواية المدروسة:

أما الرواية المدروسة «خادم الوطن»، فهي قصة واقعية فنية تحكى جانبا من سيرة الكاتب الذاتية، تدور حول المشكلات التي واجهها مواطن صالح يُدعى نور والذي درس اللغة العربية خارج دولته متفوقا بدرجة الامتياز، ثم عاد إلى بلده للمشاركة في الخدمة الوطنية كالمعتاد، إذ كان الأمر رسميا في الدولة لكل من تخرج في الجامعة ولم يجاوز الثلاثين من العمر، أن يقوم بهذه التضحية الغالية لأداء واجبه نحو الوطن صونا لبقائه وتنمية لشعبه. ومن العُجاب في هذا الصدد أن الرياح أتت بما لا تشتهيه السفن، إذ واجه نور عراقيل مثبطة للعزم لولا أن تداركه نعمة من ربه لرجع محروم المنال، ومبعدا عن الآمال.

سماتها الفنية:

ومن الناحية الفنية، اتسمت هذه الرواية ببراعة المطلع، استهل فيه الأديب يحكي لنا حفلة تخرجه من الجامعة ممهدا لما سيعرضه من صلب الموضوع، وذلك في قالب فني جذاب مثير للعواطف. لنستمع إليه يصف الحفلة بكونها: «حدثا تاريخيا يجب أن يُسجل بماء الذهب لا المداد الأسود».[2] فهذه العبارة الجذابة والتي صاغها الكاتب في أسلوب كنائي موح يأخذ بيد المتلقي نحو السماع لما سيأتي فيما بعد من الرسالة التي يهدف الكاتب إيصالها؛ حيث يسأل نفسه عن قيمة هذا الحدث المكتوب بماء الذهب، ولم لا يُكتب بالمداد الأسود كغيره من الأحداث.

وهذا يتماشى مع المقومات الفنية لتشكيل النصوص الأدبية، إذ الرجاء أن يتسم النص بحسن الابتداء: وهو أن يكون مطلع الكلام شعرا كان أم نثرا، أنيقا بديعا، وذلك لأنه أول ما يقرع في السمع، فيتقبل المتلقي على الكلام ويعيه إن كان حسنا، وإن كان بخلاف ذلك أعرض عنه ورفضه ولو كان الباقي في غاية الحسن والجمال.

وإلى ذلك يقول ابن رشيق: «وبعد، فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود افتتاح شعره، فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة، وليجتنب (ألا) و (خليلي)، و(قد)، فلا يستكثر منها في ابتدائه، فإنها من علامات الضعف والتكلان إلا للقدماء الذين جروا على عرق».[3]

ويرجى من الابتداء الحسن أن يشتمل على ما يناسب الحال ويشير إلى الغرض من الكلام، وهو أن يقدم في الكلام ما يمهد الغرض والمرام منه. ويسمى ذلك براعة الاستهلال، لأن المتكلم فهم غرضه من كلامه عند رفع صوته؛ إذ المراد بالاستهلال هو رفع الصوت.

وإلى ذلك يقول الإمام السيوطي:

وينبغي التأنيق في ابتداء

وفي تخلص وفي انتهاء

بأعذب اللفظ وحسن النظم

وصحة المعنى وطبق الفهم

فاليجتنب في اللفظ ما يطير

به وما منه الكلام ينفر

وخيره مناسب للحال

وسمه براعة استهلال

واعن بتشبيب يجئ في الكلام

قبل الشروع ما يمهد المرام

ومن الابتداءات الحسنة قول امرئ القيس في تذكار الأحبة والمنازل:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد.

وقول أوس بن حجر في الرثاء:

أيتها النفس أجملي جزعا

إن الذي تحذرين قد وقعا

إن الذي جمع الشجاعة والنج

دة والحزم والندى جُمِعا

الألمعي الذي يظن بك الظ

نُّ كأن قد رأى وقد سمعا

وقالوا ولم يبتدئ أحدا من الشعراء بأحسن مما ابتدأ به أوس بن حجر، لأنه افتتح المرثية بلفظ نطق به على المذهب الذي ذهب إليه منها في القصيدة، فأشعرك بمراده في أول بيت.

واستقبحوا مطلع إسحاق الموصلي:

يا دار غيّركِ البِلَى ومحاكِ

يا ليت شعري ما الذي أبلاكِ

لأن القصيدة في تهنئة المعتصم بالله لما بنى بيتا بالميدان وسكن فيه، وقيل إن المعتصم تطير بهذا الابتداء وأمر بهدم القصر.

وعن حسن التخلص يقول ابن رشيق: «قيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال: لأني أقللتُ الحزن وطبقت المفصَّل، وأصبت مقاتل الكلام، وقرطستُ نكت الأغراض بحسن الفواتح والخواتم، ولطف الخروج إلى المدح والهجاء».[4]

وإليه يقول القزويني: «ويعنى به الانتقال مما شب الكلام به من تشبيب أو غيره إلى المقصود كيف يكون، وإذا كان متلائم الطرفين حرك من نشاط السامع وأعان على إصغائه إلى ما بعده، وإن كان بخلاف ذلك كان الأمر بالعكس».

ويعتبر حسن التخلص من مقومات براعة نظم القرآن، حيث وقع منه ما يسكر العقول ويحير الأفهام، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف، بعد ذكر الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة، ثم ذكر موسى وحكاية دعائه لنفسه لأمته بقوله تعالى: «واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك»..، وجوابه تعالى عنه، ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه لأمته بقوله: «قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ..»

ومن حسن التخلص في الكلام فصله ب (أما بعد) بعد الحمدلله. قال ابن الأثير: «الذي أجمع عليه المحققون وعلماء البيان، أن فصل الخطاب هو (أما بعد). لأن المتكلم يفتتح كلامه في أمر ذي شأن بذكر الله تعالى وتحميده، فإذا أراد أن ينتقل إلى الغرض المسوق له، فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد».[5]

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «..أما بعد». أخرجه الشيخان في قصة بريرة.

وله مسميات عديدة، منها: خروجا وتوسلا، وسماه ابن المنقذ وابن الزملكاني «التخليص»، وسماه ثعلب وابن المعتز «حسن الخروج»، وسماه التبريزي والبغدادي والمصري «براعة التخلص»، وسماه الحلبي والنويري «براعة التخليص».

أما الخاتمة في هذه الرواية، فتتسم بالبراعة والحسن، حيث اختتم الكاتب يحكي نصائح خادم اللصوص لخادم الوطن: «ليس على هذه البسيطة علم لا ينفع أو عمل لايجدي، فرحم الله عبدا إذا عمل عملا أتقنه».[6]

ففي هذه الدرر من الكلمات أناقة شكلية ومضمونية، يُلمس منها التناص مع الحديث النبوي الشريف الذي روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». أخرجه البيهقي. [7]

بناء الشخصية في النص المدروس:

أما بناء الشخصية في النص المدروس، فتتمثل في رسم الشخصيات وبناء أبعادها الخارجية والاجتماعية، وذلك لأن الشخصيات الروائية هي العمدة الأساسية التي ينبني عليها العمل الروائي، وبواسطتها يتمكن الأديب من نقل أفكاره وإرسالها إلى المتلقي، كما تعينه على بيان مواقفه وتوضيح أيديولوجياته عبر الستار الفني.

والشخصية في الأدب الحديث هي: «أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة أو المسرحية».[8] ويقول الزيتوني عن الشخصية الروائية، هي: «كل مشارك في أحداث الحكاية، سلبا أو إيجابا، أما من لا يشارك في الحدث فلا ينتمي إلى الشخصيات، بل يكون جزءا من الوصف».[9]

وبالرجوع إلى رواية «خادم الوطن»، فإن شخصية نور هي الشخصية الرئيسية في النص المدروس، إذ عليها تدور محاور الرواية وأحداثها ابتداءا وانتهاءا، وهي الشخصية المعنونة ب «خادم الوطن». وبجانبها شخصيات ثانوية، من بينها: الجنود المدرِّبون في المخيم، والزملاء المشاركون في الخدمة الوطنية؛ وبجانبها شخصيات هامشية أمثال: بواب مكتب السعودية بأبوجا، وسفير جمهورية تشاد بنيجيريا، وكاتبه، وزميل الكاتب، ورئيسة مجموعة نور بالمخيم، وقائد اللصوص.

ويدور البعد الزماني لهذه الرواية فيما بين السنتين: 2007م، وهي سنة التخرج في الجامعة، و2008م، سنة أداء الخدمة الوطنية. أما البُعد المكاني، فيدور حول الدولتَيْن المتاجاورتَيْن: جمهورية تشاد، مقر الجامعة التي تخرج فيها، وجمهورية نيجيريا الفدرالية، والتي هي وطنه العزيز، رجع إليها الكاتب استيفاءا بحقها، وخدمة لشعبها.

مفهوم الرواية والتناص:

هناك تعريفات لغوية عدة للرواية، تكاد تتفق دلالاتها على الإسقاء والإرواء، وإزالة العطش. ففي لسان العرب ورد المصطلح في مادة (روي). يقال رَوِيَ من الماء ومن اللبن –إذا استقى منه-. والاسم: الرَّيُّ. وقد أرواني. يقال للناقة الغزيرة هي تروي الصبي، والرَّيَّان ضد العطشان. يقال الماء الرِّوَى، بمعنى: الكثير. وروَّيْتُ رأسي بالدُّهْن، وروَّيْتُ الثريد بالدسم. والرواية: المزادة أو الوعاء الذي فيه الماء. ويسمى البعير رواية على تسمية الشيئ باسم غيره لقربه منه. وتأتي الكلمة «الرواية»، ويراد بها: البعير أو البغل أو الحمار الذي يُستَقى عليه الماء، والرجل المستقي يسمى راوية. يقال رويتُ القوم أرويهم، إذا استقيتُ لهم.[10]

ومن الناحية الاصطلاحية، فإن الرواية فنٌّ حديث شغل النقاد في الشرق والغرب لكونه أكثر الفنون الأدبية التصاقا بالحياة الواقعية. فهي تضم الجانب الموضوعي المرتبط بهموم الناس ومعاناتهم، والجانب الفني الشكلي الذي يحقق جمالية النص الروائي وإبداعيته.

والرواية لا تحمل تعريفا واحدا، بل تعددت تعريفاتها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى كونها أكثر الأجناس الأدبية ارتباطا بالواقع الإنساني، والواقع الإنساني غير ثابت وغير نهائي، مما يجعل صعوبة تعريف دقيق لها. ومن النقاد من يرى أنها: «مؤلَّف تخييلي نثري، له طول معين ويقدم شخصيات معطاة كشخصيات واقعية يجعلها تعيش في وسط، ويعمل على تعريفنا سيكولوجيتها بمصيرها وبمغامرتها»[11].

ويرى عبد الفتاح عثمان أن الرواية تتمثل في نتاج نثري يهدف إلى إبراز»انطباع شخصي مباشر للحياة، تتخلص قيمتها التي تعظم وتصغر تبعا لحدة هذا الانطباع».

أما «التناص»، فهو مصطلح نقدي حديث له صلة وثيقة بالتراث النقدي القديم، فالكلمة مشتقة من مادة (نصص)، ومنها تعددت المدلولات الكثيرة تتشابه مبناها ومعناها. وقد أورد ابن منظور في لسان العرب: نص الحديث ينصه نصا: إذا رفعه، وكل ما أظهر فقد نص، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري: أي أرفع له وأسند، ويقال: نصت الظبية جيدها، بمعنى: رفعته[12].

واصطلاحا: فقد ورد مدلول «التناص» في النقد العربي التراثي تحت مسميات عدة، منها: «الأخذ والسرقة، والاقتباس، والنسخ، والتضمين»، وغير ذلك مما يمت بصلة إلى التفاعل بين النصوص وتداخل بعضها في بعض. وهذا يدل دلالة واضحة على أن التناص في الاصطلاح النقدي التراثي يتمثل في: «أخذ شاعر كلاما شعريا أو نثريا من شاعر آخر». ويتم هذا الأخذ بطرق شتى: فإذا أخذ الكلام معنى ولفظا من القرآن، سمي (اقتباسا)، وإن أخذ بطريقة منه سمي (توليدا)، وإن أخذ نصا سمي (نسخا).

وبالرجوع إلى التراث الأدبي والنقدي يُستنتج أن هناك مصطلحات قريبة من التناص مثل التضمين، والاقتباس، والتلميح، والسرقة، والمعارضات، والمناقضات وغيرذلك من المصطلحات التي تدل على الأخذ والاستفادة من تجارب الآخرين. ففي الكتب النقدية مثلا يُلمس أشكال التناص عند الآمدي في كتابه الموازنة، حيث أورد الحديث عن السرقات الشعرية في موازنته بين الطائيين أبي تمام والبحتري، وكذلك يُلمس هذه السمات في الوساطة بين المتنبي وخصومه لعلي بن عبد العزيز الجرجاني، والإبانة عن سرقات المتنبي للعميدي، وغير ها من الكتب النقدية القديمة التي عالجت أشكال التناص، على الرغم من أن هذه المعالجة وردت تحت مسميات مختلفة.[13]

ومن المنظور الحداثي، فقد عرفت جوليا كريستيفيا «التناص» بأنه: «فضاء متداخل نصيا، وأنه مجال لتقاطع عدة شفرات تجد نفسه في علاقة متبادلة، وامتصاص لنصوص متعددة، ومن ثم هدمها».[14]

أما مارك أنجينو فهو يرى التناص بأنه يتمثل في «كل نص يتعايش بطريقة من الطرق مع نصوص أخرى، وبذا يصبح نصا في نص تناصا».[15]

ومن النقاد المحدثين العرب، فقد عرف أحمد الزعبي التناص بقوله: «أن يتضمن نص أدبي ما، نصوصا وأفكارا أخرى سابقة عليه عن طريق الاقتباس أو التضمين، أو التلميح، أوالإشارة، أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافي لدى الأديب، بحيث تندمج هذه النصوص والأفكار مع النص الأصلي وتندغم فيه ليشكل نصا جديدا واحدا متكاملا.»[16]

دراسة تطبيقية لأنماط دراسة تطبيقية الواردة في النص المدروس:

وظف حامد محمود الهجري أنماطا من التناص في رواية «خادم الوطن»، عبر استخدام آليات تناصية متنوعة، وفيما سيبدو من استفادته لتقنية التناص يُستَنتَج أن الأديب نهل معينا غزيرا من الثقافة الإسلامية، وذلك لورود كم كبير من التناص مع القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؛ وقد استفاد كذلك من كلام العرب نظما ونثرا كما سيتضح ذلك فيما يأتي:

التناص مع القرآن الكريم:

إن القرآن الكريم أول مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وهو المنبع الأساسي الذي يستقي منه المسلم أفكاره ومبادئ دينه؛ وكان حبل الله المتين الذي أُمِرَ بالاستمساك به. وهذا يعني أنه ليس بغريب أن يُلمَس معانيه وأفكاره من إنتاجات الأدباء المسلمين.

وبالرجوع إلى الرواية المدروسة، يُستنتج أن حامد محمود الهجري، قد أخذ من معاني القرآن الكريم على مساحة واسعة في روايته، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى التجربة التعلمية التي عايشها، أضف إلى ذلك أثر بيئة مدينة إِلُورِنْ الإسلامية، والتي حظيت شهرة واسعة في خدمة القرآن وأهله، مما أدى إلى انتشار المدارس القرآنية التي تخرج منها العلماء وحملة القرآن، كما تخرج منها الأدباء الذين امتصوا أفكارا ودلالات قرآنية، واستدعوها في نصوصهم الفنية من الكلام المنظوم والمنثور. وسيكون النص الروائي المدروس شاهدا على ما هو سالف الذكر، كما سيتضح ذلك فيما يلي:

1.لما رجع الأديب إلى وطنه للخدمة المرسومة، شرع يعبر عن المشاكل التي واجهها قبل انضمامه إلى ركب خدام الوطن، ومن هذه المشاكل: مطالبته بترجمة شهاداته العلمية إلى الإنجليزية، وظن أنه وصل إلى الغاية، إلا أنه فيما بعد لم يصدق ظنه بقوله: «ومن الحقيقة أحيانا ما هي أمرُّ وأدهى»[17]، امتصاصا من قوله تعالى: ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ [سورة القمر / 46].

2.وقد صارت أحلامه يقينا حيث أتت مشكلة جديدة أكبر من أختها، لنستمع إليه يقول» إذ فوجئ بمشكلة أشد وأخطر من أختها».[18] وهي أن الحكومة النيجيرية لاتعرف الكلية التي تخرج فيها نور في تشاد، وعليه إثباتها عبر التزكية الرسمية من سفارة جمهورية تشاد بنيجيريا.

يُلمس مما هو سالف الذكر أن الأديب استفاد في روايته من الآية الكريمة: ﴿وما نريهم من ءاية إلا هي أكبر من أختها﴾ [سورة الزخرف / 48].

صاغها الكاتب على نمط التناص، آليته الامتصاص.

3.ومن تجليات التناص مع القرآن قول الكاتب وهو في معرض الحديث عن المشاجرة التي دارت بينه وبين زملائه بالجامعة عن مستقبل دارسي اللغة العربية في نيجيريا: «ومنهم من كاد يتميز من الغيظ لوقعة كلامه».[19] امتصاصا من قوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [سورة الملك / 8].

  1. ومنه قول الكاتب وهو يعبر عن لقائه مع صديق من لاَغُوسْ في مكتب الخدمة الوطنية بأبوجا، والفرق بينه وبين نور، هو أن الصديق أكمل تسجيلاته في يوم واحد غير أن نور استغرق أياما عديدة ولم ير نورا في ذلك فقال: «فما الفرق بيني وبينه؟ هو يلهج بلسان إنجليزي أعجمي، وأنا أفصح بلسان عربي مبين. وهل الذنب كل الذنب أني درست العربية؟».[20]

يُستنتَج مما سبق أن الكاتب يوظف آلية الامتصاص في تناصه مع الآية الكريمة: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾[سورة النحل / 103].

5.ينقل الكاتب تجربته الشعورية عبر التناص مع القرآن الكريم، وذلك لما اتصل بمكتب سفير جمهورية تشاد بأبوجا، وأخذ الموظف شهاداته العلمية إلى الطابق العلوي ليُرِيَ السفير بغية التحقيق والتزكية من حضرته، وبعد برهة عاد الموظف مسرعا هتفا باسمه، «فأوجس نور في نفسه خيفة، تري! ماذا حدث أيضا؟ وهل جد جديد آخر؟».[21] يُلمَس من السياق تناص مع قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾[سورة طه / 67].

على نسق الامتصاص.

6.وفي وصف الروائي لخروجهم إلى التدريب في المخيم بعد النفخ في المنبه، وظف الآلية التناصية بقوله: «أما المنبه الثالث فهو المنبه الناري! فما أدراك ما المنبه الناري.. وأنه يجعل عالي المخيم سافله، ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أتى عليها.. ومما زاده يقينا أن الشباب يخرجون كأنهم من الأجداث سراعا في ملابسهم القصيرة البيضاء كأكفان الموتى تماما، ورأى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن هول هذا الصوت عليهم شديد، وها هو المرء يفرُّ من أخيه وجاره، وصاحبته التي تفديه».[22]

يُلمَس من النص السابق مدى تجليات التناص بغزارة، حيث وظف آلية التحوير لأول مرة بقوله: « أما المنبه الثالث فهو المنبه الناري! فما أدراك ما المنبه الناري؟» ففي ذلك تناص مع قوله تعالى: ﴿القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة﴾[سورة القارعة / 1-3].

واستمر الكاتب ينقل إلينا الصورة بقوله: « وأنه يجعل عالي المخيم سافله، ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أتى عليها.» ففي ذاك امتصاص من قوله تعالى: ﴿فجعلنا عاليها سافلها…﴾[سورة الحجر / 74]، وقوله تعالى: ﴿ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾[سورة الكهف / 49].

واستمر يتناص مع آي الذكر الحكيم بقوله: « ومما زاده يقينا أن الشباب يخرجون كأنهم من الأجداث سراعا في ملابسهم القصيرة البيضاء كأكفان الموتى تماما». ففي ذلك إمتصاص من قوله تعالى: ﴿يوم يخرجون من الأجذاث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون﴾[سورة المعارج / 43].

وفي قول الكاتب: « ورأى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن هول هذا الصوت عليهم شديد، وها هو المرء يفر من أخيه وجاره، وصاحبته التي تفديه». تناص مع قوله تعالى: ﴿… وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾[سورة الحج / 2]، وقوله تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه﴾[سورة عبس / 34-36].

7.ومن التناص مع القرآن الكريم في هذه الرواية، قول الكاتب وهو يحكي قول قائد الجنود لما رأى الشباب يتسابقون إلى قاعة المحاضرة فارين من التدريب: «لِمَ هذا الجري؟ كأنكم حمر مستنفرة، فرت من قسورة؟».[23]

يُلمَس من السياق تناص مع قوله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة﴾[سورة المدثر / 50-51]. صاغه الشاعر على نسق الاجترار.

التناص مع الحديث النبوي الشريف:

كان أحمد محمود الهجري يتناص مع الأحاديث النبوية الشريفة في روايته لتأييد رسالته الفنية، ومن ذلك ما يلي:

1.قوله وهو يصف نفسه حاملا زي الخدمة الوطنية: «نظر إلى نفسه وهو يحمل أزياء المخيم فكأنه قد ملك الدنيا بحذافيرها».[24] ففي قوله: « فكأنه قد ملك الدنيا بحذافيرها»، تناص مع قوله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سِرْبه مُعَافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها»[25]. يُلمس مما سبق تناص مع الحديث آليته الامتصاص.

2.ومنه قوله وهو يؤيد التثبُّت على شيئ قبل إصدار الحكم عليه: «ليس الخبر كالمعاينة».[26]

يُستنتَج من النص المذكور تناص مع الحديث النبوي الشريف: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألق الألواح.»[27].

وقد صاغه الكاتب على نسق التناص مع الحديث، آليته الاجترار.

3.ومن التناص مع الحديث قول الكاتب وهو يصف خروجهم للتدريب مارِّين بالقرويين من الفلاحين: «والتقوا فلاحين وأبناءهم الحفاة العراة». ففي ذلك تناص مع الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل ومجيئه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن الساعة، فأخبره صلى الله عليه وسلم عن أماراتها وذكر: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان».[28]

لقد استفاد الكاتب من الحديث المذكور على نسق التناص، آليته الاجترار.

4.ومنه قوله حين يحكي نصيحة قائد اللصوص لخادم الوطن: «ليس على هذه البسيطة علم لا ينفع أو عمل لايُجدي، فرحم الله عبدا إذا عمل عملا أتقنه».[29]

يُلمَس من النص تناص مع قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.»[30]. وقد صاغه الكاتب على نسق الامتصاص.

التناص الأدبي:

من الجدير بالاعتبار أن سمات التناص موجودة في الكلام الأدبي منظومه ومنثوره; ففي الشعر العربي القديم وُجِد إشارات واضحة الدلالة عن هذه الظاهرة، حيث يُلمَس من امرئ القيس الأخذ من غيره، وذلك حين يعبر بأنه لم يكن بدعا ممن بكى على الأطلال، بل سبقه بذلك ابن حذام فأخذ عنه وقلده. وعلى ذلك يقول:

عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حذام

وهذا عنترة بن شداد العبسي يعبر بأن الشعراء السابقين لم يتركوا شيئا من الأفكار والمعاني إلا وقد تحدثوا عنها، فهو آخذ عنهم، وقد أشار إلى ذلك بقوله:

هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم[31]

وبالرجوع إلى رواية «خادم الوطن»، يُستنتَج مدى التداخل النصي بين هذه الرواية وغيرها من النصوص الشعرية والنثرية على نحو ما يلي:

أ.التناص مع الشعر:

وظف الشاعر تفقنية التناص مع الشعر على النحو التالي:

1.يقول الكاتب في تخلصه للحديث عن معاناته من أجل التسجيل للخدمة الوطنية: «الرياح تأتي أحيانا بما لا تشتهيه السفينة».[32]

يُلمَس من النص السابق تناص مع شعر المتنبي في قوله:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن[33]

صاغه الكاتب على نسق التناص مع الشعر، آليته الامتصاص.

2.ومنه قوله معبرا عن زيارة صديق أبيه له في المخيم، وذلك لما أراد الرجوع إلى بيته فكر الروائي في بيتين لأحد الشعراء فقال:

خرجنا من الدنيا ومن وصل أهلها

ولسنا من الموتى ولسنا من الأحيا

إذا جاءنا الزوار يوما لحاجة

عجبنا فقلنا: جاء هذا من الدنيا[34]

يُستنتج من النص السابق تناص شعري مع قول ابن الجهم:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى

إذا جاءنا السجان يوما لحاجة

فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا[35]

وظفه الكاتب على نمط التناص مع الشعر، آليته الامتصاص.

  1. بعد المناقشة التي دارت بين نور وبين زميله عن أخلاق رئيسة المجموعة في المخيم وسوء إدارتها، أضاف قائلا: «هذا مطابق لقول أعرابي حين قال:

يشتمني عبد بني مسمع

فصنتُ عنه القول والعرضا

ولم أجبه احتقاري له

من ذا يعضُّ الكلب إن عضا[36]

ففي ذلك تناص مع شعر الثعلب الكوفي حين يقول:

يشتمني عبد بني مسمع

فصنتُ عنه النفس والعرضا

ولم أجبه لاحتقاري له

من ذا يعض الكلب إن عضا[37]

صاغه الكاتب على نسق التناص الشعري آليته الامتصاص.

  1. ومن التناص الشعري قول الكاتب مفتخرا بزملائه خدام الوطن، وذلك عند قيامهم صفا كأنهم بنيان مرصوص أثناء حفلة التخرج فقال: «سل الزمان عنهم، هل أنجب لهم أمثالا؟ وسل نيجيريا عنهم هل رأت لهم من الأبناء بدلاء؟ إنهم شباب اليوم ورجال الغد»[38]

يُلمس من النص السابق تناص شعري على نسق التحوير مع قول صفي الدين الحلي:

سلي الرماح العوالي عم معالينا

واستشهد البيض هل خاب الرجى فينا

وسائلي العرب والأتراك ما فعلت

في أرض قبر عبيد الله أيدينا[39]

ب.التناص مع النثر الفني:

وظف الكاتب تقنية التناص مع الكلام المنثور عبر استخدام طاقات الأمثال لنقل رسالته إلى المتلقي، وفيما يلي نماذج من الأمثال العربية القديمة المتناصة الواردة في النص المدروس:

1.يقول الكاتب الروائي في وصف المخيم الي استوطنوا فيه للتدريب: «وإذا نظرت إلى المكان من بعيد تراه مدينة قديمة عفا عليها الزمان، وأكل عليها الدهر وشرب «.[40]

يُستنتَج من النص السابق، تناص مع المثل العربي: «أكل عليه الدهر وشرب». وهو مثل يُضرَب لمن طال عمره. يريدون: أكل وشرب زمنا طويلا.[41]

  1. ومن التناص مع الأمثال الواردة في الرواية المدروسة، قوله وهو يصف استيقاظهم من النوم وخروجهم إلى ميدان التدريب: «فاختلط الحابل بالنابل، وخرج كل واحد بما عليه من اللباس».[42]

فالعبارة التي تحتها خط تناص مع المثل العربي: «اختلط الحابل بالنابل». مثل يقال عند اختلاط الآراء وتضاربها، وعدم وضوحها، صاغه الكاتب على نسق الاجترار.

3.ومنه قوله وهو يصف بيئة مدينة غُومْبِي الاجتماعية بأن الناس على نوايا مختلفة: « فكل طير على أشكالها تقع».[43] فيه تناص مع المثل العربي: «إن الطيور على أشكالها تقع». يُضرَب هذا المثل عند الحديث عن الناس الذين لديهم تشابه كبير في السلوك.[44]

والجدول التالي يوضح كمية شيوع التناص ونسبته المئوية في النص الروائي المدروس:

المجموع الكليالنسبة المئويةعدد ورودهعنصرهنوع التناص
75،8%47القرآنالديني
9،7%06الحديثالديني
6،5%04الشعرالأدبي
8،6%05النثرالأدبي
62الأسطوري

حاز التناص الديني نصيبا وافرا من مجموع الظواهر التناصية الواردة في رواية «خادم الوطن»، حيث ورد التناص مع القرآن الكريم بنسبة 75،8%، يليه التناص مع الحديث النبوي الشريف بنسبة 9،7%. ولا غرابة في ذلك، لعل السبب في ميول الكاتب إلى الاستفادة من النصوص الدينية يرجع إلى ثقافته الإسلامية الوافرة التي نهل من ينابيعها منذ نعومة أظفاره. وقد استقى مادته الفنية كذلك من النصوص الأدبية، حيث ورد التناص مع الشعر بنسبة 6،5%، يليه التناص مع النثر الفني المتمثل في الأمثال العربية القديمة بنسبة 8،6%، ما يدل على مدى استفادته من التراث العربي في تشكيل مادته الفنية.

خاتمة:

تُمثِّل رواية «خادم الوطن» نصيبا من الثقافة العربية النيجيرية، وقد صاغها الكاتب الروائي حامد محمود الهجري بغية كشف الغطاء عن زاوية من تجربته الذاتية، وإزالة الستر عن واقع دارسي اللغة العربية في هذه البلاد النيجيرية. ومن الناحية الشكلية، فإن عنوان هذه الرواية باب مفتوح لسبر أغوار مضامينها، حيث استهل الكاتب بالحديث عن حفلة تخرجه في الجامعة، مرورا إلى عودته إلى وطنه لمواجهة الخدمة الوطنية. وقد اختفى الكاتب وراء الستارة الفنية في الحديث عن معاناته والعراقيل التى كابدها قبل وصوله إلى بر الأمان، مراعيا في ذلك مطلعا بارعا، وتخلصا ممتعا، وخاتمة جذابة مثيرة للعواطف.

وقد توصل البحث إلى نتائج، منها ما يلي:

-جمع حامد محمود الهجري بين الماضي والحاضر في تشكيل مادته الفنية، حيث استفاد كثيرا من النصوص التراثية العربية.

-ورد التناص الديني بنسبة كبيرة في النص المدروس، ما يدل على وفرة نصيب الكاتب في الثقافة العربية الإسلامية.

-استفاد الكاتب من النصوص الأدبية بنسبة متوسطة، مما أضفى الجمال والإيحاء في أسلوب هذه الرواية.

-وظف الكاتب ألفاظا جزلة مستقيمة، مما ساعد في وضوح النص، ونقل رسالته إلى المتلقي بصورة فنية بعيدة عن الغموض.

وأخيرا، يوصي الباحث إخوته الدارسين والمتعلمين، بأن يشمروا عن سواعد الجد في البحث والتنقيب عن إنتاجات علماء هذه البلاد النيجيرية، وخاصة مما يمت بصلة إلى الحقل الفني، بغية إزالة الستر عما تتمتع به هذه المنطقة من التراث العربي والإسلامي.

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


المراجع:

– القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

– ابن رشيق، أبو على الحسن القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، الطبعة الخامسة، 1401 هـ / 1981م.

– ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن على، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، (د.ت.).

– الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، المحاسن والأضداد، مطبعة السعادة، مصر، ط1، 1324ه.

– السقا، مصطفى، مختار الشعر الجاهلي، دار الفكر، بيروت، ط1، 2007م.

– الشواوره، صفوان مقبل، ظاهرة التناص في روايات مؤنس الرزاز، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الأدب والنقد، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة مؤتة، الأردن، 2008.

– كاك، عبد الفتاح داود، التناص دراسة نقدية في التأصيل لنشأة المصطلح ومقاربته ببعض القضايا النقدية القديمة: دراسة وصفية تحليلية، د.م، 2015م.

– مجدي، وهبة ومهندس، كامل، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984م.

المستعصمي، محمد بن ايدمر، الدر الفريد وبيت القصيد، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2015.

الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، 1955.

– الهجري، حامد محمود إبراهيم، خادم الوطن، ط1، مطبعة ألبي، إلورن، نيجيريا، 2008م.

https://www.albayan.ae/our-homes/2010-04-25-1.202742 (15-07-2020)

https://www.alsamim.com/topics/315 (15-07-2020)

https://www.qiraatafrican.com/home/new/%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%87%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%88%D9%8A-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7#sthash.L691EuNj.dpbs (15-07-2020)


[1] الهجري، حامد محمود إبراهيم، خادم الوطن، مطبعة ألبي، إلورن، نيجيريا، ط1، 2008م.

[2] م ن، ص 1.

[3] ابن رشيق، أبو على الحسن القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، الطبعة الخامسة، 1401 هـ – 1981م، ج1، ص 71.

[4]العمدة في محاسن الشعر وآدابه، م س، ص 71.

[5] مجدي، وهبة، ومهندس، كامل، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984م، ص 174.

[6] خادم الوطن، م س، ص 103.

[7] البيهقي، شعب الإيمان، 4/1867. السيوطي، الجامع الصغير، 1855. الألباني، صحيح الجامع، 1880.

[8] مختار، أحمد عبد الحميد عمر، معجم اللغة اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، 2008م، 2/11174، نقلا عن: نمدي، علي إسحاق، بنية الشخصيات في الرواية النيجيرية العربية «ادفع بالتي هي أحسن» لجميل عبد الله نموذجا:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%87%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%88%D9%8A-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7#sthash.L691EuNj.dpbs  (15-07-2020 )

[9] زيتوني، لطيف، معجم مصطلحات نقد الرواية، مكتبة لبنان، بيروت، 2002م، ص 113، نقلا عن: بنية الشخصيات في الرواية النيجيرية العربية، م س.

[10] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، (د.ت.)، ج4، ص 345.

[11] م ن، ص 86.

[12] لسان العرب، م س، 7/97.

[13] كاك، عبد الفتاح داود، التناص دراسة نقدية في التأصيل لنشأة المصطلح ومقاربته ببعض القضايا النقدية القديمة: دراسة وصفية تحليلية، د.م، 2015م، ص 3.

[14]الشواوره، صفوان مقبل، ظاهرة التناص في روايات مؤنس الرزاز، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الأدب والنقد، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة مؤتة، الأردن، 2008، ص 7.

[15] ظاهرة التناص في روايات مؤنس الرزاز، م س، ص 7.

[16] م ن، ص 8.

[17] خادم الوطن، م س، ص 6.

[18] خادم الوطن، م س، ص 6.

[19] م ن، ص 9.

[20] م ن، ص 14.

[21] م ن، ص 18.

[22] خادم الوطن، م س، ص 40.

[23] م ن، ص 50.

[24] خادم الوطن، م س، ص 33.

[25] أخرجه الترمذي (2346)، وابن ماجه (4141)، وحسنه الألباني.

[26] خادم الوطن، م س، ص 67.

[27] أخرجه أحمد. وهو حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

[28] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم:34.

[29] خادم الوطن، م س، ص 103.

[30] أخرجه أبو يعلى والطبراني، وصححه الألباني.

[31]السقا، مصطفى، مختار الشعر الجاهلي، دار الفكر، بيروت، ط1، 2007م، ص 318.

[32] خادم الوطن، م س، ص 4.

[33] البيت من قصيدة للشاعر المتنبي، مطلعها بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ.

[34] خادم الوطن، م س، ص 54.

[35] الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، المحاسن والأضداد، مطبعة السعادة، مصر، ط1، 1324ه، ص 38.

[36] خادم الوطن، م س، ص 66.

[37]  المستعصمي، محمد بن ايدمر، الدر الفريد وبيت القصيد، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2015، ج6، ص 2962.

[38] خادم الوطن، م س، ص 94-95.

[39] https://www.albayan.ae/our-homes/2010-04-25-1.202742 (15-07-2020)

[40] خادم الوطن، م س، ص 29.

[41] الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، 1955، ج1، ص 42.

[42] خادم الوطن، م س، ص 41.

[43] م ن، 89.

[44] https://www.alsamim.com/topics/315 (15-07-2020)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.