منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المَخَاطِرُ مِنَ الصَّلابَةِ إِلى السُّيُولَةِ أَو المَخَاطِرُ مِنَ المَحَلِّي إلِى الْكَوْني 

ذ. حميد حشادي /المَخَاطِرُ مِنَ الصَّلابَةِ إِلى السُّيُولَةِ أَو المَخَاطِرُ مِنَ المَحَلِّي إلِى الْكَوْني 

0

المَخَاطِرُ مِنَ الصَّلابَةِ إِلى السُّيُولَةِ أَو المَخَاطِرُ مِنَ المَحَلِّي إلِى الْكَوْني 

Risks from hardness to liquidity or risks from local to cosmic

 

 الملخص

تشكل المخاطر في العالم واحدة من المشاكل التي تؤرق المجتمعات والدول، فهي دائما ما تخلف وراءها العديد من الأضرار التي تثقل كاهل الشعوب والأمم، وفي غياب الاستشراف ترزح البشرية تحت تهديدها بشكل مستمر، خصوصا مع تنامي ظواهر تنافي الاستدامة من أجل الأجيال القادمة وتسعى لتدمير الكوكب الأزرق خصوصا أنشطة الرأسمالية المتوحشة التي تسعى نحو الربح الفاحش والسريع دون مراعاة المحافظة على احتياجات الإنسان الأساسية.

بالنظر إلى طبيعة المخاطر وتحليلها ومعرفة أسبابها الكامنة وراءها، نتعرف على بعض الحلول التي ربما تحد من عواقبها القريبة والبعيدة المدى عن طرق خطوات علمية وعملية توضح السبل من أجل الحفاظ على الإنسان ونسله ومستقبله على الأرض.

الكلمات المفتاحية: المخاطر، السيولة، الصلابة، الاستشراف

 

Abstract:

The dangers in the world are one of the problems haunting societies and States, since they always leave behind a great deal of damages that overburden peoples and nations.

In the absence of revelation, humanity is constantly under their threat, especially with the growth of unsustainable phenomena for future generations and the pursuit of the destruction of the Blue Planet, particularly the brutal, wildly profitable and fast-paced activities of capitalism, without regard to the preservation of basic human needs.

Given the nature of the risks, their analysis and their underlying causes, we are familiar with some solutions that may limit their near and far-reaching consequences through scientific and practical steps that illustrate ways to preserve man, his offspring and his future on Earth.

Keywords: Risk, Liquidity, Hardness, Foresight

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

مقدمة

عاشت المجتمعات على مر التاريخ الكثير من المخاطر  والتي كانت تشكل دائما خطر على حياة الأفراد، وكان كل فرد يسعى لتجنبها قدر الإمكان، معتمدا في ذلك على إمكانيات الخاصة، أو ما توفره له الطبيعة من أدوات، لكن مع العولمة أصبحت المخاطر معولمة هي الأخرى إن صح التعبير، أو أصبحت أكثر سيولة على حد تعبير “باومان[1]“، فصار الخوف هو السلعة الرائجة في الكوكب أو “القرية الصغيرة” بالنظر إلى سهولة انتشار المخاطر، مع الانتشار السريع وسيطرة الآلة عوض الإنسان على الكوكب الصغير، فما من بقعة في العالم إلا وهي مهددة بخطر من المخاطر المعولمة، والكل مهدد بالمخاطر البيئية الكبيرة والمخاطر الاقتصادية نتيجة تفاقم أزمة نهاية العمل وانتشار البطالة بشكل مخيف لا تنفع معه حلول للدول والمنظمات الدولية، وانتهاك برتوكول كيوتو[2] للحد من الانبعاثات.

وبذلك طرحنا إشكالات هذه الورقة البحثية:

  1. ما هو المفهوم الجديد للخطر والمخاطر؟
  2. ما هي أنواع المخاطر الجديدة؟
  3. ما هي سمات هذه المخاطر؟
  4. هل من نظريات لدراسة المخاطر؟
  5. كيف يمكن مواجهة هذه المخاطر؟

هذا ما سنحاول البحث من أجل الإجابة عنه عبر منهج وصفي تحليلي لأهم القضايا المتعلقة بالمخاطر عبر:

  • مقدمة تبين أهمية الموضوع وقيمته والجديد فيه والمنهج المتبع في الإنجاز.
  • المبحث الأول نتحدث فيه عن المخاطر مفهومها وأنواعها وسماتها حسب ما جاء عند المنظرين في هذا المجال.
  • المبحث الثاني ندرس فيه تطور مفهوم المخاطر من الرؤية التقليدية الضيقة إلى مفهوم واسع يلامس كافة مجالات الحياة.
  • المبحث الثالث نبين في سبل تجاوز المخاطر: سنعرض من خلالها بعض الأدوات التي تمكن الإنسان من تجاوز المخاطر ورسم مسار للوقاية منها قبل وقوعها أو الحد من تداعياتها على بني جنسه.
  • خاتمة: تتضمن أهم نتائج البحث المتوصل إليها وأهم الخطوات العملية من أجل تجويد التعامل مع المخاطر وفق أدوات منهجية.

المنهج المتبع في هذه الورقة البحثية:

هو منهج وصفي تحليلي، حيث يتم وصف الظاهرة في أبعادها المختلفة وسماتها حسب ما تبدو من خلال مجموعة من المنظرين، ثم تحليلها إلى عناصر قابلة للتفسير من أجل التعرف على بعض الاستراتيجيات من أجل مواجهتها والحد من آثارها.

  1. المبحث الأول: المخاطر مفهومها وتطورها

في هذا المبحث نتوقف عند مفهوم المخاطر والمفاهيم التي تجاور حقله المعرفي والفرق بين المخاطر والكوارث وما الذي يجمع بينهما، مع دراسة أهم التطورات التي عرفها هذا المفهوم.

  • مفهوم الخطر والمخاطر:

من المعاني التي وردت في مفهوم الخطر:

  1. الخاء والطاء والراء أصلان: أحدهما القَدْر والمكانة، والثاني اضطرابٌ وحركة[3].
  2. الإشراف على الهلاك يقال خاطر بنفسه[4].
  3. احتمال وقوع حدث لمفردة من مجتمع البحث.
  4. احتمال الخسارة.
  5. والخَطْرُ مصدر خَطَرَ الفحلُ بذنبه يَخْطِرُ خَطْراً وخَطَراناً وخَطِيراً: رَفَعَهُ مرة بعد مرة، وضرب به حاذيْهِ، وهما ما ظهر من فَخِذيْه حيث يقع شَعَرُ الذَّنَبِ، وقيل: ضرب به يميناً وشمالاً[5].
  6. وجود عدة نتائج ممكنة يمكن أن تترتب على القرار، والمهم إمكانية حساب النتائج المختلفة التي يمكن أن تترتب على اتخاذ القرار[6].

بذلك تكون المخاطر نتيجة محتملة لموقف ما، ويعرف نيكولاس لومان المخاطرة بقوله:” أذى محتمل يخيف الفرد ويرتكز على قرار اتخذه بنفسه، إنها عملية حسابية تأخذ بالاعتبار الخسارة والفائدة المحتملة بالاستناد إلى الزمن”، في حين يعرفها أنتوني جيدنزبقوله: “تلك المجازفات التي يتم تقويمها فعليا في علاقتها بالاحتمالات المستقبلية”.

  • مفهوم الصلابة:

هي مرحلة الحداثة، هي مرحلة الإنتاج والتطور الذي تتحكم به الدولة وتكبح جماح الأفراد لصالح المجموع، وتضع القواعد التي تضبط التحولات في المحيط، ويكون الإنسان منخرط في بيئة ومجموعة ينضبط بنظامها ويسير وفق عادات وتقاليد بني جنسه، في تناغم تام بين ما يؤمن به وما يحيط به، دون أن يشكو من اختراق أو سرعة تحول، فهي ملازمة للثبات.

  • مفهوم السيولة:

هي الانتقال من زمن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، أي من زمن الصلابة إلى زمن السيولة، أو من اليقين إلى اللايقين، في زمن كل شيء فيه يتحول، والثابت الوحيد فيه هو القاعدة التي تقول أن كل شيء يتغير، من” سيولة البشر بتدفقهم من مكان إلى آخر، وسيولة المال و إلغاؤه للحدود التقليدية التي أقامتها الحداثة الصلبة، وسيولة الهويات بتغيرها المستمر، وسيولة القيم الأخلاقية من خلال النزعة الاستهلاكية وما عنته من تمظهرات في السلوك والمعتقدات”[7]، وبذلك تكون السيولة هي تفكك الكليات وتشتت المجاميع وانفصال الهويات وتشكلات سائلة قابلة للتحول في كل لحظة وغياب كل ثابت قادر على الصمود في وجه العولمة المتوحشة.

  • الفرق بين الكارثة والمخاطرة عند أولريش بيك:

ميز بيك بين الكارثة والمخاطرة بقوله: “المخاطر تعني التنبؤ بالكارثة”[8]، وبذلك تكون المخاطر دائما مستقبلية، لم تقع بعد، ولا نعرف مكانها وزمانها وخسائرها، لكن لدينا مؤشرات تنبئ عن ظهورها واقترابها، وهذا يحيلنا على أهمية دور الإخراج السنيمائي، فهو الذي يحول المخاطر إلى واقع، و”يصبح مستقبل الكارثة حاضرا، الأمر الذي يهدف في الغالب إلى منعها وتفاديها، من خلال التأثير على القرارات الحالية”[9]، وفي اللحظة التي تصبح فيها المخاطرة واقعا، أي عندما سنفجر مفاعل نووي، أو عندما يحدث هجوم إرهابي، فهي تتحول إلى كارثة.

أما أولريش بيك فيركز على ثلاثة منظورات للمخاطر وهي:

  • العولمة: وهي التي ساهمت في انتشار المخاطر بشكل ملفت، فانتقلنا من المحلي إلى الدولي، ومن المخاطر التي يمكن التحكم فيها إلى المخاطر العابرة للقارات والتي لها انعكاسات على الجميع، وبدرجة خطورة أعلى وبخسائر على كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية.
  • التصوير والإخراج: وهو ما يجعل المخاطر حاضرة في ذهن الإنسان مسيطرة على أفعاله حاضرا ومستقبلا، وبذلك يصير الخوف أشد خطرا من المخاطر ذاتها، فأصبح الانسان يعيش حالة من الخوف والفزع، مما أدى إلى انتشار الأمراض النفسية الوسواسية القهرية بشكل مخيف وفق آخر الإحصائيات.
  • أنواع المخاطر: يصنفها بيك إلى ثلاثة أنواع:
  • مخاطر بيئية وهي مخاطر تصيب مكان عيش الإنسان، فتصيب الماء وهو المادة الحيوية التي لا يمكن لأي كائن حي العيش بدونها، وتصيب الهواء وهو العنصر الثاني في مكونات المنظومة البيئية للإنسان.
  • مخاطر اقتصادية وقد ضربت عدة أزمات اقتصادية، أبرزها أزمة 2008 والتي خلفت مخاطر على الصعيد العالمي.
  • مخاطر إرهابية وهي مخاطر انتقلت من الإرهاب الفردي المحلي إلى الإرهاب المنظم والذي يتلقى الدعم من جهات نافذة في الحكومات العالمية من أجل الترويج أكثر لبيع الأسلحة وبذلك تلتقي كافة الخاطر وتجتمع لتشكل كابوسا للبشرية ينبغي التصدي لها والتفكير الجدي في حلول لها أو الوقاية منها قبل وقوعها وانتشار أضرارها بشكل كبير.
  1. المبحث الثاني: تطور مفهوم المخاطر

في هذا المبحث سنتعرف المراحل التي مر عبرها مفهوم المخاطرة إلى أن استقر على مفهومه الجديد.

  • نشأة مفهوم المخاطرة:

يبدو أن مفهوم المخاطرة قد انتشر في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان أول من أشار إليه المستكشفون الغربيون حين شرعوا برحلاتهم حول العالم” وكانت تستعمل للتعبير عن الإبحار في مياه لم يبحر فيها أحد من قبل”[10].

ويميز جيدنز مفهوم المخاطرة عن مفهوم الخطر، فالثاني “يشير إلى الخطر المقدر بوعي فيما يتعلق بالاحتمالات المستقبلية”[11]، ويتوقع أن تكون المخاطرة “وسيلة لتنظيم المستقبل وتطبيعه وجعله تحت سيطرتنا”[12]، يما يعود بالنفع على البشرية من خلال الاستعداد للقادم ومعرفة كيفية مواجهة التحديات مستقبلا، سواء كانت المخاطر داخلية أم مصطنعة وفق تصنيف جيدنز:

  • مخاطر خارجية: وهي ما ارتبط بالتقاليد والطبيعة والتي تحدث خارج إرادة الانسان، مثل الكوارث الطبيعية من فيضانات وحرائق وزلازل وغيرها.
  • مخاطر مصنعة: وهي التي يتدخل فيها الانسان بإرادته والتي تنجم عن قصور وقلة خبرة الإنسان، مثل خطر التعديل على الجينات والمواد المعدلة والحروب البيولوجية والإلكترونية الرقمية.

 

  • الخوف من المخاطر:

ويؤكد جيدنز أننا انتقلنا من زمن الخوف من المخاطر الخارجية الناتجة عن الفيضانات والكوارث والأوبئة، إلى الخوف الشديد مما نفعله نحن بالطبيعة وانعكاسات ذلك علينا، ذلك” أن القليل مما يحيط بنا قد سلم من تدخل الإنسان”[13]، والقاعدة التي تحكم هذه المخاطرة هي المعادلة القائلة: “كلما تزايدت المخاطر المصطنعة ازداد خطرها”[14]، خصوصا مع ظهور المنافسة القوية بين الدول نحو التصنيع بكل أنواعه، والتنافس الامبريالي نحو سباق التسلح النووي، وانعكاسات ذلك على البيئة وعلى ما يحيط بنا، وبذلك يسير الإنسان نحو القضاء على سبل العيش في هذا الكون، مما يحتم على الجميع باعتبار الاشتراك في مستقبل واحد، التفكير الجدي بمفهوم الاستدامة، والتفكير في عواقب الاستمرار في المخاطرة بمستقبل الأجيال القادمة، ذلك “أن أغلب القضايا البيئية يما فيها تغير المناخ العالمي لا تتعلق بندرة الموارد، بل بالإسراف في استغلالها، و من أمثلة ذلك ازدحام المرور والتلوث”[15]، ويعد الاستهلاك المفرط من المخاطر المهددة للبشرية، إن لم يكن الخطر الوحيد الذي يهدد الغرب أكثر من الشرق، “ففي الشرق يُقمعُ الناس من الدولة، وفي الغرب كان الاستهلاك يغريهم”[16]، “فهي ثقافة تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري، والاستعمال السريع، والإشباع اللحظي، والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل، والوصفات السهلة المضمونة، والتأمين ضد المخاطر كافة، وضمانات استرداد النقود المدفوعة”[17]، ذلك أن الكوكب الذي يعيش فيه الناس جميعا أصبح في حالة خطورة مرتفعة، ومن أجل ذلك “تتوقف حلول كل هذه المشكلات تقريبا على تغيير نمط الحياة من جانب الأفراد، وهو تغيير لا يمكن فرضه من أعلى بسهولة، ودور الحكومة وغيرها من الجهات المعنية إيجاد مزيج من الحوافز يكون له تأثير فعلي على السلوك”[18].

“تتعلق دلالة المخاطر بأخطار مستقبلية أصبحت موضوعات الحاضر، غالبا ما تنتج نجاحات التمدن والحضارة، كما أنها تتيح إمكانية تعبئة جديدة بعد يوتوبية الشعوب، لا سيما تلك المبادرات الكونية ضد التغير المناخي والتحالفات المتغيرة بين حركات المجتمع المدني والدول والكيانات الاقتصادية الكبرى”[19]، و من خصائص هذا الخطر الذي لا يميز بين الفقراء والأغنياء، فهو يصيب الجميع وتصبح آثاره واضحة في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية، ويصل أحيانا إلى إصابة المجتمع بالشلل التام لمختلف مكوناته، مما يعيق سير الحياة اليومية ويلزم الإنسان بالسير وفق نمط محدد سلفا دون الخروج عليه.

وبذلك ينتقل الإنسان من حالته الفردية إلى الانخراط دون إرادته في “جماعة أخطار عالمية، فالأخطار لم تعد شؤونا داخلية لدولة ما”[20]، فيسبب الخوف انهيار الأعصاب العام لدى الجميع ويصبح خطر الاضطراب عاما، فقد أكد ريتشارد لايارد (Richard Layard) “فالمرض العقلي مشكلتنا الاجتماعية الأكبر حاليا، أكبر من الفقر”[21]، ودعا ريتشارد في مقاله هذا إلى إنشاء شبكة من 250 مركزا للعلاج لتقديم العلاج النفسي للجمهور، مشيرا أن تكلفة هذا المرض باهظة، فهو يكلف 2% من الناتج الوطني المحلي البريطاني[22].

  • علاقة المعرفة بالمخاطر:

هل تزيد المعرفة القدرة على التحكم في المخاطر أم تجعلنا حبيسي المعرفة النظرية بالمخاطر دون الوصول إلى حلول للحد منها، والانتقال من وضع التنبؤ بالمخاطر إلى التحكم فيها، والحد من انتشارها وتأثيراتها على الكوكب الأزرق الذي نعيش فيه، يجيب بيك بقوله: “المزيد من العلم لا يقلل بالضرورة من حجم المخاطرة، بل يزيد من حدة الوعي بالمخاطرة، ويجعل المخاطر تبدو واضحة للعيان بشكل جماعي”[23]، خصوصا وأن العمل تجاوز حاجز الزمان والمكان، “ففي وقت كان العلم تجريبيا محدد بالزمان والمكان، حيث كان العلم مكانه المعمل فحسب، لكن مضى هذا العصر فلقد تحولت الأرض كلها إلى معمل تجارب”[24]،وبذلك يصبح ما كان غير متوقع أمام أعيننا، فنتحدث عن عولمة المخاطر بأنواعها الثلاثة:

  • انتشار الكوارث البيئية في العالم كله وتضرر كل مكونات البيئة من انعكاساتها.
  • تأثير الأزمات الاقتصادية على كافة الدول القوية اقتصاديا والضعيفة منها بفعل سياسة الأسواق المفتوحة والشركات العابرة للقارات، لكن التأثير مختلف من دولة إلى أخرى باعتبار القرب والبعد من مركز انتشار الأزمة، فكلما كانت المسافة قريبة من مركز الأزمة كلما كان التأثير قويا والأزمة شديدة.
  • خطر الإرهاب وتأثيرها في كافة شرائح المجتمعات وشيوعه بين مختلف الفئات ومختلف الإيديولوجيات، فأصبح بذلك سلاحا متاحا وبإمكان الجميع توظيفه بما يحقق مصالحه، حتى صرنا نسمع دولا عظمى توظفه بما يخدم مصالحها الاستراتيجية وضرب دول أخرى أو توجهات محددة.

ويرى كل من أنتوني جيدنز وسكوت لاس أن هناك ارتباط وثيق بين المعرفة والنظر وفق ثلاث قواعد[25]:

  • كلما أصبح المجتمع أكثر حداثة، أنتج مزيدا من المعرفة حول أسسه وبنيته وديناميكيته وصراعاته.
  • كلما امتلك المجتمع مزيدا من المعرفة عن نفسه وزاد تطبيقها، كلما حلت بنية خاضعة للمعرفة ومنقولة علميا ومعولمة للبنى والمؤسسات الاجتماعية محل سولك تقليدي قديم.
  • تحدد المعرفة القرارات وتخلق مواقف سلوكية ويتحرر الأفراد من القوالب.
  1. المبحث الثالث: سمات المخاطر العالمية:

في هذا المبحث سنحاول تحديد أبرز السمات التي تميز المخاطر العالمية، المخاطر التي تتعدى الحدود، والتي لا تعرف عرقا أو دينا أو مكانا بحد ذاته، فهي تصيب الجميع، لذلك يصح تسميتها بالمخاطر المعولمة، قد أكدت جائحة كورونا هذه الفرضية، فهي خطر أصاب الجميع وعلى كافة المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وانتقل بشكل سريع من المحلي إلى الكوني، وتعدت انعكاساته كل التوقعات، رغم أن هناك بعض الدول التي كانت لها دراسات استشرافية وتفاعلت إيجابا معه واتخذت الاحتياطات اللازمة، فقد أرسلت تايوان رسالة تحذيرية لمنظمة الصحة العالمية، لكنها لم تتلق ردا إيجابيا، “وتقول تايوان إن منظمة الصحة العالمية تجاهلت هذه الرسالة ولم ترد عليها، وظلت المنظمة تردد أنه لم يكن هناك دليل على انتقال الفيروس من شخص لآخر حتى 14 يناير (كانون الثاني)، واتهمت تايوان منظمة الصحة العالمية بأنها تجاهلت هذه التحذيرات وقللت من خطورة الفيروس عقب ظهوره في ووهان، وهو ما تسبب في مخاطر تهدد العالم كله”[26].

حدد بيك في كتابه مجتمع المخاطر العالمي[27] ثلاث سمات للمخاطر العالمية:

  • عدم التمركز: لم يعد للمخاطر مكان أو زمان محدد، فهي صالحة لكل زمان ومكان، لا يمكن تحديد نطاقها أو التحكم فيه، فهو عابرة للقارات ومن الصعوبة جدا ضبطها وفق معياري الزمان والمكان، وبذلك يكون الإنسان في كل مكان معرض لها، واقعا تحت تهديدها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك لانفتاح العالم على بعضه البعض، بما يجعل للمخاطر قدرة كبيرة على الانتشار السريع، وقد أكدت جائحة كورونا هذه السمة بشكل واضح، إذ انتقلت من وهان المدينة الصينية بشكل سريع إلى كافة أنحاء العالم في ظرف قياسي، وصار من الصعب التحكم فيها والحد من انتشارها رغم كل الاحتياطات التي اتخذت في هذا المجال، فقد “تسبب مرض فيروس كورونا الجديد(كوفيد-19) في أزمة صحية وإنسانية عالمية لم يسبق لها مثيل مصحوبة باضطرابات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق شملت شتى بقاع العالم. وقد سجلت أول بؤرة لتفشي هذا المرض في مدينة ووهان، ومنذ ذلك الحين، انتشر إلى 119 دولة وإقليم حول العالم”[28].
  • عدم القابلية للحساب والتقدير: لا يمكن حساب نتائجها، فهي مخاطر افتراضية بنتائج افتراضية، لها القابلية على مضاعفة نتائجها المادية، أما النتائج غير المباشرة فهي أشد فتكا بالإنسان، خصوصا الخوف الذي أصبح قريبا من الجميع، فلكل المخاطر خسائر متعددة الأبعاد، فلها نتائج مادية ظاهرة يمكن قياسها والتنبؤ بدرجة تطورها، لكن في المقابل لها نتائج غير مادية ليست بظاهرة ولا يمكن قياسها ولا التحكم فيها.
  • عدم قابليتها للتعويض: بخلاف الذي كان في الحداثة الأولى التي كان فيها التعويض عن الخسائر ممكنا، انتقلنا فيما بعد الحداثة من منطق التعويض إلى منطق الوقاية عوضا عنها، وبذلك يكون السلاح الوحيد الذي يملكه الإنسان هو الوقاية ما أمكن من المخاطر التي تحيط به، عن طريق وضع استراتيجيات الوقاية قبل ظهور المخاطر، فالمخاطر كائنة مستمرة وبشكل أكبر خطورة وبالنظر إلى عدم وجود إمكانية للتعويض، صار لزاما على الإنسان الرفع من درجة حساسية الوقاية لديه دون الوقوع في الخوف الشديد أو الخوف المرضي المفضي إلى المزيد من المشاكل، وهنا تظهر أهمية التربية على ثقافة الوقاية منذ الصغر، وترسيخ قيمها في الأفراد، حتى تصبح سلوكا يوميا روتينيا، يعرف الإنسان عواقبه ويدرك أهميته في حماية الحياة العامة والمحافظة على الاستدامة.
  1. المبحث الرابع: استراتيجيات مواجهة المخاطر:

في المبحث الرابع وبعد التعرف على المفهوم وتطوره وسمات المخاطر، وصلنا إلى استراتيجيات المواجهة والحد من آثار المخاطر سواء المباشرة أو غير المباشرة.

يمكن مواجهة المخاطر العالمية عن طريق أدوات واستراتيجيات تمكن من توقعها وتحديدها وتحليلها واتخاذ التدابير اللازمة للحد منها أو من انتشارها مثل:

  • الإدارة المبنية على المخاطر: “هي عمليات إجراء تخطيط إدارة المخاطر والتعرف عليها، وتحليلها وتخطيط الاستجابة لها ومتابعتها”[29]، ويكون الهدف من هذه العمليات:
  • تقليل المخاطر وتحسين فرص تجاوزها.
  • الحد من المخاطر ومن آثارها.
  • الاستفادة من المخاطر.

ويتم ذلك من خلال العمليات التالية:

  1. وضع خطة إدارة المخاطر: “هي عملية تحديد الطريقة التي يتم من خلالها تطبيق أنشطة إدارة المخاطر”[30].
  2. تحديد المخاطر: ويمكن من خلال هذه العملية تحديد لائحة بأهم المخاطر المهددة للمجتمع مستقبلا.
  3. تحليل المخاطر: وفي هذه العملية يتم تحديد درجة خطورة المخاطر من خلال تحليلها كميا ونوعيا.
  4. خطة الاستجابة للمخاطر: “هي عملية وضع الخيارات واختيار الاستراتيجيات والموافقة على الإجراءات لمعالجة التعرض للخطر”[31].
  5. تطبيق الخطة: ويتم في هذه العملية تنفيذ ما تم التخطيط له من أجل تحقيق الأهداف المرسومة والحد من انتشار المخاطر والتقليل من آثارها.
  6. متابعة المخاطر: في هذه المرحلة يتم تقييم مدى فاعلية التعامل مع المخاطر والمنفعة الحاصلة من تطبيق خطة إدارة المخاطر.
    • استشراف المستقبل برصد العلامات الضعيفة[32] وفق الخطوات التالي:

1-اُرْصُد العلامات الضعيفة وهذا يطلب مهارات قيادية من قبيل الحدس أو القدرة على التوقع ومنهم من يسميها الفراسة.

2-مَيِّز في العلامات الضعيفة بذور التغيير، لأن هناك علامات ضعيفة تتطور لتعطي فرصا قوية للتحسين وهناك علامات خطر تؤشر على مخاطر متوقعة ينبغي الاستعداد الجيد لها قبل الوقوع في المحظور وفوات الآوان.

3-راقب تطور بذور التغيير إلى محركات للتغيير، وهذا يحتاج إلى أدوات قياس ومراقبة تطور العلامات وتصاعدها في الاتجاهين الإيجابي والسلبي.

4-اِحصر محركات التغيير الأكثر أهمية، وهذا يعطينا قوة اقتحامية في المستقبل تمكننا من مواجهة المخاطر بالاستعداد لها من أجل الحد منها، واستثمار الفرص من أجل التحسين المستمر للواقع بما يقوي قدراتنا على مواجهة المخاطر.

وبذلك يمكننا الاستشراف من مراقبة دقيقة للتغيرات المتوقعة قبل ظهور علاماتها القوية، وهذا يتطلب خبرة وتجربة القادة ومراكز الدراسات الاستراتيجية من تجميع مختلف المعطيات وتحليلها باستمرار.

خلاصات:

من خلال هذه الورقة يظهر جليا أهمية التعرف على المخاطر التي تعيشها الأرض وتواجهها مستقبلا والتي بدأت تظهر علاماتها بشكل جلي، وتبين ضرورة التعرف على العلامات الضعيفة من أجل توقع المخاطر بشكل جيد قبل ظهورها، وبذلك نخلص إلى:

  1. أهمية الدراسات الاستشرافية التي تروم دراسة المؤشرات المستقبلية عن طريق تجميع أكبر قدر من المعلومات عن الواقع وتحليلها ودراسة المؤشرات الدالة على التغييرات والاستعداد لها.
  2. تكوين فرق عمل مهمتها تجميع المعطيات من مختلف المجالات وتحليلها واستشراف المستقبل، بما يعود على الإنسانية بالخير.
  3. توفير قاعدة بيانات بأهم الأحداث والظواهر التي يمكن أن تكون مؤشرا على أخطار مستقبلا ودراسة العلاقات بينها على مستوى العالم من أجل الحد من المخاطر المعولمة.

لائحة المصادر والمراجع:

  1. ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ب ت.
  2. أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، مقاييس اللغة، دار الفكر، 1979.
  3. ادريس أوهلال، الاستشراف دليلك إلى مُحركات التغيير، مقال بموقع تربية وتكنولوجيا http://www.eductech.net، 2020.
  4. الشرق الأوسط، تايوان: «الصحة العالمية» تجاهلت رسالة تحذر من «كورونا» في ديسمبر الماضي، الثلاثاء -14 أبريل 2020 مـ..
  5. الدليل المعرفي لإدارة المشروعات، معهد إدارة المشاريع، 2017.
  6. الآثار الاجتماعية والاقتصادية جائحة كوفيد-19 الدول الأعضاء منظمة التعاون، مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدرب للدول الإسلامي.
  7. أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي بحثا عن الأمان المفقود، ترجمة علا عادل وهند إبراهيم ونسيت حسن، الركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2013.
  8. أنتوني جيدنز، عالم جامح، كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا، ترجمة عباس كاظم وحسن كاظم، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى،2003.
  9. بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2005.
  10. جون سكون، ترجمة محمود محمد حلمي، خمسون عالما اجتماعيا أساسيا المنظرون المعاصرون، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت 2009.
  11. زيجمونت باومان، الحب السائل عن هشاشة الروابط الاجتماعية، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2016.
  12. زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الطبعة الأولى، 2016.
  13. مصلح الصالح، الشامل في قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية، عار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الأولى 1999.
  14. Richard Layard, Mental illness in now our biggest problem, Guardian, 14 september.2005.
  15. رابط المقالة على موقع الجارديان: https://www.theguardian.com/society/2005/sep/14/mentalhealth.socialcare1

زيجمونت باومان (1925 -2017) عالم اجتماع بولندي.

بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2005.

أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، مقاييس اللغة، دار الفكر، الجزء الثاني، ص99.

عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، منشورات أبو شنب، عمان، ص180.

ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، المجلد الرابع، ص249.

مصلح الصالح، الشامل في قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية، عار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الأولى 1999، ص 461.

زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الطبعة الأولى، 2016، ص 11.

بيك، مجتمع المخاطر العالمي، ص 33.

المرجع السابق، ص34.

أنتوني جيدنز، عالم جامح، كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا، ترجمة عباس كاظم وحسن كاظم، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى،2003، ص 44.

المرجع السابق، ص 45

المرجع السابق، ص 49.

المرجع السابق، ص 51.

المرجع السابق، ص52.

المرجع السابق، ص191.

خمسون عالما اجتماعيا أساسيا المنظرون المعاصرون، جون سكون، ت محمود محمد حلمي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص 92.

زيجمونت باومان، الحب السائل عن هشاشة الروابط الاجتماعية، ت حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2016، ص 41.

عالم جامح، ص192.

أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي بحثا عن الأمان المفقود، ت علا عادل وهند إبراهيم ونسيت حسن، الركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2013، ص 22.

المرجع السابق، ص30.

[21] Richard Layard, Mental illness in now our biggest problem, Guardian, 14 september.2005.

رابط المقالة على موقع الجارديان: https://www.theguardian.com/society/2005/sep/14/mentalhealth.socialcare1

أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي بحثا عن الأمان المفقود، ص30.

المرجع السابق، ص 78.

المرجع السابق، ص 225.

الشرق الأوسط، تايوان: «الصحة العالمية» تجاهلت رسالة تحذر من «كورونا» في ديسمبر الماضي، الثلاثاء -14 أبريل 2020 مـ.

أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي بحثا عن الأمان المفقود، ص 104.

الآثار الاجتماعية والاقتصادية جائحة كوفيد-19 الدول الأعضاء منظمة التعاون، مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدرب للدول الإسلامي، ص1.

الدليل المعرفي لإدارة المشروعات، معهد إدارة المشاريع، 2017، ص 395.

المرجع السابق، ص401.

المرجع السابق، ص437.

ادريس أوهلال، الاستشراف دليلك إلى مُحركات التغيير، مقال بموقع تربية وتكنولوجيا http://www.eductech.net، 2020.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.