منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حمردان العاشق الغضبان (قصة قصيرة)

حمردان العاشق الغضبان (قصة قصيرة)/ أحمد صواب

0

حمردان العاشق الغضبان (قصة قصيرة)

بقلم: أحمد صواب

يقرر حمردانُ أخيرا أن يَفُلَّ الرباط، رغم أنه يعلم أن صاحبه كعادته سيتفنن في معاقبته؛ لكن لا بأس، فكل شيء يهون في سبيل الحبيبة. يجذب حمردان الحبل بأقصى قوته في كل الاتجاهات، لا فكاك؛ يعاود مرة، ومرة، ومرات، وأخيرا يتزحزح الوتد؛ يستجمع قوته من جديد، فيجذب بأقصى ما أوتي من قوة، مرة بعد مرة، ثم ها هو حر طليق.

يركض حمردان خارج الزريبة، يركض والوتد وراءه يتعقبه، ويرسم خطا لاتجاهه وحركته؛ يصعد الهضبة، وأخيرا ها هي ذي أَتَانُه حبيبتُه؛ لكن ليت شِعْره وشعِيره “من ذلك الحمار الأشهب الذي يرافقها؟”. يقترب حمردان فيُغير عليه الحمار الأشهب غارة قوية، ثم يأخذ في عضه وركله ورفسه بشكل متتال وموجعٍ، ضربات مطرقية متتالية لم يصمد أمامها، ولم يستطع لها صدا، وأخيرا لاذ بالفرار، والحمار الأشهب يرقبه في ثبات منتشيا بلذة النصر.

يقف حمردان بعيدا يتابع بنظرات دامعة أتانه وهي تسير إلى جانب حبيبها الجديد، وتحرك ذيلها يمينا وشمالا، وكأنها تقول له: “وداعا حبي القديم”. ثم يسير حمردان بأذنين ذابلتين، وخطى متعثرة، والوتد وراءه لا يفارقه، “لقد شِخْتَ يا حمردان” همس لنفسه. تابع حمردان سيره مكسور الخاطر، وهو في شبه غيبوبة، لا يعرف له وجهة، ولا يحدد مقصدا.

لم ينتبه إلا عندما بدأ يسمع صياحا حوله ولغطا من كل اتجاه، آنئذٍ علم أنه يسير بين بني البشر؛ كانت الأجساد العارية المتناثرة  على الرمال تثير في نفسه الذُّعر، فقدت كانت تلك أول مرة يرى فيها أناسا على هذه الحال: أجسادٌ بيضاء وسمراء، سمينة ونحيفة، رجال ونساء، صغار وكبار، بطون بارزة، ومؤخرات مكتنزة، صدور ممتلئة وأخرى نحيفة، لغط وصياح، كرات وعصي وألواح.  هذه المشاهدُ كلها أرعبت حمردان.

كانت العيون تنظر إليه في اندهاش، والأجسادُ تتحاشاه في رعب، لكنه لم يعرف لماذا كانوا يضحكون ويتغامزون؛ تساءل مع نفسه إن كانوا قد علموا بنَكْبته وبهجران حبيبته له، ولكنه  استبعد الأمر، وعَلَّقَ في تهكم “وهل هم أحسن مني  حالا في سوق النفاق هاته؟ يا إلهي ما أشد نفاقهم! فلو أنهم ضبطوا أحدهم يتلصص على عورات نسائهم في مكان آخر غير هذا المكان لأوسعوه ضربا، وربما قتلوه.. لكنهم هنا يصبحون مثلنا، ولا يتميزون عنا إلا بالتبان الذي لا يكاد يخفي شيئا.. آه ! ليتني كنت أملك تبانا، إذن لصرت إنسانا محترما، ولأصبح من حقي مخالطتهم، وهكذا أستريح من ضرب سيدي لي..”.

وفجأة، وبينما حمردان يسير على الشاطئ، وجد نفسه محاطا بجيش من الأطفال والشبان، بعضُهم يحاول الركوب على ظهره، وبعضهم يمسكه من أذنيه، وبعضهم يتعلق بذيله، ويتجرجر على الرمال المبللة كالمحراث. نزعوا الوتد الذي كان يتعقبه من الحبل، وبدؤوا يَخِزُون به جسمه، ويضربونه ضربا مبرحا.. ثم قادوه صوب البحر، وطفقوا يدفعونه إلى أن غطى الماء جسمه. لم يعرف لماذا يعاقَب بهذه الوحشية؟ أَلِأَنَّهُ اقتحم حماما خاصا بالبشر؟ ربما ! أم لأنه المخلوق الذي لم يُخلَق إلا لكي يُركب ويُضرب كما أفهمه سيده على الدوام؟ ربما ! هل تعقب سيده أثرَ الوتد الذي كان خلفه وأرسل هؤلاء الجنود الطغاة لتأديبه؟ من يدري..

تمنى حمردان في غمرة ذلك العذاب لو أن الله أنطقه مثل الهدهد، إذن لأخبر هؤلاء “الآدميين” أنه منهم، وأنه من هذا العالم، من هذه البلاد، من معذَّبي الأرض، يعيش عُرْيَهُم وحشمتهم الجديدة منذ زمن طويل؛ لكنهم لم يُمهلوه لحظة، وضعوا الحبل في عنقه حتى لا يفلت منهم، وبدؤوا يشدون أذنيه ويوجهونه نحو الموج القادم. كانوا يضغطون على ظهره حتى لا يطفو فوق الماء، يقفزون إلى ظهره، ومنه إلى الماء، ويعاودون ويعاودون، وكأنه صار مقفزة. كان حمردان يشرب مع كل موجة جرعات من الماء المالح تكاد تخنقه، هناك تيقن أنه لا بد أن يفعل شيئا أمام هذا الشر العظيم، وهمس لنفسه “إيه يا حمردان.. إذا لم يكن من الموت بد، فمن العجز أن تموت جبانا”.

بهذا أقنع نفسه، وفجأة انتفض، وبدأ يرفس ويركل مَنْ وراءَه، ويَعُضَّ مَنْ أمامَه، يقف على رجليه الأماميتين، فيلقي بمن كان على ظهره بعيدا، ثم يعكس الوضع في خفة البرق، فيقف على الخلفيتين، ويُطَوِّحُ بمن يحاول أن يتسلق على ظهره لمسافة بعيدة، وراح يعاود حركاته في سرعة وخفة، وفي كل الاتجاهات، إلى أن تراجع عنه أعداؤه المتحلقون حوله مندهشين مذعورين، لا يعرفون ماذا أصابه فحرك ثورته. استطاع حمردان أن يخرج أخيرا من وسط الموج، ثم ركض على الشاطيء مارقا كالسهم.. وهو يبتعد، ويبتعد، ويبتعد.. لحظتها صاح بأعلى صوته، وبكل أنفاسه: “هَّا هَّا هَّا .. طز.. بز.. فر.. فر..”، وسار حتى توارى عن الأنظار…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.