منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قساوة القلب

قساوة القلب | محمد عادل فارس

0

 قساوة القلب

محمد عادل فارس

 

يحدّثنا كتاب الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم رأوا معجزةً لنبي الله موسى حين أمرهم أن يذبحوا بقرة ثم يضربوا ببعضها جثة قتيل، فأحياه الله لهم وذكر لهم اسم قاتله. فكانت هذه المعجزة سبباً ليقظة قلوبهم. قال تعالى: “ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة”. {سورة البقرة: 74}.

ولْنلاحظ هذا الحرف “ثم” في قوله تعالى: (ثمّ قست)، وهو يعني أن القسوة حدثت بعد مدة، فإن القلب إذا بَعُد عن الموعظة، أو بعُد عن تأمّل آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، يقسو. والله سبحانه يحذّر من قساوة القلب: “فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله”. {سورة الزمر: 22}.

إن مرور الوقت، وطول الأمد، على القلب من غير سماع الموعظة، ومن غير ذكر الله تعالى، ومن غير ملاحظة آثار قدرة الله تعالى وآثار رحمته، وآثار بطشه، وآثار إبداعه… يجعل القلب قاسياً. وهذا الذي حصل لأهل الكتاب من قبْلنا، وهذا الذي يحذّرنا منه ربنا تعالى فيقول: “ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وكثير منهم فاسقون”. {سورة الحديد: 16}.

وإذا كانت أمراض البدن تسبب للإنسان آلاماً فتدفعه إلى طلب العلاج، فإن قسوة القلب ترتبط بالغفلة، وقد تجعل صاحبها يستمرئ المعصية والغرور والتعلق بزينة الحياة الدنيا حتى يصبح من الذين “نسُوا اللهَ فنسيهم”. {سورة التوبة: 67}.

لذلك كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يتعهّدون قلوبهم بين ساعة وساعة، خشية أن تصيبها القسوة. ويكفي أن نقرأ هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم:

عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: لقيني أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلتُ: نافَقَ حنظلةُ. قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلتُ: نكونُ عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُذكّرنا بالنار والجنّة حتى كأنّا رأيَ عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضيعاتِ فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فو اللهِ إنّا لَنلْقى مثل هذا. فانطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قلتُ: نافَقَ حنظلةُ يا رسول الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وما ذاك؟ قلتُ: يا رسول الله نكونُ عندك تُذكّرنا بالنار والجنّة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “والذي نفسي بيده لو تَدُومُون على ما تكونون عندي وفي الذكر لَصَافحتكم الملائكةُ على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم“.

إنّ حنظلة لم يرتكب معصيةً تستوجب محاسبته نفسه لدرجة أن يظن من نفسه النفاق، وإنما لحظ أن قلبه، حين يبعد عن مجالس النبي صلّى الله عليه وسلّم، لا يبقى على صفائه وتيقُّظه.

فما أحرانا أن نتفقد قلوبنا، ونفتحها للموعظة الحسنة، ونغذوها بذكر الله حتى تكون في القلوب المطمئنة؟! “ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب”. {سورة الرعد: 28}.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.