منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لكل مشتاق لم يبلغ به الزاد

لكل مشتاق لم يبلغ به الزاد/ حسنة المصطافي

0

لكل مشتاق لم يبلغ به الزاد

حسنة المصطافي

 جعل الله البيت الحرام مباركا وهدى للعالمين ومثابة للناس؛ تهفو إليه الأرواح وتحن ولا تَقضي مِنه وطَرا، ولو ترددَت إليه كل عام، مع احتمال الشدائد والمشاق، ولعل ذلك استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم في قوله:﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾[إبراهيم: 37] (الآية).

ما أن يهل شهر ذو القعدة حتى تهيج النفس شوقا للطواف بالبيت العتيق، ورغبة في زيارة روضة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وأملا في الرجوع كيوم وُلدت، فكم من عيون بكت حسرة لانقطاعها وهي ترى الواصلين ولقعودها وهي ترى السائرين إلى أطهر البقاع وأحبها، أقعدتها قلة يد أو مرض أو دَوْر لم يحنْ بعد، ولسان حالها يهتف:

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي                       هيجتُم يومَ الرحيل فؤادي

سرتم وسار دليكم يا وحشتي                  والعيس أطربني وصوت الحادي

ولما كان الحج من أفضل الأعمال وله في القلوب حنين وتوقان، وكان كثير من الناس يعجز عنه ولا سيما كل عام، فقد شرع الله أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج، وهذا ليس خاصا بهذا النُسك ولكن في أعمال كثيرة؛ يقول ابن رجب عن هذه المِنّة: “سبحان من فضّل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها نبي الرحمة أبواب الفضائل الجمة فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعذر عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملا يقاومه أو يفضل عليه فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه”[1].

من خلال البحث في كتب السنة، وجدنا ذِكر أعمال[2] تعدل أجر الحج والعمرة، وتقلل من حَسرة المحبِّ ولكن لا تغني عن فريضة الحج متى توفرت الاستطاعة؛ وهذه الأعمال لا تكلف مجهودا بدنيا أو ماليا وإنما همة وإرادة صادقة، وتتمثل فيما يلي:

  • صدق النية مع الله مع عدم الاستطاعة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: “وهم بالمدينة، حبسهم العذر”[3].

وعن ‌جابر قال:” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض”[4]، “، وفي رواية عن وكيع: “إلاَّ شَرَكُوكم في الأجر”.

فقد أعطى صلى الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي العامل، وهذا عام في كل عمل فمتى توفرت النية الصادقة، التي هي أصل الأعمال، وعجز صاحبها لمانع، فله الثواب والأجر بإذن الله تعالى.

ويقول الشاعر في هذا المعنى مخاطبا الحجيج السائرين للبيت:

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد         سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا على عذر وعن قدر             ومن أقام على عذر فقد راحا

  • الذكر عقب الصلوات المفروضات

عن أبي هريرة رضي الله قال: “جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أحدثكم بمال لو أخذتم به لحقتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين”[5].

فقد دل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الفقراء، الذين حزنوا على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء في الحج ولجهاد سبيل الله وغيرها من الأعمال التي تستلزم المال، على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم: وهو الذكر عقب الصلوات المفروضات

  • الذكر بعد صلاة الفجر جماعة في المسجد:

عن أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-قالَ: “من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام، فركع ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة”[6].

وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: “من صلى الغداة في جماعه، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين: كانت له كأجر حجه وعمره». قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: “تامة تامة تامة”[7]

  • المشي إلى صلاة الجماعة متطهرا

عن أبي أمامة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: “من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين”[8]

  • بـرُّ الوالـديـن:

عن أنس -رضي الله عنه-قال: ” أتَى رجل إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم -فقال: إني أشتهي الجهاد، وإني لا أقدر عليه، فقال له الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم -: “هل بَقِي أحدٌ من والديك؟”، قال: أُمِّي، فقال له رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم -: “فأبل الله عذرا في برها، فإنك إذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد، إذا رضيت عنك أمك، فاتق الله وبرها”[9]، وفي رواية:” “فاتق الله فيها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج، ومعتمر، ومجاهد، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرها”[10]

  • حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها بمسؤوليتها.

عن مسلم بن عبيد أن أسماء بنت يزيد أتت النبي – صلي الله عليه وسلم – وهو بين أصحابه فقالت: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك إن الله – عز وجل – بعثك إلي الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك وانا معشر النساء – محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضي شهواتكم وحاملات أولادكم وانكم – معشر الرجال – فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضي وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله – عز وجل – وان الرجل اذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا أولادكم أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي -صلي الله عليه وسلم -إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي –صلى الله عليه وسلم -إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله”[11].

وردت أحاديث أخرى في أعمال تعدل أجر الحج وقد اخْتُلف في تصحيحها وتضعيفها، ولكن تبقى مجاهدة النفس وصدق الإرادة في طاعة الله والإخلاص له هي عنوان السالك إلى ربه الذي يجزل العطاء الثواب لعباده المخلصين، وما أجمل قول ابن رجب في لطائفه لمن حبسه العذر عن الحج؛ إذ يقول:” إخواني إن حبستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس فهو الجهاد الأكبر أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر ولا تحلقوا رؤوس أديانكم بالذنوب فإن الذنوب حالقة الدين ليست حالقة الشعر وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعد فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.

إليك قصدي رب البيت والحجر … فأنت سؤالي من حجي ومن عمري

وفيك سعيي وتطوافي ومزدلفي … والهدي جسمي الذي يغني عن الجزي

ومسجد الخيف خوفي من تباعدكم … ومشعري ومقامي دونكم خطري

زادي رجائي لكم والشوق راحلتي … والماء من عبراتي والهوى سفري”[12]


[1]  لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ابن رجب الحنبلي، دار ابن حزم للطباعة والنشر، ط.1/.1424هـ/2004 م ص: 249

[2] نكتفي بذكر الحديث على أن تكون هناك مقالات في فضل كل عمل.

[3] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب: نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، رقم: 4161

[4] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، رقم: 1911

[5] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، رقم 807

[6] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، الكبير 8/ 178

[7] أخرجه الترمذي في سننه، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، رقم الحديث: 586

[8] رواه أبو داود في سننه. أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، رقم 558

[9] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم الحديث: 2915

[10] شعب الإيمان، البيهقي، باب بر الوالدين، رقم الحديث 7452

[11] أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين ابن الأثير، تحقيق: محمد إبراهيم البنا -محمد أحمد عاشور -محمود عبد الوهاب فايد، دار الفكر – بيروت، 1409ه-1989م، 6/ 19

[12] لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ابن رجب الحنبلي،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.