منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القلب السليم: مفهومه ثمراته وكيف السبيل للوصول إليه؟

مصطفى بوهبوه

0

لا شك أن الحديث عن سلامة القلب من أسهل الأحاديث عند الناس وأيسرها، لكنه في الوقت ذاته من أصعب الأمور وأشدها عند التطبيق، وفي هذا يتفاوت الناس ويتفاضلون، ولذلك فقد حثَّ الإسلام على الاهتمام بصلاح القلب أي اهتمام، فهو مطلب كبير سأله إبراهيم عليه السلام من ربه كما جاء في قوله تعالى: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) {سورة الشعراء: الآيات 87 ــ 89}. وأكّد النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاح جسد الإنسان رهين بصلاح قلبه كما في حديث النعمان بن البشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ”[1] قال ابن حجر العسقلاني في هذا الحديث” تَنْبِيهٌ عَلَى تَعْظِيمِ قَدْرِ الْقَلْبِ وَالْحَثُّ عَلَى صَلَاحِهِ”[2].

فما معنى القلب؟ وما هي أقسامه؟ وبم تقسو القلوب؟ وكيف؟ وما المقصود بسلامة القلب؟ وما ثمراتها؟ وكيف السبيل لتحقيق سلامة القلب؟

معنى القلب:

  • القلب لغة:

الْقَلْبُ: قَلْبُ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، سُمِّيَ لِأَنَّهُ أَخْلَصُ شَيْءٍ فِيهِ وَأَرْفَعُهُ. وَخَالِصُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَشْرَفُهُ قَلْبُهُ[3].

المزيد من المشاركات
1 من 43

أقسام القلوب:

قسم ابن القيم ــ رحمه الله ــ القلوب إلى ثلاثة أقسام.

القلب الأول: القلب الصحيح: وهو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله. وهو القلب الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به[4].، كما قال تعالى: {يومَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ} (الشعراء: 88-89).

القلب الثاني: القلب الميت: وهو الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا[5]..

القلب الثالث: القلب المريض: وهو قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة[6].

بم تقسو القلوب؟

يقصد بالقسوة الشدة والصلابة في كل شيء يقال حجر قاس وأرض قاسية لا تنبت شيئا قال ابن عباس: “قاسية عن الإيمان” وقال الحسن: “طبع عليها” والقلوب ثلاثة: قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها، وأفضل القلوب القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه ويحفظه بصلابته[7]. لكن بم تقسو القلوب؟ أخبرنا الله تعالى في كتاب العزيز بم تقسو القلوب بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (سورة الزمر: الآية 22). أي من الغفلة عن الله تعالى، فالقلب يقسو لأنه لا يذكر الله، وكلما غفل عن الله تعالى ازدادت قسوته.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

ما معنى سلامة القلب

  • السلامة لغة:

(سَلِمَ): السِّينُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ مُعْظَمُ هذا البَابِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ؛ والسلامة: أَنْ يَسْلَمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَاهَةِ وَالْأَذَى. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ السَّلَامُ ; لِسَلَامَتِهِ مِمَّا يَلْحَقُ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْعَيْبِ وَالنَّقْصِ وَالْفَنَاءِ[8]. السَّلامُ والسَّلامَةُ: الْبَرَاءَةُ[9].

القلب السليم: تعرفه السنة النبوية المطهرة بأنه القلب النقي الذي لا يأثم ولا يحقد ولا يغلُّ ولا يحسد. قال الشوكاني: “وأما سلامة الصدر فالمراد به عدم الحقد والغل والبغضاء”[10]. فسليم القلب هو من سلِم وعُوفِيَ قلبه من جميع أمراض القلوب وأدوائها.

وذهب الإمام الرازي إلى أن المقصود بسَلَامَةُ الْقَلْبِ سلامته من” الْجَهْلِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ وَسَلَامَتَهُ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْمِزَاجِ وَالتَّرْكِيبِ وَالِاتِّصَالِ وَمَرَضَهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ أَحَدِ تِلْكَ الْأُمُورِ فَكَذَلِكَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ مَا يَنْبَغِي لَهُ وَهُوَ الْعِلْمُ وَالْخُلُقُ الْفَاضِلُ وَمَرَضُهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ أَحَدِهِمَا”[11].

وقال ابن القيم رحمه الله: “الْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالشُّحِّ وَالْكِبْرِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلِمَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُزَاحِمُ مُرَادَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللَّهِ، فَهَذَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ فِي جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَفِي جَنَّةٍ فِي الْبَرْزَخِ، وَفِي جَنَّةِ يَوْمِ الْمَعَادِ. وَلَا تَتِمُّ لَهُ سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ. وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أَفْرَادًا لَا تَنْحَصِرُ”[12].

ما هي ثمرات القلب السليم؟:

  1. سلامة القلب سبب للفوز والفلاح يوم القيامة

من أعظم ثمرات سلامة القلب: أنها سبب للفوز والفلاح يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، قال الله تعالى: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) {سورة الشعراء: الآيات 87 ــ 89}. قال ان القيم رحمه الله: “السليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف؛ فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل”[13]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ، أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ”[14].

  1. سلامة القلب علامة على الخيريّة والأفضلية.

تعتبر سلامة القلب علامة فضل وتشريف روى ابن ماجه عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ»[15]. يقول الملا الهروي القاري في شرحه لمخموم القلب: “مَخْمُومِ الْقَلْبِ “: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: سَلِيمُ الْقَلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] مِنْ خَمَمْتَ الْبَيْتَ إِذَا كَنَسْتَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مَكْنُوسًا مِنْ غُبَارِ الْأَغْيَارِ، وَمُنَظَّفًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَقْذَارِ”[16].

  1. سلامة القلب سبب في مغفرة الذنوب، وقبول الأعمال.

ففي صحيح الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا”[17].

  1. سلامة القلب وسيلة لمحبة الله ونيل الأجر

تتجسد سلامة القلوب في صور عديدة، ومن أهمها صورة الحب في الله، وقد رتب الله عز وجل عليها أجرا عظيما ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَتْ مَحَبَّتِي للمتزاورينَ في، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَصَافِينَ فِيَّ الْمُتَوَاصِلِينَ”[18].

  1. سلامة القلب من صفات أهل الجنة

أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ” فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: ” يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ” فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ”[19].

كيف السبيل إلى اكتساب القلب السليم؟

لا شك أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، فتحتاج إلى تدريب وترويض وتنظيف وتنقية، ولعل من الوسائل العمليّة المعينة على تنقية القلب من الشوائب، وسلامته من الأسقام، ما نجده في صيدلة النبوة مبينا كالآتي:

  1. كفالة اليتيم

فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يشكو قَسوةَ قَلْبِهِ، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ؟ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ؟ اِرْحَمِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ رَأْسَهُ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِينُ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكُ حَاجَتَكَ”[20].

     2.صحبة الأخيار

 فالمعاني القلبية تتشرب من القلب السليم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ”[21]. ورحم الله الشيخ عبد القادر الجيلاني حيث قال: “اصحب أرباب القلوب، حتى يصير لك قلب. لابد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهديك ويعلمك وينصحك”[22].

  1. قراءة القرآن وذكر الموت

ففي الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ، كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا جِلَاؤُهَا؟ قَالَ: ” كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ”[23].فذكر الله تعالى مما يعين على لين القلب وصفائه، وأعظم الذكر تلاوة القرآن الكريم ففيه الدواء لكل أمراض القلوب شريطة أن يكون هذا القلب يقبل الحق ويرفض الباطل قال الله تعالى:( يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) {سورة يونس: الآية 57}. وقال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) {سورة الإسراء: الآية 82}. قال ابن القيم ــ رحمه الله ــ: “فَالْقُرْآنُ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَأَدْوَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ وَلَا يُوَفَّقُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ، وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التَّدَاوِيَ بِهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ، وَقَبُولٍ تَامٍّ، وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ، لَمْ يُقَاوِمْهُ الدَّاءُ أَبَدًا وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدَّعَهَا، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطَّعَهَا، فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ، وَالْحَمِيَّةِ مِنْهُ لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الطِّبِّ بَيَانُ إِرْشَادِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَى أُصُولِهِ وَمَجَامِعِهِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الصِّحَّةِ وَالْحِمْيَةُ، وَاسْتِفْرَاغُ الْمُؤْذِي، وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ. وَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ الْقَلْبِيَّةُ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً، وَيَذْكُرُ أَسْبَابَ أَدْوَائِهَا وَعِلَاجَهَا. قَالَ: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) {سورة العنكبوت: 51} [الْعَنْكَبُوتِ: 51]، فَمَنْ لَمْ يَشْفِهِ الْقُرْآنُ، فَلَا شَفَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ فَلَا كَفَاهُ اللَّهُ”[24].

  1. مجالسة الصالحين والعلماء

في مجالسة العلماء والصالحين أطباء القلوب تجد الدواء لأمراض القلوب وقساوتها، عالجوها رضي اللع عنهم بما فتح الله لهم من الفهم والاقتباس من مشكاة النبوة، فعَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الأَزَدِي يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الخَوَّاصَ يَقُولُ: “دَوَاءُ القَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، وَخَلَاءُ الْبطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِين”[25].

  1. الدعاء لله تعالى بسلامة القلب

يجدر بالمسلم أن يلجأ لله تعالى بالدعاء يسأله أن يجعل قلبه سليما نقيا من الأمراض والأدواء فقد علمنا صاحب القلب الأنور الأطهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى سلامة قلوبنا، حيث قال: “إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب”[26]، ومن دعائه الشريف عليه الصلاة والسلام: “اللهم ارزقني قلبا تقيا من الشر نقيا لا جافيا ولا شقيا”.

  1. إفشاء السلام بين المسلمين

السلام عنوان المحبة والإخاء، وبرهان للصفاء والنقاء، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ”[27].

  1. تقديم الهدية

إن للهدية أكثر كبير في طبع الناس، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم الهدية كما جاء في الأدب المفرد للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَهَادُوا تَحَابُّوا”[28].

ونخلص في نهاية هذه المقال للتأكيد على أن سلامة القلب من أهم المطالب التي يطلبها الإنسان المؤمن سالك طريق ربه، لكن هذا الأمر لا يتأتى بعمل يوم وليلة، بل هو مشروع عمر الإنسان، ومنطلق هذه المشروع ولبه التربية السوية على منهاج النبوة.


[1] ــ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، رقم: 52، ج1، ص 20. ومسلم، كتاب: المساقاة باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم: 1599، ج3، ص 1219.

[2] ــ فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، 1379هـ، ج1، ص 128.

[3] ــ معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج5، ص 17.

[4] ــ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، تحقيق: محمد حامد الفقي

الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ج1، ص 10.

[5] ــ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ص 10.

[6] ــ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ص 10.

[7] ــ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)

الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة: 1398هـ/1978م، ج1، ص 105.

[8] ـــ معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ – 1979م، ج3، ص 90.

[9] ــ لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414هـ، ج12، ص 289.

[10] ــ في السلوك الإسلامي القويم، ابن الشوكاني، أحمد بن محمد بن علي وهو ابن العلامة الشوكاني الكبير (المتوفى: 1281هـ)، تحقيق ودراسة: الدكتور حسين بن عبد الله العمري، الناشر: دار الفكر، دمشق – سورية، الطبعة: الأولى، 1407 هـ – 1986م، ج1، ص 121.

[11] ــ مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420هـ، ج17، ص 517.

[12] ــ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، الناشر: دار المعرفة – المغرب، الطبعة: الأولى، 1418هـ – 1997م، ج1، ص 122.

[13] ــ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، تحقيق: محمد حامد الفقي، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ج1، ص 7.

[14] ــ صحيح مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل، رقم: 2840، ج4، ص 2183.

[15] ــ سنن ابن ماجه، كتاب: الزهد، باب: الورع والتقوى، رقم: 4216، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي، ج2، ص 1409.

[16] ــ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ – 2002م، ج8، ص 3267.

[17] ــ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر، رقم: 2565، ج4، ص 1987.

[18] ــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001م، ج36، ص 327.

[19] ــــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001م، ج20، 124.

[20] ــ الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمد، زكي الدين المنذري (المتوفى: 656هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1417هـ، ج3، ص 237.

[21] ــ سنن الترمذي، رقم الحديث: 2378، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الألباني: حديث حسن.

[22] ــ الفتح الرباني والفيض الرحماني، عبد القادر الجيلاني (المتوفى: 561هـ)، تحقيق: الشيخ أنس مهرة، دار الكتب العلمية، ص 101.

[23] ــ شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2003م، ج3، ص 392.

[24] ــ زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت – مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م، ج4، ص 322.

[25] ــ الرسالة القشيرية، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: 465هـ)، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، الناشر: دار المعارف، القاهرة، ج1، ص 104.

[26] ــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث شداد بن أوس، رقم: 17114، ج28، ص 338.

[27] ــ صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا، رقم: 54، ج1، ص 74.

[28] ــ الأدب المفرد باب: قبول الهدية، رقم: 594، ج1، ص 208.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.