منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلامة القلب |شعب الإيمان | شعبة (31)

د. عبد الإلاه بالقاري  

0

مقدمة

علّمنا صاحب القلب الأنور الأطهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى سلامة قلوبنا، حيث قال: “إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب”[1]، ومن دعائه الشريف عليه الصلاة والسلام: “اللهم ارزقني قلبا تقيا من الشر نقيا لا جافيا ولا شقيا”[2] ذلك أن المؤمن إذا صفا قلبه قل ذنبه، وكثر خيره وعم نفعه للخلق أجمعين.

سلامة القلب شعبة من الإيمان

سلامة القلب شعبة من شعب الإيمان[3]، إذ المؤمن الحق من يحفظ قلبه من كل ما يكدره ويفسده، ويسعى في إتيان الأسباب الموجبة لتطهيره وتنقيته، فيكون المؤمن حينها همه الله، وضابطه الشرع الحنيف، ومنهاجه اتباع السنة، لا يحسد أحدا، يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، يخالط الناس ويصبر على أذاهم، يحب لغيره ما يحب لنفسه، “القلب السليم كما تبينه السنة المطهرة هو قلب المؤمن الذي يحسن الظن بربه، يرجو رحمته ويخاف عذابه، يحبه ويحب رسوله، لا يتجسس على المسلمين، ولا يحسد، ولا يغتاب، ولا ينم. همه الله عز وجل، وجهده منصرف لبناء جماعة الجهاد ودعمها”[4].

قال الله تبارك وتعالى حكاية عن نَبِيِّهِ إبراهيم عليه السلام ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 87 ـ 89)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: جاء ربه بقلب سليم يعني شهادة أن لا إله إلا الله[5]. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم؟ قال يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وقال الحسن: سليم من الشرك وقال عروة لا يكون لعانا[6].

المزيد من المشاركات
1 من 48

وذهب الإمام الرازي إلى أن المقصود بالقلب السليم يراد بها سلامته عن “الجهل والأخلاق الرذيلة، وذلك لأنه كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج والتركيب والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور، فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له، وهو العلم والخلق الفاضل، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما”.[7]

وللإمام عبد السلام ياسين تعليق لطيف على قوله تعالى (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 89)، حيث قال رحمه الله: “لم يقل أتى اللهَ بعلم ولا أتى الله بعمل، لكن أتى الله بقلب سليم. حركة وسير، فالقلب هنا يسير إلى الله. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (الحج: 50 ـ 51). قلب سليم ثم قلب فيه مرض ثم قلب فيه قساوة. وبالطبع لا يسير إلى الله سبحانه وتعالى إلا القلب السليم، بدليل هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. أما القلب الذي فيه مرض والقلب الذي فيه قساوة فهو قلب لا يعرف الله عز وجل ولا يمكن أن يعرف الله عز وجل”[8].

إذا أكرم المولى عز وجل عبده بأن رزقه قلبا سليما سرى نور القلب على سائر جوارحه، فهو سلطانها، وهي له تبع، تأتمر بأمره، وتنتهي بنهيه، بل إن صاحب القلب السليم يتعدى خيره غيره، فيغدو بفضل الله وكرمه كالغيث أينما وقع نفع، ولذلك يتفاضل المؤمنون بسلامة القلب وصفائه وصلاحه.

سلامة القلب أم طيبوبته؟

لا شك أن أمام حاملي رسالة دعوة الإسلام مهمات كالجبال، وإن الاستعداد لها يتنافى مع الغفلة والكسل والسذاجة، فدعوة الإسلام “بحاجة لقلوب عالية الهمة، كما هي بحاجة لعقول راجحة النظر، وشخصيات قارة لا تنفعل انفعالا، بل تستفتي الشرع وتتدبر، حتى إذا عزمت مضت لا يثنيها شيء. فهذا معنى سلامة القلب.”[9]

ويجدر التنبيه في هذا المقام أن الإمام ياسين رحمه الله يفرق بين سلامة القلب وبين ما يسميه العامة “طيبوبة القلب”، فسلامة القلب عنده حاصلها الجمع بين القلب السامق الهمة مع قوة النظر والعزيمة الماضية الفاعلة غير المنفعلة، أما طيبوبة القلب فهي من سمات السذج بسطاء العقول يحسب “الواحد منهم أن الورع الفردي كفيل وحده بتغيير الواقع، أو تدفعه سذاجته لإفشاء أسرار المؤمنين، أو يغتر بوعود المنافقين”[10]. فهم خطر على الدعوة الإسلامية، التي تريد من المؤمن أن يكون ذكيا فطنا، ليس بالخب ولا الخب يخدعه.. والسذج البسطاء يسعهم فضاء رحمة الله، بعيدا عن الإعداد المنظم المنضبط الذي تنبني عليه المشاريع الدعوية الرشيدة.

إن التحقق بسلامة القلب في ضوء المعنى الجامع الذي قدمه الإمام رحمه الله سابقا متوقف على حظ المؤمن من الله تعالى، ومتوقف على مدى استعداده القلبي لتلقي معاني الرحمة والهدى، فــ “هناك استعداد وهبي عام قدره الله وفطر عليه. وهناك استعداد كسبي. والكل من الله الكريم الوهاب. ومن الاستعداد الكسبي استشفاء القلب، وتطهيره، وتعريضه لنفحات الرحمة الإلهية. القرآن الشفاء. والطمأنينة الذكر. اليقظة من الغفلة، والتعلق الدائم بالله عز وجل”[11]. ولا يحسب المرء أن سلامة القلب من الشكوك والأوهام، والخواطر الرديئة، ومن الأمراض القلبية، رهين بعمل يوم وليلة، كلا، إنها قضية مشروع عمر الإنسان، أساس المشروع ولبه التربية ثم التربية ثم التربية، والعمل بمقتضياتها في زمرة التائبين (الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف: 28).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

فضل سلامة القلب

لسلامة القلب من الأمراض الباطنية فضل عظيم، إذ ترفع المؤمن إلى مقام أفضل الناس، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ. قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلا حَسَدَ”[12]، فقلب المؤمن إذا تطهر بنور الشرع وتزكى بامتثال أحكامه واجتناب نواهيه، نال من المولى الكريم ـ إلى جانب الأفضلية على مستوى الناس ـ  بمنه وكرمه الجنان، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطُفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قد تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فلما قَامَ النَّبِيُّ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنِّي لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاثاً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِينِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِي فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسُ: وكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ الَّليْلِ شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَبَّرَ، يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاثُ اللَّيَالِي وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلا هَجْرٌ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلاثَ الْمَرَّاتِ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِي بِكَ، فَلَمْ أَرَكَ عَمِلْتَ كَثِيرَ عَمَل، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لا أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلا أَحْسُدُ أَحَداً عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لا نُطِيقُ”[13].

القلب السليم ومصير الأمة

يؤكد الإمام أن “مصير الأمة لن يكون في الاتجاه الصحيح إلا إذا كان كل مؤمن وكل مجاهد يسير على أمر الله عز وجل، فيسعى للقاء الله عز وجل، ويطبق أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم طاعةً وإخلاصاً”[14]. ذلك أن القلوب الصدئة القاسية الخالية من حب الله وحب رسوله صلى الله على وسلم إذا كانت تتحدث باسم الإسلام، فإن عملها لن يكون موفقا مسددا، ولن تكون النتائج طيبة، بل تكون نفاقاً على صورة القلوب المريضة التي تقود الاضطراب باسم الإسلام. وفي السياق نفسه يضع الإمام أصبعه على داء فشا عواره في واقع الأمة في غير تعميم، حيث يقول: “تَـَرون في الساحة كثيرًا من أدعياء الإسلام يقولون ما لا يفعلون، وينطقون بما لا يعتقدون، فهم أيضا يريدون أن يُقيموا الإسلام وأن يقيموا دين الله. لكن بما أن في قلوبهم مرضا فإن تحركهم هذا لن يكون على الإسلام، ولن يكون عملا جهاديا، حتى ولو سَمُّوا جماعاتهم جماعات مسلمة أو أحزابا إسلامية أو ما إلى ذلك”.[15]

ليخلص رحمه الله إلى تأكيد القول بأنه لن يقوم بخدمة الأمة إلا أرباب القلوب السليمة التي “تأتي الله عز وجل وليس لها من هَمٍّ إلا اللهُ سبحانه وتعالى، هذه القلوب وحدها التي يمكن أن تقوم بواجبات الجهاد ومقتضياته”[16].


[1]  ـ الإمام أحمد، المسند، مسند الشاميين، رقم: 17114

[2]  ـ الإمام البيهقي، شعب الإيمان، كتاب الصيام، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، رقم: 3557

[3] ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثالثة، السنة 1994م، ص:179

[4]  ـ نفس المرجع، ص: 180

[5] ـ ينظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، السنة 1419ه، 7/20

[6]  ـ ينظر نفس المرجع، 7/10

[7]  ـ الرازي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، السنة 1420م، 24/517

[8]  ـ عبد السلام ياسين، سلامة القلوب، ص: 24 ـ 25

[9]  ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص: 180

[10]  ـ نفس المرجع، ص: 179

[11]  ـ نفس المرجع، ص: 180

[12]  ـ ابن ماجه، السنن، كتاب الزهد، باب الورع والتقوى، رقم: 4216.

[13]  ـ أحمد، المسند، باقي مسند المكثرين، مسند أنس بن مالك، رقم: 12697

[14]  ـ عبد السلام ياسين، سلامة القلوب، ص: 26

[15]  ـ نفس المرجع، ص: 26 ـ 27

[16]  ـ نفس المرجع، 27

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.