منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قصة بطلة (قصة قصيرة)

قصة بطلة (قصة قصيرة) / حسناء ادويشي

0

قصة بطلة (قصة قصيرة)

بقلم: حسناء ادويشي

 

ظلت تنتظر منذ مدة، أن يفك الكاتب أسرها ويفرج كربتها، ويختار لها مصيرا يليق بجمالها الذي غطاه قبح أفعالها، طال مكثها في الرهن، كيف لهذا الجمال الأنثوي الرقيق، أن يختزل كل هذا الكم الهائل من الشر القاتل.

أطلت من شرفة سطر فارغ، لعلها تجد إشارة العودة والاستئناف، تتبعت أثر خط قلم قديم لكن حبره جف في آخر سطر، معلنا بداية مأساة البطلة.  تنفست بعمق، وحدثت نفسها بماذا كانت ستفعل لو أتاح لها الكاتب فرصة أخرى للتصالح مع بعض الشخصيات التي أمعنت في إذايتها، بل لاعتذرت للمتلقي الذي أرغمته أن يتابع ما يحز في النفس ويؤلم الفؤاد، ويجعل قيم الشر تتصدر الريادة في قصة كاتبها من عالم ينتصر للفضائح، والجرائم، والفسق، والعري، ويبحث عن الإثارة.

– أخاف أن تقف القصة عند هذا الحد، فيفوز القبح على الجمال، والشر على الخير، وأنا في حقيقتي وقرارة نفسي أسعد أكثر إن كنت هدية حب ومودة، وألفة ورحمة، أجمع ما تفرق، وألم شعب كل حائر في مأزق، وأمد يد العون والنصر لمن قام للحق ليته يبحث في روحي عن جمالها الدفين، ويصرف النظر عن أخلاق الشر التي تتلون وتتبدل وتتحلى بلباس الجمال والفن، لتغري بمفاتنها، فتصطاد بجمالها كل باحث عن الإغراء والمغامرة، وكل مفتش عن الإغواء، غير عابئ بالمقاصد النبيلة والأخلاق الرفيعة، والذوق الراقي الذي يأخذه نحو آفاق بعيدة، تحلق به في سماء الحق والعدل وجمال الروح الباقي.

تحاول البطلة التملص من شباك الكلمات، ومعتقل الحروف، والحدود التي رسمت لها وسط الأحداث، لكن هيهات ،هيهات!  فتتابع ثرثرتها معبرة عن رغبتها في تحرر:

– سجينة أنا في معتقل دون محاكمة، أو قاض أو شهود، سجينة أنا دون أن أعرف هل هو مؤبد أم محدد يفك القيود.    لطالما تحدث عن الحرية، وسما بها في أعلى المراتب، ومنح نفسه فسحة التفكير والتعبير والاختيار، لكنه كبلني بها، وأذاقني مرارة الاستعباد والسجن والاعتقال، ليته ما عرَّفني على الحرية ولا جعلها معشوقتي الأبدية؛ لكنت الآن راضية بقدري، غير متطلعة لأفق الانعتاق من قلمه وفكره وخطه السردي، أنا أتألم بشدة، وأنيني صداه يمزق أحشائي، ومرارة الحسرة تعذبني، ثم تصرخ مرة أخرى:

– أيها الكاتب، أين غبت، حررني، إرحم من توجتها بتاج البطولة الخرافية، وجعلتها تكسر كل المحرمات والمقدسات. أيها الكاتب، لقد استفاق ضميري، وأردت أن أنتقل إلى دور البطولة الإنسانية الحقيقية التي تنتصر للقيم الآدمية، فلا تجعلني معذبة، أتألم ثم تصرخ:

– هل تسمعني؟ متى تفك قيدي، أو متى تقتلني؟ أرحني من عذاب مزق كبدي، واحر كبدي !

أطلت إحدى الشخصيات من بين الكلمات المسطورة معلنة ضجرها من بطلة لم ترحها في واقع الأحداث، ولا حتى بعد توقف زمن الكتابة، فردت بحنق شديد:

–  ألم يئن لك أن تريحينا من شرك: ألم وعذاب ومعاناة تجرعنا مرارتها معك أيتها البطلة القاسية في زمن الكتابة وبعدها، أردنا أن نخلد للراحة، ولكن صراخك منعنا، وهيج رغبتنا في الانتقام؟ فأنت ظالمة متسلطة في كل حال، أما آن أن تموتي؟

التفتت البطلة وقد ذرفت عيونها دمعا، وفي حسرة أجابت:

– من أجل ذلك، أردت أن يفك أسري، فهل أموت وأنا بعدُ شريرة قاسية؟ أنا لا أريد أن أموت وقد اصطبغت بطابع الشر، أتفهمين؟

لم تبال الشخصية بكلام البطلة، بل لم تصدقها، لأنها ما اعتادت منها إلا كل أذية، فطلبت منها أن تصمت، فهذا أقل واجب تسديه للجميع.

أطرقت البطلة، مستسلمة لهواجسها، ولتأنيب الضمير، وانزوت في ركنها السحيق، الذي اختير لها، وبدأ اليأس يتسلل إلى أعماقها، فلا عودة ولا رجوع للكاتب، لقد هجر الكتابة إلى الأبد، فهي الآن في حكم الأشقياء سبية، لا فرصة لها للانعتاق حتى تكفر عن خطيئاتها، إنها  ترغب أن يفتح لها نافذة نحو العبادة و القرب من الله، لأنها هي دون سواها حرية راقية عالية ترفع  الروح إلى أعلى مقام، وتفتح آفاق التطلع إلى جلال الرحمن، لكنه يأبى إلا أن يغلق دونها أبواب العودة.

استسلم الكل لهدوء قاتل، ولزم الجميع ما خط لهم وما رسم من معالم وآفاق.

مر الزمن رتيبا، بلا معنى، فلم يكتب لهذا المحكي أن يُقرأ ليحيا حيوات أخرى، وبدأ يتسلل من بين السطور والكلمات والصفحات ملل، وإحساس بلا جدوى، وتسرب استسلام قاتل لكل الشخصيات التي بدا لها أن لا جدوى من تحريك الأحداث، فالموت حكم نفذ على الجميع.

وفي غفلة، ها هو الكاتب قد عاد كما غادر دون سابق إعلان أو إنذار،  وسُمعت طقطقات القلم، فانتعشت الأحداث من جديد، وبدأ اليأس يغادر مفسحا المجال لأمل انبعث فجأة.

تساؤلات عدة تراود البطلة وباقي الشخصيات، الكل في قاعة الانتظار، يترقب النتائج التي ستعلن عن خط آخر للأحداث.

بدأت دقات قلب البطلة تتصاعد، ومعها تتزاحم التساؤلات: هل يا ترى سيفك قيدها وتطلق حريتها؟ أم سيبقى الحال كما هو؟ هل سيكتب لها التاريخ أنها البطلة الأولى التي تكتب مصيرها وتختار نهاية مشاكلها؟ هل سيصدق ظنها وتخترق قواعد السرد، وتتخطى الكاتب، وتتحمل مسؤولية ما سيحدث مستقبلا؟

أسئلة حارقة مقلقة، لكنها لم تحرك في الكاتب شيئا، فقد مضى في مساره السردي ممتطيا صهوة الخيال، مطلقا العنان لمخلية تجود مرات وقد تبخل أحيانا، فهو لا يكترث لشكوى البطلة، ولا يضع نفسه في سجنها، بل لم يفكر أن يكون محلها.

هذه المرة اختار مسارا مغايرا، زاد من حيرتها، فما زال مصيرها مجهولا.

لقد اختار الكاتب أن يتخلى عن مسؤوليته في تحديد نهاية للأحداث التي كان يمسك بخيوط الصراع بين شخصياتها، بحيث خلق إثارة تحبس الأنفاس، وأثار نارا استعرت بين الشخصيات، لكنه بعد عودته لم يهدئ لها أوار، فلعله قرر أن يستقيل من مهمته فجأة، لتبقى  البطلة – الجميلة الشريرة –  أسيرة المرارة، متألمة متوجعة، تتطلع إلى حرية لم تأت، حرية لا تسلّم نفسها بيسر أو هوان، بل عزتها ترفعها إلى أعلى مقام، تجعلها بُغية غالية ومنية نفيسة عالية، لا تأت بل يؤتى إليها على الجياد المتمطرات، وبفوارس وضعوا أرواحهم على أكتافهم.

الكاتب مرة أخرى يسبح عكس التيار، ويترك نهاية الأحداث مفتوحة قابلة لكل التأويلات، فقد نزل عن القيادة وأسلم نهاية الأحداث لمخيلة المتلقي، بل لمخيلات لا متناهية.

وجدت البطلة نفسها مرة أخرى وسط أحداث جديدة على مفترق طرق، فلا هي في سجنها المؤبد، ولا هي حرة قادرة على استنشاق هواء طلق.

الآن مصيرها وصويحباتها من الشخصيات متعدد متنوع، بتنوع القراءات والخلفيات والتأويلات.

فهل سيفتح القارئ لها باب العودة؟   هل يا ترى في قراءة المتلقي حريات شتى بدل الحرية الواحدة التي كانت تشتهي البطلة وتتمنى؟ أم هي سجون بأقفال محكمة وقضبان متعددة وأسوار عصية على الاقتحام؟

لكن أمام هذا الاختيار المغاير ألح عليها سؤال أنزلها من علياء الصدارة والفخار، لتطرح السؤال: بعد كل هذا هل أنا حقا بطلة؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.