منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقات البيداغوجية والمصالحة التربوية رؤية تاريخية نحو مقاربات جديدة

 نورالدين أرطيع

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

ملخص

عرفت الممارسة التربوية بوصفها سيرورة تاريخية تطورات مهمة؛ إن على مستوى التنظير أو التطبيق. وهي سيرورة عملت هذه الورقة البحثية رصد معالم هذا التطور، في علاقته بالمتعلم والمربي بصفة عامة. كما وقفت عند أهم المحطات الكبرى التي عرفتها المنظومة التربوية، وفي عملها على تنمية الفرد أو النشء على مستويات عدة. أما عربيا، فقد اتخذت الدراسة العلاقات القائمة بين المدرس والمتعلم في جامعتي الأزهر المصرية والقرويين المغربية، نماذج لتحديد نوعية العلاقة من المنظورات الإنسانية والتربوية والتعليمية والقيمية والتقويمية.

انطلاقا من تلك العلاقات القائمة، تم العمل على وضع تصور جديد يهدف إلى تحقيق مصالحة تسمح بالرقي بالذات التعليمية الإنسانية: مدرسا ومتعلما، وهو ما يجعل الإصلاح التربوي مشروعا ممكنا.

الكلمات المفاتيح: العلاقات البيداغوجية، المصالحة التربوية، إنسانية العلاقات، جامعة الأزهر، جامعة القرويين.

المزيد من المشاركات
1 من 43

تقديم

مجال التربية والتعليم هو مجال الممارسة بامتياز، هذه الممارسة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم التحكم في مجموعة من النظريات والمفاهيم الرئيسة، كما لا يكمن للعملية التعليمية التعلمية أن تنجح إلا إذا توافرت عناصر فعالة ومؤثرة في السيرورة التعليمية؛ أي أن الخوض في مسائل التربية عموما، وعلاقتها خصوصا، يستوجب التسلح بالعديد من المفاهيم الاساسية ومحاولة الاحتكاك بها تنظيرا وممارسة. وفي علاقتها بالعلاقات البيداغوجية؛ فإنها تحمل بين طياتها مجموعة من المفاهيم تيسر عملية استيعاب كل ما يحيط بتلك العلاقات. ومنه، فالبحث عمل على رصد أنماط العلاقات البيداغوجية القائمة بين طرفي العملية التعليمية، بغرض استثمارها في السياق الحالي والمستقبلي. كما يوفر دراسة كرونولوجية لتطور هذه العلاقات في العديد من المجتمعات.

  • بنية مفاهيمية

لا شك أن العلاقات البيداغوجية تشكل بنية مفاهيمية كبرى، تنضوي تحتها مجموعة من المفاهيم الجزئية، والتي تجعل من تلك العلاقات مفعلة ومجسدة على أرض الواقع. ومن أهمها نجد:

  1. التواصل البيداغوجي

عملية تفاعل وانسجام بين المدرس والمتعلم، حيث يعمل الطرف الأول على نقل معارف ومهارات واستراتيجيات محددة، بالركون إلى رموز يقدر المتعلم- كطرف ثان- على استيعابها. ومنه فالتواصل البيداغوجي يرتبط في حسن اختيار المدرس القناة التواصلية المناسبة والملاءمة. أضف إلى ذلك، فهو يساهم في تفعيل وتخليق الحياة وتنشيطها داخل الفصل الدراسي؛ باعتماد وضعيات تعليمية قريبة جدا من محيط المتعلم.

وليكون هذا التواصل فعالا، فإنه يستلزم مجموعة من الشروط، وهي:

  • توظيف لغة مفهومة من قبل المتعلمين؛
  • القيام باستقبال لغة المتعلمين وإعادة توظيفها بكيفية تساعد على ترسيخ المكتسبات التعلمية، مع الاهتمام بمدلول الكلمات والتعابير الموظفة من قبل المتعلمين؛
  • إتقان مهارة حسن الإصغاء من أجل استمرار التواصل؛
  • مراعاة قدرات الانتباه والتركيز التي يمتلكها المتعلم؛
  • عدم إقصاء تمثلات المتعلم، والعمل على استقبالها وتحليلها ودعمها، إذا كانت صحيحة ومناسبة؛
  • إتقان مهارة طرح الأسئلة، وفن إجراء الحوار[1].

وهنالك التواصل التربوي، والذي يحدث في خضم العمليات التربوية، لكونها عملية تواصلية لأنها ترتكز على شبكة علاقات إنسانية.

  1. جماعة القسم

تتضمن هذه الجماعة المتعلمين والمدرس، وهي جماعة تحكمها علاقة مؤسسية ونظامية، وتجمع بين عناصرها أهداف وغايات مشتركة، والتي تحدد أدوار كل عنصر والمعايير الواجب الاحتكام إليها. وتتحدد جماعة القسم بالخصائص الآتية:

  • تم اختيار أعضاء جماعة القسم بمعايير مؤسساتية وليست اختيارية (السن، المستوى، المحيط)؛
  • معايير التعامل تتحدد مؤسسيا (القانون الداخلي)
  • الإنتاجية؛
  • سلطة المدرس.

تتحكم في جماعة القسم مجموعة من المتغيرات منها:

  • الأعراف والقوانين: وتحكم العلاقات وتوجهها، وتحدد الحقوق والواجبات داخل الجماعة.
  • الأهداف: التي تروم جماعة الفصل تحقيقها وهي أهداف معرفية ومهارية ووجدانية.
  • المهام والأدوار: يناط بكل عضو في الجماعة مهمة معينة تنسجم مع خصوصيات الشخصية، ووفق ما تقتضيه مبادئ تقنية التنشيط المتبناة (دور القائد، دور المقرر، دور المسلي…)
  • العلاقات: وهي إما إجرائية ترتبط بما يؤديه العضو في الجماعة من مهام (ملاحظة، مناقشة، مقارنة…) أو وجدانية تعاطف…)
  • القيادة: يكون الأستاذ قائدا مؤسسيا في بداية تشكل جماعة الفصل (بداية السنة الدراسية) لأن المؤسسة هي التي فرضته قائدا للجماعة، ثم يصير حقيقيا لما تنشأ بينه وبين متعلميه علاقات وجدانية إيجابية.
  1. العائق البيداغوجي

جملة الصعوبات التي تحول دون أن يحقق المتعلم أهداف تعلماته. ويتخذ العائق البيداغوجي وجهين: الإيجابي، الذي يساعد المتعلم على الوصول إلى أهدافه، بينما السلبي يعمل على تعطيل مسار التعلم لدى المتعلم.

  1. التمثلات:

مجموع التصورات والآراء القبلية لدى المتعلم، أي أنها عملية تفاعل بين معطيين: نفسي واجتماعي، بذلك فالتمثلات منتوج ثقافي وذهني ينبثق من تاريخ شخصي وتجارب مهنية.

وبه، أضحى لزما الانطلاق من تمثلات المتعلمين مع ضرورة تغيير دور الأستاذ من مرسل للمعارف الى منشط. ومن أشكالها:

  • تمثلات صورية
  • تمثلات مفهومية
  • تمثلات علمية.
  1. النقل الديداكتيكي:

يعرف شوفلارد (Yves CHEVALLARD) النقل الديداكتيكي[2] بأنه العمل الذي يجعل موضوع معرفة ما موضوعا للتعليم. وذلك بالانتقال من المعرفة الصرفة إلى معرفة قابلة للتدريس، وعليه فالنقل الديداكتيكي هو مجموع التحولات التي تخضع لها معرفة معينة لتصبح قابلة للتدريس. وأول مرة طبق هذا المفهوم كان في مادة الرياضيات من قبل شوفلارد وماري ألبرت.

يمر النقل الديداكتيكي من:

  1. التعاقد الديداكتكي:

انبثق مفهوم التعاقد الديداكتيكي من مجال ديداكتيك الرياضيات من لدن” بروسو غاي “، الذي يرى أن التعاقد الديداكتيكي أو البيداغوجي هو مجموعة من السلوكيات التي تصدر من المدرس والمنتظرة من المتعلمين، وكذلك مجموع سلوكيات المتعلم التي ينتظرها المدرس. وبالتالي فهو نظام من الالتزامات وعقد صوري وشكل من أشكال الحوار والتواصل يسعى الى خلق علاقات تربوية بين الأطراف داخل المدرسة.

وكان للأمريكيين سمة السبق، إذ فكروا في تنظيم العلاقات التربوية والاجتماعية انطلاقا من مقاربة اقتصادية. وقد وضع برادفورد سنة 1961 مفهوم المصالحة التربوية لكونها قواعد تيسر ميكانيزمات العلاقات بين الأستاذ والمتعلمين مما يسمح بتوفير شروط الاشتغال الفعالة.

مراحل التعاقد الديداكتيكي:

  • الإخبار؛
  • الالتزام؛
  • الضبط؛
  • التقويم.

 أهدافه:

  • التشجيع على التعبير والتصرف ضمن الحدود
  • تطوير اليات التفكير الابداعي
  • استثمار الخطأ باعتباره أساسا للمعرفة
  • تحقيق التنمية الذاتية
  • الشعور بالأمان
  • تحقيق التوافق الاجتماعي
  1. المثلث الديداكتيكي:

يظهر حضور أقطاب الفعل الديداكتيكي مع العمل على تحديد العلاقات التفاعلية، لذلك يتم الحديث عن الازواج التالية:

  • المادة – المدرس: القطب الابستيمولوجي الذي تنتج عنه علاقة النقل الديداكتيكي.
  • المادة- المتعلم: القطب السيكولوجي الذي تتولد عنه علاقة التمثل أو البراديغم.
  • المدرس – المتعلم: القطب البيداغوجي، ويوطد بالتعاقد الديداكتيكي.

يتم النظر إلى العلاقات:

  • المادة والمدرس:

علاقة النقل الديداكتيكي وهي علاقة تجمع المدرس بالمادة الدراسية، ويتكون النقل مما يأتي: مختلف عمليات الانتقاء والتحوير والتبويب والتحويل والتفكيك وإعادة التركيب والتصنيف، التي خضعت لها المادة في المنهاج، ويتم المرور من المعرفة الاكاديمية الى المعرفة في المنهاج الى المعرفة في الانشطة المدرسية الى المعرفة المتعلمة.

  • المتعلم والمدرس:

علاقة التعاقد والتي هي عبارة عن مجموعة من القواعد والمواضعات، التي تتم بين الاستاذ والمتعلمين، وهي تحدد الادوار لكل الفاعلين وشروط القيام بها.

  • المادة والمتعلم:

علاقة تمثلات وهي صلة يربطها المتعلم مع المادة المدرسة، من أجل الفهم والاكتساب.

إذن:

التعاقد الديداكتيكي ما هو إلا وسيلة للتخفيف من عدة مشاكل مدرسية، كالعنف والهدر المدرسي إلخ، ويتم هذا العقد من خلال تحديد المهام والأدوار والوظائف الخاصة بكل طرف من أطراف العلمية التعليمية التعلمية:

  • مسح السبورة
  • عدم الغش في الامتحانات
  • الانضباط داخل الفصل
  • اقتناء الوثائق والادوات المدرسية
  • الحق في الاستفسار والتوضيح والاعتراض والمناقشة.
  • احترام الوقت
  • اعداد الواجبات المنزلية

مع العلم، ضرورة أنه على المدرس ضمن هذا الثالوث: الأخذ بعين الاعتبار: الفارقية الكائنة بين                                        المتعلمين. وفي هذا الصدد وجب على المدرس أن يعمل على:

  • ترسيخ المعارف وربطها بتمثلاته وتصوراته.
  • إقامة علاقة بين المتعلم قائمة على الحوار والاحترام والتحفيز.
  • تكريس لقيم الحرية والمبادرة والتعاون.
  1. بيئة الصف:

الظروف الفيزيائية والنفسية التي يوفرها المعلم لتلميذه في الموقف التعليمي، وعلى قدر جودة الظروف وملاءمتها تكون بيئة الصف مناسبة لتوفير خبرات غنية ومؤثرة وفعالة، الأمر الذي يساعد المتعلم على اكتساب الكفايات وتنمية مستوى الدافعية.

  • المدرس والمتعلم أي علاقة؟

إن الإجابة تستلزم استدعاء مجموعة من الأبعاد التي حكمت وتحكم العلاقة التربوية بين المدرس والمتعلم. يطلق على العلاقة التربوية[3] مجموع العلاقات الاجتماعية التي تتكون بين المربي والأفراد الذين يربيهم، سعيا إلى تحقيق الأهداف التربوية داخل بنية مؤسسة معينة، علاقات ذات خصائص معرفية وعاطفية محددة[4]. مع العلم أنه لا يمكن اختزال العلاقة التربوية في علاقة المدرس بالمتعلم، وإنما تشمل المتعلمين فيما بينهم أيضا.

تعتبر العلاقات رابطا بين وحدات محددة[5]، وتتخذ أشكالا متعددة:

  • العلاقة الارتباطية؛
  • علاقة التناظر؛
  • العلاقة السببية؛
  • العلاقة الشخصية.

إجمالا، العلاقة التربوية هي تفاعلات إنسانية تكون بين مجموعات مؤسساتية، هذا الطابع هو ما يجعلها عملية معقدة؛ باستحضار الاعتبارات الآتية:

  • أولا: علاقات إنسانية لأن تحققها يستدعي حضور وتفاعل العنصر الإنساني مجسدا في المدرس والمتعلم.
  • ثانيا: علاقات تواصل بيداغوجي لأن التعليم هو بالدرجة الأولى، إقامة تواصل مع المتعلم.
  • ثالثا: علاقات سيكولوجية وسيكو -سوسيولوجية، لأن فعل التعليم يتم في غالبية الأحيان في إطار جماعة القسم، فهو ذو طبيعة جماعية. هذا بالإضافة إلى أن إنجازاته تكون دائما مرفوقة بتبادلات وجدانية مختلفة.

وبالعودة إلى الأبعاد التي تحكم علاقة المدرس والمتعلم، فإنها تتوزع على الشكل الآتي:

  • البعد التاريخي للعلاقة مدرس / متعلم.
  • البعد البيداغوجي للعلاقة مدرس / متعلم.
  • لبعد التواصلي للعلاقة مدرس / متعلم.
  • البعد السيكولوجي للعلاقة مدرس / متعلم.
  • تصنيف العلاقة التربوية:

يمكن تقسيم العلاقات التربوية إلى:

  • العلاقة التربوية القائمة على مركزية المدرس؛
  • العلاقة التربوية القائمة على مركزية المتعلم؛
  • العلاقة التربوية المبنية على التفاعل الإيجابي بين المدرس والمتعلم

بخصوص العلاقة الأولى، فقد كان المدرس مركز العملية التعليمية التعلمية، حيث كان مالكا للمعرفة واقتصر دور المتعلم على استقبال تلك المعرفة.

أما المرحلة الثانية، فقد تحول المتعلم إلى محور العملية التعليمية التعلمية، وفي ذات الوقت أضحى المدرس موجها ومرشدا ومنشطا للعملية في مجملها.

وبخصوص المرحلة التفاعلية، فهي المرحلة المأمولة والمرجوة؛ حيث التفاعل بين طرفي العملية التعليمية، والذي ينتهي بالإنتاج المعرفي والتجديد سواء في بناء التعلمات أو في تجويد العلاقات.

  • البعد التاريخي:

يعتبر الفعل التعليمي والتربوي فعلا إنسانيا؛ إذ ظهر بظهور الإنسان، وتجلى في نقل تجارب الحياة وقواعدها وكذلك ضوابطها من الأكبر إلى الأصغر.

  • التربية البدائية:

إن التربية البدائية هي أولى علامات الفعل التربوي في الحياة الإنسانية، وتشمل، زمنيا، العصر الحجري القديم والوسيط والحديث. غير أن هذا المعيار ليس قارا وثابتا، فقد تخرج عن الحدود الزمنية، وتشمل الاتجاهات والأساليب التربوية في بيئة معينة؛ أي ضرورة استحضار حقيقة أن التربية هي نسق دال على ظروف طبيعية واقتصادية، واجتماعية بوصفها بنى أساسية مكونة لذلك النسق. وبالتالي فالعقل البدائي من خلال الأفكار والأفعال يستجيب للظروف الأحادية بأشكال مختلفة، بيد أن المجتمع تحكمه عوامل من قبيل:

  • ضعف الترابط المنطقي بين النتائج المتوصل إليه: فالفكر الأسطوري حل محل الحجة والمنطق؛
  • نقص التحكم في الإرادة: الفعل الإنساني تحكمه الانفعالات والقيم الانفعالية.

قامت التربية البدائية على مسارين:

  1. العملي: يتجلى في مهارات الصيد والقنص البحث عن مأوى. هذا الإعداد المركز على ضرورات الحياة يتم من لدن أفراد الأسرة بطرق خاصة ومعينة، تحترم الضوابط المجتمعية.
  2. الروحي: تسعى هذه التربية لجعل الفرد يرضي عالم الأرواح، وبهذا يكون الغرض منها خلق نوع من الانسجام بين مادية الفرد وروحانيته بوسائل سائدة لدى العامة، ولا يجب أن تخرج عن نطاقها.

نستنتج من خلال ذلك، سعي التربية البدائية خلق فرد مقلد وضابط لتقاليد وعادات مجتمعه. وفي مرحلة ثانية، إعداده لتلبية الحاجات الأولية كالمأكل والملبس والمأوى، بالإضافة إلى أعمال الخدمة المنزلية والصيد والتدرب على حمل السلاح، زد على ذلك أعمال الفلاحة.

لعل ما يمكن استنتاجه، أيضا، أن هذا النمط التربوي، أنها آلية محدودة، إذ لا تسمح للناشئ المتعلم بفرض قدراته وميولاته، بسبب القيود المفروضة عليه: العادات والتقاليد والمهام القبلية… بدعوى أنها المانحة لبطاقة العضوية، والتي تقوم ثلاث مقومات: اللغة، والآلة، والطقوس. غير أن ما يميز هذا النوع من التربية، أنها غير مرتبطة بشخص دون سواه (معلم محدد)، وإنما هي مهمة المجتمع بأسره: المجتمع المعلّم.

والملاحظ في الجانبين معا، أن الأسطورة كانت قناة تربوية تعتمدها الأسر في تمرير مجموعة من القناعات لأولادها، ولتوجيه سلوكهم وعاداتهم. والدليل على ذلك، أن المجتمع البدائي لم يكن يتوفر على معالم المدرسة، بل كانت الحياة الاجتماعية هي مدرسة الصبي ‘البدائي’؛ فالأسرة هي الوسيط التربوي الأول والأخير، بالإضافة إلى كبار القبائل ورجال الطب والسحر ورواة الأخبار الذين يشرفون على تدريب الأفكار.

التربية الصينية:

تعتبر الحضارة الصينية ضاربة في القدم بفلسفتها ونظامها، ويفسر ذلك بالتأريخ التام لكل مرحلة من مراحلها. لكن القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد كان علامة فارقة في تاريخ الحضارة الصينية؛ حيث أدرك العقل الصيني أن علوم الدين يكتنفها الغموض، وبالتالي اضطر إلى البحث عن بدائل أخرى تتجلى في المثل العليا والكمال المطلق. هذا التصور له مبررات في التربية الصينية، وخصوصا في مراحلها الأولى، إذ يسعى الصينيون لأن يكون لهم” أبناء يشرفونهم في الجنازات، ويحترمون ذكراهم بعد الموت، ويزينون لهم قبورهم”[6]. ومن أهم دلائل قيمة المدرسة والتربية في الحضارة الصينية، هو عندما يلتحق الابن بالمدرسة تقيم الأسرة احتفالا.

تعود التربية الصينية إلى القرن 23 ق.م، وكانت تربية شاملة تطبق على الجميع، والجميع هنا يقصد بها الأولاد فقط، بدعوى أنهم ضامنو استمرار الدولة الصينية. ومن أقسامها:

  • الدراسة الابتدائية: وفيها تدرس الرموز وحفظ أشكالها والكتب المقدسة؛ وتستمر الدراسة الابتدائية والعالمية إلى حدود عمر 16 سنة.
  • الدراسة العالمية: وتنقسم إلى: تحليل المعلومات وتفسيرها وكتابة المقالات والقصص استعدادا للامتحان، علما أن الكتابة هي مرحلة متأخرة في التربية الصينية.

أما بخصوص أنواع المدارس الصينية، نجدها كالآتي:

  • المدارس الابتدائية وتكون في كل تجمع سكني، ويكون المعلم في طبقة معزولة لا تختلط بالعامة.
  • معاهد الامتحانات: يمر المتعلم الصيني من درجات عدة:
  1. الدرجة الأولى: تكون مرة واحدة ثلاثة أعوام تحت إشراف الوكيل العلمي، ويطلب من المتعلم كتابة ثلاث رسائل في موضوعات مختلفة في زمن قدره 24 ساعة؛
  2. الدرجة الثانية: تأتي بعد ستة أشهر من الدرجة الأولى، تكون بالنظام السابق نفسه مع الصعوبة؛
  3. الدرجة الثالثة: تقام في العاصمة، وتستغرق ثلاثة عشر يوما، يختار فيها الإمبراطور أفضل الناجحين.

شكلت التقاليد الموروثة مركز وعماد الثقافة الصينية، فالتعليم جزء من هذه الثقافة؛ أي أنه خاضع لها. لذلك يقتصر فيه على بعض المهارات والعادات المنظمة (المظاهر، اللباقة في العمل، السلوك). ويتجلى هذا الأمر في اعتماد تمارين الذاكرة الحافظة، حيث يعتبر استظهار مضامين الدرس بسرعة هو الهدف الأول.

في القرن السادس قبل الميلاد ظهر مصلحان لاو شي Laot see  و كونغ شي Cong tsse، كان لكل منهما مقاربة إصلاحية؛ فلاوت شي دعا إلى التحرر والتقدم، أي الانتفاض على التقاليد السائدة” يرى بعض الحكام الصالحين أن علينا أن ندع قلب الإنسان وفكره فارغين، ونملأ بدلا منهما بطنه، وإن علينا أن نعني بتقوية عظامه أكثر من عنايتنا بقوة إرادته، وأن علينا دوما أن نتطلع إلى استبقاء الشعب في الجهالة فتقل مطالبه عن ذلك؛ إذ يقرر هؤلاء الحكام أن من الصعب أن نحكم شعبا يعلم أكثر مما ينبغي أن يعلم”[7]، إلا أن مصير هذه المقاربة انتهى بالفشل بسبب التقاليد المتجذرة في الفكر ولا يمكن استئصالها في مدة وجيزة.

أما كونغ شي الملقب بكونفوشيوس، فقد اعتمد مقاربة براغماتية تتجلى في القول بالأخلاق العملية والنفعية القائمة على سلطة الدولة والأسرة والفرد أيضا.

ختاما، إن القصد من التربية الصينية في مراحلها الأولى هو جعل الصيني متشبثا باللغة والادب والمقدسة؛ عبر حفظ نصوص معينة ومعها الكتب الدينية التسعة. تليها المرحلة الثانية التي تمثلت في الترجمة، من خلالها يحصل فعل القراءة ممارسة فعل التحويل. بعد ذلك، تأتي مرحلة الكتابة؛ حيث يكون المتعلم الصيني مطالبا بممارسة فعل الكتابة (تحرير مقالات)[8].

التربية اليابانية

بدأت معالم فن الكتابة سنة 270م، فهي سنة إنشاء المدارس في المقاطعات اليابانية. مدارس اتخذت من كتاب الكوكيوKokio [9] وكتاب الرونغو[10] أساسيات الفعل التربوي الياباني. بالإضافة إلى فروع التخصص: الآداب الصينية الكلاسيكية، الحقوق، الرياضيات، الطب، الفلك، العلوم السياسية.

كان السحرة معلمي المدارس الآشورية، تعليم فني وعملي يسعى تكوين تجار وكتاب، ليتطور في مراحل لاحقة ليشمل الدين والحساب والنحو والتاريخ والجغرافيا، بيد أن المدراس الآشورية أهملت” التكوين الخلقي للأطفال ويحدثنا التاريخ الديني أن أولئك القوم استسلموا إلى شتى أنواع المجون والفوضى، مما أغضب الإله فأنذر نينوى وبابل، وما لبث حتى هدم مدينتهم وجعل عاليها سافلها”[11].

التربية اليونانية:

يندرج الشعب اليوناني القديم والروماني تحت اسم الحضارة الهيلينية. وتدل الهيلينية (ثقافة) على المثل العليا ونمط الحياة السائد في أثينا القديمة والمدن الأكثر ارتباطا واتصالا بها.

إذا كانت تربية عصور ما قبل التاريخ جماعية، فإن التربية اليونانية تقدس الفردية وتكرس ثقافة التميز والتفرد، لذلك هي تربية تجديد وحرية تعمل على مسايرة المستجدات والمتغيرات؛ لذلك” كانت طريقة التربية الهومرية، كما يمكن استخلاصها من الإلياذة والأوديسة، تقوم على مواجهة التلميذ بمثل أعلى أو بنمط Pattern كامل. وكان المؤدبون يضعون بين يدي كل تلميذ المثال البطولي أو الأسرة المثالية، أي ‘الاريت’ البطل الذي كان محاربا وخطيبا في وقت معا، والذي كان يستطيع خدمة مجتمعه في ساحة الحرب أو ميادين القضاء أو الندوات السياسية سواء بسواء”[12]. إن هذه التربية لا تمثل الجزء الأنا في الذات اليونانية (الحرب وفرض الوجود)، بل عملت على خلق أنا أعلى يستوعب معنى الدفاع السلمي عبر الخطابة والكلمة، وهي ملامح رغبة انتقال من السلاح المحسوس إلى المجرد.

أما بخصوص المربي Tutor فمهمته لم تكن تنحصر على تعليم الشاب فقط، وإنما يعمل على تكوين شخصية خاصة به، يستضمر فيها النزعة القومية، ويتم ذلك من خلال علاقة شخصية ورفقة يومية قوامها سمو المعلم والبرهنة على الأهلية للمتعلم. هذا يعني أن التربية الإغريقية عمل يرتبط بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وكان الغرض منها تكوين نوع مثالي من البشر؛ أي أنها الفعل التربوي يشتغل في معمل صناعة شخصية وفق مثل عليا.

رغم ذلك، فإن الطبقية قيضت باب الاجتهاد؛ إذ لكل طبقة وظيفة خاصة في إطار مجتمعي، ما يعني أن لكل طبقة تربيتها الخاصة وأساليبها وأهدافها الخاصة:

  • طبقة الصفوة: ممارسة الحكم وإدارة شؤون البلاد؛
  • رجال الجيش: الدفاع عن البلاد؛
  • المنتجون: يشملون كافة المجالات، غاية وجودهم توفير مواد العيش.

إن الغاية الكبرى من التربية اليونانية تتجلى في فهم معاني الحياة، يقول أرسطو:”الغاية من الحياة أن يعيش الإنسان بسعادة وجمال”[13].

التربية الاثينية في اليونان:

من العادات الغريبة كذلك في التربية اليونانية، وجود شريعة (سولون)، حيث بمقتضاه لا يلزم الولد بمساعدة والده الشيخ إذا كان قد قصر في تربيته في الصغر، وكل ذلك خاضع لمجلس (اريو بكرس) المكلف بمراقبة التربية العائلية ومحاكمة المقصر في مهامه من أولياء الأمور والأولاد كذلك” إن هذا المجلس قد حكم بالموت على ولد لأنه فقأ عين طائر كان الولد قد تولى تربيته”[14]. تبدأ المدرسة الأثينية في سن السابعة، في أحد المدارس الآتية:

  • شعبة الموسيقى
  • شعبة الرياضة

لكل شعبة بناية خاصة، يقضي النصف الأول في بناية والنصف الثاني في الشعبة الأخرى، إلى حين بلوغه سن السادسة عشرة من عمره، وبعدها تتكلف به الحكومة.

لاحقا، ظهر نوع جديد من التربية “التربية اليونانية الجديدة”، نتيجة نقد التربية السائدة في المجتمع الأثيني؛ نوع تأسس على أن” يعيٍن الفرد لنفسه غايته في الحياة محكما عقله فيما يحده من عادات وتقاليد قديمة فلا يراعي إلا المعقول منها”[15] .

يمكن إجمال التربية الأثينية في قول بيريكليس:” نحن الأثينيين نحيا حياة حرة ليس في شؤوننا السياسية وحسب، بل في تسامحنا المشترك إزاء السلوك الخاص. إننا لا ننفر من جارنا عندما يفعل ما يحلو له، كلا ولا نجعله عرضة لتلميحات عدم الرضا تلك التي تسمم اللذة رغم أنها لا توقع أي ضرر رسمي. إننا نرعى الفنون من غير إسراف ونهذب العقل من غير تعنت […..] إن الفرد الأثيني لن تجد له ندا في الاعتماد على النفس وفي التكيف وفق الظروف وفي أي حال قد يجد نفسه فيها”[16].

إن ما ينبغي الانتباه إليه، أن أوجه الاختلاف بين النمطين يكمن في أن التربية القديمة كانت عملية التوجه؛ من خلال الاهتمام بالرياضة والموسيقى، أما التربية الجديدة فهي نظرية التصور تهدف العناية بالفرد انطلاقا من مفهوم الحرية. لهذا فالتربية الأثينية القديمة كانت تربية رياضية (الركض، رمي الرمح، المصارعة، الملاكمة، القفز) وموسيقية (الموسيقى الصوتية، الآلية، الإنشاد، الرقص) وأدبية (القراءة والكتابة).

التربية الاسبرطية:

يؤخذ الطفل من أمه في سن السابعة ليسجل في لائحة أولاد الأمة، حتى يتمكن من ولوج قسم الاثنا عشر طفلا؛ ففي سن 12 يتعلم الصيد والقنص والأعمال الرياضية (الجمباز)، مما يخول له التمرن في سلك الجندية، ليصبح بعدها معلما. إنه يعد فرضا ولزاما على المتعلم البقاء في التكنة إلى حدود سن الثلاثين، وفيها تستعمل جل الوسائل الممكنة لتكوين محارب إسبارطي شديد؛” وكان لدى الاسبارطيين عادات غريبة وأساليب مستهجنة في تربيتهم البدنية فإنهم كانوا يضربون أبناءهم ضربا مبرحا مؤلما قد يؤدي إلى الموت أحيانا”[17]. ومن هنا يتبين أن التربية الإسبرطية تربية حربية رياضية، تعمل على إعداد مقاتلين مزودين بقناعة الطاعة العمياء للقادة.

اشتغلت المدارس الإسبرطية بالتوازي، إذ وضعت تمارين للجسد وأخرى للروح، مع البدء بالسباحة والقراءة.

في البداية، كان الخادم أو البيداغوجي هو المكلف بمراقبة الطفل ومرافقا له إلى المدرسة التي يتعلم فيها:

  • النحو: حفظ مقاطع من الإلياذة والاوديسا، مع الاكتفاء بتعلم اللغة اليونانية وحدها؛ وذلك من حيث الألفاظ ومخارج الحروف، وسلامة النطق، وتقدير حروف المد؛
  • الكتابة: تتجلى قيمة هذه العملية في إبداع موضوعات إنشائية، بالإضافة إلى علم العدد والحساب؛
  • الرياضة البدنية: ما إن يبلغ الطفل سن الرابعة عشرة حتى يأخذ في التدرب على شؤون البطولة؛
  • الموسيقى: تسعى الموسيقى لتحقيق الانسجام والنظام في النفس “وباللحن والنغم يكتسب الإنسان رهافة في فكره يستطيع بها أن يحل المسائل الدقيقة والمشكلات المختلفة عن طريق الذوق السليم بدلا من المحاكات العقلية الجامدة”[18].
  • الخطابة والفلسفة: ركزت الخطابة على البلاغة وفن القول ومهارة الحديث، والدفاع عن الحق أو الباطل.

لقد كان سقراط يؤمن بأن الإنسان صاحب معارف، لذلك ظل يحاور كل من يلاقيه باستعمال:

  • التهكم الأرسطي: الادعاء بجهل الجواب ومواصلة طرح الأسئلة على المستجوب إلى أن يدرك أن ما يؤمن به ليس صائبا؛
  • التوليد السقراطي: يؤمن سقراط بقدرات الفكر البشري على توليد الأفكار، شريطة معرفة كيفية قيادته إلى ذلك؛ أي بالتدرج وباليسر.
  • أفلاطون:

يعد أفلاطون من الأعلام الذين لهم إسهام تربوي تجلى في كتاب “الجمهورية”، غير أن هذا الإسهام عد من الخيال أو الوهم، ما دام يتحدث عن معالم المدينة الفاضلة. ومن المعلوم أن أفلاطون قسم طبقات جمهوريته إلى:

  • الفلاحين والصناع؛
  • المحاربين؛
  • الحكام.

اقتصر دور الطبقة الأولى على تعلم مهنة من المهن المتداولة، في حين شملت المتطلبات التربوية للفئة الثانية الموسيقى والرياضة؛ وبفعل أرستقراطية أفلاطون، رسم ثقافة فلسفية عالية تشمل جميع العلوم دون استثناء لأبناء الطبقة الثالثة؛ مبررا ذلك، بضرورة كون حكام الدولة علماء وفلاسفة.

  • أرسطو:

يمر الإنسان، حسب أرسطو، من ثلاث مراحل:

  • النشأة الجسمية: تمتد إلى سن السادسة؛
  • الغريزة والنزوعية: اللاعقل؛
  • القوى الناطقة: العقل.

وبذلك، فالفعل التربوي وجب أن يتماشى مع كل مرحلة، مع التركيز دائما على العقل وخصوصا في المرحلة الثانية؛ فالألعاب المقدمة للطفل في المرحلة الثانية وجب أن تخدم المرحلة الموالية؛ مرحلة الموسيقى والرسم والعلوم والنحو.

إجمالا، كانت التربية اليونانية إنسانية التوجه، حيث جعلت من حرية الإنسان المحور الأساس للمجتمع والتربية معا، غير أن مفهوم الإنسان اقتصر على طبقة محددة دون الطبقات الأخرى، مما يجعل تلك العلوم فاقدة للمعنى والهوية.

التربية الرومانية:

تتشابه التربية الرومانية مع التربية اليونانية، مع وجود بعض التباينات. فالأولى(اليونانية) تبحث عن الغاية من الحياة نظريا- فلسفيا، بينما ترى الثانية (الرومانية) أن تلك الغاية لن تتحقق إلا بوسائل وأساليب.  إلا أن ما تتميز به التربية الرومانية هي الحضور المهم للتربية الأسرية، وخصوصا سلطوية الأب “المقدسة” التي تقوم على الجانب الديني “الأساطير”.

وقد عرفت التربية الرومانية شكلين من التربية؛ قديمة وحديثة، أما الأولى فهي مدراس يونانية بمناهج خالية من آثر الإغريقية، في حين فرضت الحروب والظروف الاقتصادية حضور الصبغة اليونانية في التربية الرومانية الحديثة.

ركزت التربية الرومانية في إرهاصاتها الأولى على التربية الطبيعية، إذ كان الآباء هم من يمارسون فعل التربية؛ لسبب رئيس، وهو غياب المدارس إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، مما جعلها تربية حربية وخلقية: التدريبات في ساحات القتال وحفظ الأناشيد الدينية والألواح الإثني عشرة المتضمنة للقانون الروماني. وبفعل التأثر باليونان، غيرت التربية الرومانية منهجها فاتجهت نحو الخطابة والبلاغة والفلسفة، وفي هذا الصدد، سنقف عند علم من أعلام التربية الرومانية، وهو كوانتليان Quintilien وخصوصا في كتابه “المؤسسة الخطابية L’institution Oratoire.

ومن أهم الأفكار التربوية التي تضمنتها ما يأتي:

  • عدم التفريق بين الأطفال في التربية الخلقية؛
  • حسن اختيار المرضعة: لسان قويم وكلام غير ذي عوج، معللا ذلك، بأن الانطباعات الأولى لها آثار عميقة في نفس الطفل؛
  • ضرورة تعلم اللغة الأم قبل أي لغة؛
  • تعلم أصول الكتابة في سن مبكرة؛
  • تجنب كل ما ينفر الطفل من التعليم والتعلم؛
  • اعتماد اللعب والأسئلة والمكافأة؛
  • تعليم الطفل شكل الحروف قبل أسمائها؛
  • نماذج الكتابة المعتمدة في تعليم الأطفال ينبغي أن تتضمن حقائق خلقية؛
  • تجنب السرعة في تعليم الكتابة؛
  • على المعلم، ومن واجبه، معرفة عقل الطفل وطباعه؛
  • استبدال الطاعة والنظام بالثناء؛
  • القراءة ينبغي أن تكون عبر تطبيقات وتمارين، وبصوت مرتفع؛
  • الإيمان بقدرة المتعلم على تعلم موضوعات كثيرة في وقت واحد.

التربية المسيحية والعصر الوسيط.

أصدر الامبراطور قسطنطين قرارا يجعل من المسيحية دين الامبراطورية، إلا أن الشعب الروماني لم يمتثل لروح الدين الجديد، لذلك سعت التربية الجديدة(المسيحية) على تعليم المذهب المسيحي، و”هكذا غدت التربية نظاما قاسيا يهيئ لحياة مقبلة تنظر إلى كل ما يتصل بأمور هذه الحياة الدنيا نظرة احتقار وازدراء وإلى كل ما ينتسب إلى هذا العالم في نظرها شر كبير، وتعد كل عناية بنمو الشخصية الفردية وبتعهد الغرض البديعي أو النشاط الفكري خطيئة كبيرة”[19]. لقد نتج عن سيطرة الفكر الديني (الابتعاد عن العلوم والفنون والأدب، والإغراق في الزهد والتقشف) إلى ضعف كبير في حركة الفكر؛ حيث رأت المسيحية ” أن من الواجب ألا يدرس الفتيان شيئا وألا يكون للمعلمين تلاميذ وأن يذبل العلم ويموت”[20].

هكذا، فقد خلّف هذا الوضع ردود أفعال تجلت في:

  • فكر شارلمان؛
  • الحركية المدرسية Scolastique، وذلك في القرن 12م؛
  • نهضة القرن السادس عشرة.

مدارس شرقية:

يطلق مصطلح الشرق الأوسط على منطقة آسيا وشمال افريقية؛ من إيران شرقا ووادي النيل وليبيا غربا. أما بلاد الرافدين (Mesopotamia) فلها امتداد في الشمال الشرقي من بلاد العرب، من الشمال هناك جبال كردستان إلى الخليج العربي.

التربية الفرعونية

مزجت التربية الفرعونية بين العقيدة والأساطير والخرافات وأفكار تشكل ضمان استمرار الأسرة الحاكمة، عبر تكريس ثقافة الطاعة والولاء؛ أي أنها كانت تربية ذات وظيفة سياسية قبل أن تكون تربوية.

وباستحضار الجانب التربوي، وجب الإشارة إلى أن التربية الفرعونية تأثرت بالفلسفة الإغريقية بشدة من حيث التصور بالدرجة الأولى.

قدامى المصريين:

ينقسم الهرم المجتمعي إلى:

  • الكهنة؛
  • العرافين؛
  • المحاربين؛
  • الشعب.

آمن المصريون بأن التربية والمعرفة سبيل بلوغ المجد، وانظر قول أحد حكمائها:” اذكر يا بني أن أي مهنة من المهن محكومة بسواها. إلا الرجل المثقف فإنه يحكم نفسه بنفسه”[21].

كانت التربية في بداياتها، تقوم على الدين والأخلاق والحساب والقراءة والسباحة والرياضة البدنية، ليتخصص المتعلم فيما بعد في إحدى المهن، فالكتاب مثلا ” كانوا يدرسون ثلاثة أنواع من الخط: الخط الشبعي (Demotique) والخط الهيراطي (Hiératique) والخط الهيروغليفي، بالإضافة إلى المحاسبة والرسم والدين”[22].

كما ارتبطت المدرسة السومرية أو “بيت الألواح” بظهور الكتابة المسمارية، لهذا عملت على تلبية حاجيات الدولة ومتطلباتها الإدارية والاقتصادية. وبما أن المدرسة السومرية كانت تهدف توفير حاجيات المعبد والقصر، فإن الولوج إليها لم يكن متاحا للكل؛ إذ لم يكن عاما ولا إلزاميا، فكان طلابها من الأسر الغنية، أما الفقراء فمن الصعب عليهم توفير شروط التعليم (المال والوقت) فيها.

كانت المدرسية السومرية خاضعة لتراتبية إدارية يترأسها رئيس يدعى أوميا ‘Ummia’[23]، ومعه أعضاء:

  • الأستاذ المساعد أو الاخ الكبير؛
  • المشرف على الرسم؛
  • المشرف على اللغة السومرية؛
  • العرفاء: مهمتهم ضبط الحضور؛
  • الرجل الموكل بالسوط: المسؤول عن النظام.

أما منهج الدراسة[24]، في المدرسة السومرية، فهم مقسم إلى البحث العلمي والإبداع والإنتاج الأدبي، كل ذلك بغية تعليم السومري لغة الكتابة. ولذلك عمل معلمو المكتبة، ديدكتيكيا، على تصنيف اللغة السومرية وتبويبها إلى كلمات وعبارات تربط بينها روابط معينة. ومهما تكن التربية التي يتلقاها المتعلم في بيت الألواح، فإن للتربية الأسرية قيمة وقوة أساسية في عمليتي التغيير والنمو. وهو المكون الذي منحه قانون حمورابي تشكلا جديدا يقوم على توضيح حقوق وواجبات كل فرد من أفراد الأسرة[25].

من جهة أخرى، لا شك أن التربية السومرية أو تربية بلاد الرافدين لم تخلُ، رغم تطورها، من الفكر الأسطوري؛ فكان للأساطير بعد تربوي، أسهمت بشكل أو بآخر في توجيه الفكر أو التعديل السلوكي، فتم اعتمادها (الأسطورة) وسيطا ديدكتيكيا في عملية التربية داخل الأسرة وخارجها على حد سواء، وخصوصا في مجال القيم، ولعل أبرز نموذج لما قدمناه هو ملحمة جلجامش.

التربية الهندية

كانت الهند قبائل متفرقة، ولكل قبيلة قوانينها وقواعدها وعاداتها، الأمر الذي أنتج صراعات بين الطبقات الاجتماعية، بالإضافة إلى انعدام الديمقراطية والمساواة، وهنا تضطر الدولة إلى جعل الثروة المادية الحل الأنسب لهذه المشكلة الأساس، في حين كان للفلسفة الهندية تصور آخر، يتجلى في التربية -بوصفها إيديولوجيا فعالة ومؤثرة- على الزهد والقناعة والتدريب على الرياضة الروحية قدر الإمكان. كما يعد المجتمع الهندي مجتمعا طبقيا (طبقات وراثية) تتميز فيه كل طبقة بالاستقلالية عن الطبقات الأخرى، إذ لا يجوز الارتقاء من طبقة إلى أخرى، أو خلق صلات فيما بينها. وبذلك كان المولود محكوما عليه داخل طبقة محددة. وهذه هي الطبقات الأربع:

  • البراهمانيين: الكهان؛
  • الكشاتريا: المحاربون؛
  • الفايزا: الصناع؛
  • السودرا: العبيد.

دون أن ننسى، أهمية الوازع الديني، الذي يفرض نفسه على المولود الجديد. لذلك فالتربية الهندية تسعى إلى طمس معالم الحرية الفردية بإخضاعها للسلطة الدينية والطبقية المجتمعية؛ فبالرغم من الإصلاح البوذي الذي أقر بضرورة نفي الذات وكبحها لنيل الطمأنينة الروحية.

تولت طبقة الكهان عملية التربية “تحت ظل الأشجار، أو تحت الأروقة أيام المطر. وكانت التمارين على الكتابة تجري في العهود الأولى بالخط على الرمل بواسطة القطبان”[26]، لتتحول، لاحقا، إلى أوراق البلاتان اليابسة باستعمال المداد.

اهتمت التربية الهندية بالعالم الأخر، وعملت على توجيه الفرد وفق هذا التصور للظفر بالجنة والخير في الدار الآخرة، عبر تكوين معرفة دقيقة بطبيعة الفرد والفهم الثاقب والشامل لنفسيته، بهدف ضبطه والتحكم في رغباته وكبح ممارساته.

بالموازاة مع ذلك، هناك أهداف أخرى تنظم الحياة ككل:

  • الورع: Dharma العيش الفاضل هدف سطرت فيه زمرة من القواعد الواجب الالتزام بها في علاقة الفرد بالآخر؛
  • وسائل الحياة: Artha تحديد علاقات الإنسان مع أشكال وتمظهرات الثروة المادية؛
  • المتعة: Kama تبيان مصادر وأسس التعامل مع الملذات المتنوعة؛
  • تحرير النفس: Moksha تعداد بعض القواعد الملزم بها لتحرر الذات.

لجأت الفلسفة الهندية للعديد من الوسائل المتنوعة للحد من مشكلة الثورة المادية والصراعات الناتجة عنها، ولهذا، لا يمكن الحديث عن التربية الهندية القديمة دون استحضار كتاب ‘الفيدا’[27]، وهو من أهم الكتب الهندية قيمة إن على المستويين الديني أو التربوي؛ إذ يشكل مرجعا لجل النظريات والممارسات التربوية. ثانيا، سفر اليوبانشادات Upanishads. وهي مجموعة من الأسفار الفلسفية، يبلغ عددها 108 محاورة، على شكل دروس تعليمية، تعمد إلى الحوار بين المتعلم والمعلم، وتهم مشاغل الحياة والإنسان[28]. إلا أن هذه المحاورة تسعى إلى جعل المتعلم يؤمن بعدم فائدة العقل في إدراك مظاهر الكون والحياة، بدعوى أنه محدود على خلاف الأمور المحسوسة.

إن فلسفة اليوبانشادات وضعت مسارا تربويا، سعت من خلاله إلى تطهير المتعلم “من أدران الشهوات والرغبات المادية وصور القلق والتردد…. طريق يتطلب الصوم الطويل حتى تخفت أصوات الحس، وتعلو أصوات الحس، وتعلو أصوات الروح، فتتجلى حقيقة الأشياء والأمور بشيء من البصيرة والحكمة الصافية”[29]. وفي المرتبة الثالثة، توجد اليوجا، التي تحاول بمعناها العام إخضاع الفرد لنظام يتميز بالقدرة على تحمل الآلام وشظف العيش في الحياة، لتخلصه من المفاسد والشرور والانحرافات المتجلية في المادة والعنف في المعاملات. إن طريق اليوجا التربوي ليس بالأمر السهل، بل لها مراحل شاقة ومجهدة[30].

التربية البوذية:

تنسب المدرسة البوذية إلى جوتاما بوذا Gotama Buddha، الذي جاء بمنطق المحاضرة والمحاورة وضرب المثل، وفي حالة سوء احترام -مثلا- يقول:” إذا أساء إلي إنسان عن حمق، فسأرد عليه بوقاية من حبي إياه حبا مخلصا، وكلما زادني شرا، زدته خيرا”[31]. كما ارتكزت التربية البوذية على تجنب الإفراط في:

  • المتعة الجسدية؛
  • إذلال النفس.

غير أن خصوصية بوذا التربوية تتماهى والغاية الكبرى التي لم تختلف عن المدارس الأخرى؛ لأنها وضعت شعارا تعليميا مفاده أن حياة الفرد ضروب من الألم الناتج عن الشهوة، في حين جاءت الحكمة عماد قمع الشهوات.

ولا يمكن الحديث عن التربية الهندية دون استحضار الفيلسوف البرهمي بييدبا، والنصائح التي كتبها للملك دبشيلم في القرن الرابع ق.م. نصائح[32]،إذ لم تكن تربوية- تعليمية محضة، وإنما هي عامة وشاملة للحياة. ويتضح إذن، أن التربية والتعليم الهنديين لم يكونا إلا امتدادا للدين، على الرغم من تلقي المتعلم الهندي للفنون والنحو والصناعات والفلسفة والمنطق على يد ‘الشيخ’، الذي يظل مرافقا له إلى حدود سن العشرين.

إن التصاق الدين بالتربية والتعليم الهنديين ليس اعتباطيا، وإنما يفسر بقيمة ومكانة الدين في الحياة الهندية، بل لبُّها ونبضها. ولعل أبرز فوائد الدين فيها نبذ العنف وإحلال الشفقة والرحمة بالمتعلم، “يجب أن يتعلم الأطفال دون أن يشعروا بأي شيء يؤلمهم أو ينفرهم من التعلم، والمعلم الذي يعرف للفضيلة معنى، يجب عليه أن يستعمل اللطف والكلام العذب عند التدريس”[33]

التربية الفارسية

في البداية وجب الإشارة إلى أن الكتابات حول التربية الفارسية جد قليلة، وحتى المتوفرة منها فهي يونانية ورومانية الكتابة، بسبب الحرب التي كانت بين الفرس واليونان؛ أي افتقادها للعلمية.

الملاحظ أن للتربية الدينية مكانة مرموقة في الفكر العام للشعوب، لاعتبارات مهمة تتجلى في قوتها التوجيهية وعمق تأثيرها المباشر واللحظي على الفرد.

تبدأ التربية في الأسرة، يكون فيها الأب سيد الطاعة والولاء، وكان من واجباته تدريب أبنائهم على الفضيلة والسهر على صحتهم وأن يكونوا خداما نافعين للدولة.

ومنه، فالتربية الفارسية، كانت تربية خلقية بامتياز؛ فمن الشروط الواجب توافرها في الابن الفارسي: ركوب الخيل، رمي السهام، قول الحق، الطاعة، العدل والشجاعة، الاعتدال، الشرف، إرضاء هرمزد[34].

وبالتالي، فالتربية الفارسية تربية طبقية؛ إذ اقتصر تعليم أبناء الفقراء على أساسيات محدودة. وبالمقابل، يتعلم أبناء النبلاء والأغنياء المهن والصنائع في البلاط، ويتم ذلك وفق المراحل الآتية:

  • سن السابعة: تعلم الجري والمبارزة، بالإضافة إلى كتاب الأفستا (كتاب يانة مثنوية وضعه زرادشت)؛
  • سن الخامسة عشر والخامسة والعشرين: التربية العسكرية والإخلاص للدولة.
  • الخمسة والعشرين والخمسين: الانخراط في الجندية، وعند الوصول إلى الخمسين يعدو أفضلهم وأعلمهم معلما.

وعند ذكر المعلم وجب التنبيه إلى ما يميز التربية الفارسية، ما يأتي:

  • العلاقة القائمة بين المعلم والمتعلم هي علاقة الأخ وأخيه/ الاب بابنه؛
  • لكل فئة منهاج خاص بها: منهاج المحاربين مختلف تماما عن منهاج السحرة، سواء من حيث الكيفية أو المواد.

كانت التربية الفارسية تربية تنظيرية قائمة على الحرية الممزوجة بالعقائد، إضافة إلى أنها عسكرية بامتياز لحد أن” الملك في كل عام يرسل الهدايا إلى الآباء كثيري الأبناء، كأن هذه الهدايا ثمنا لدمائهم يدفع مقدما”[35]. من جانب أخر، فذلك تشجيع على الولادة والتكاثر، سطحيا، أما في العمق، فقد كان الهم الأساس هو تضاعف عدد الجيوش والجنود. هذا التصور أثر على النمط التربوي، إذ أضحى الفرد الفارسي مجبرا على تعلم الفروسية وآدابها ومراسمها إلزاميا، ومن هنا يتضح أن التعليم الفارسي كان محدودا ومقتصرا على رجال الدين، أما أبناء الملوك، فهم يتعلمون في القصر: القراءة ورمي القرص والشطرنج والحساب وركوب الخيل والصيد.

التربية العربية القديمة

شهدت التربية العربية خمسة أطوار:

1- ما قبل الإسلام؛

2- الدعوة الإسلامية؛

3- عهد الخلفاء والأمويين؛

4- العصر العباسي؛

5-التدهور.

امتدت الحضارة العربية من وادي الرافدين شرقا إلى شمال إفريقيا غربا. وفيما يتعلق بعلاقتها بالتربية فإنها اعتمدت بوصفها عملية تنشئة اجتماعية بوسائل غير نظامية. أما الشكل النظامي فقد ظل مقتصرا على قلة قليلة من السكان العرب، في حين كان التدريب النمط الأبرز لدى الطبقات الاجتماعية الأخرى.

من الجاهلية إلى الحداثة

تسمى هذه المرحلة بالجاهلية، وارتبطت هذه المرحلة بالرواية فقط، حيث “لا نكاد نجد للعرب في الجاهلية تاريخا مدونا باستثناء بعض النقوش على المباني القديمة”[36]. فما ماذا صحة هذا الرأي؟

ساد التعليم (القراءة والكتابة) العصر الجاهلي كغيره من العصور، رغم القراءات التي تصرح بغياب فعل الكتابة في هذا العصر، وأكبر دليل على ذلك قيام الكتاتيب على يد اليهود لتعليم الصبيان: وممن تعلموا نجد أبي بن كعب، زيد بن ثابت، سعد بن عبادة. غير أن الحقيقة القائمة هي اختلاف الأهداف التربوية من بيئة إلى أخرى؛ ففي البادية، ونظرا للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تعمل الأسرة على إعداد الصبي للحروب والشجاعة والولاء والطاعة لكونهم حماة القبيلة مما يتهددها من أخطار. ويشمل هذا الإعداد: فنون القتال وطرق استخدام الأسلحة وركوب الخيل والمبارزة بالإضافة إلى التدرب على الصيد والقنص.

ولا ينبغي في هذا الجزء، أن نغفل أهمية إعداد ذي الوظيفتين -وهو الشاعر- الذي كان مدونا تاريخيا للقبيلة ومدافعا عنها بالمدح وهجاء الأعداء. ونظرا لخصوصية المهمة، فكلما نبغ شاعر أقيم احتفال بتلك المناسبة. والأمر عينه بالنسبة للخطيب؛ فضرورة وجوده والحاجة إليه برزت من خلال الصراعات والخصومات التي كانت سائدة آنذاك، وفي ظل هذا الوضع كان الخطيب سيد القبيلة وزعيمها.

وعلى الضفة الأخرى، كانت التربية في الحضر تتمثل في تكوين حرفيين وتجار؛ أي تكوين خدماتي يسعى في توفير حاجيات المجتمع في حياته اليومية، وتتم هذه العملية عن طريق التدريب والمحاكاة، وفي الآن نفسه، كان لزاما على الصبي الحضري الانتقال إلى البادية لتعلم الفصاحة والخطابة الفروسية.

وعلى الرغم من وسم هذا العصر بلفظ الجاهلية، فقد سادت عدة من العلوم في ذلك العصر: الكهانة، الفراسة، تأليف الخطب، نظم الأشعار، علوم اللسان، أحكام اللغة، علم الأخبار، علم الكواكب، الحساب، الطب، البيطرة، الزراعة… غير أن هذه العلوم تناقلت بالرواية والسماع، ما جعلها معرضة للتحريف والضياع.

من جهة أخرى، سعت التربية الجاهلية إلى إعداد النشء للسير وفق المنهج الأبوي؛ كتوفير المأكل والمسكن والملبس ومواجهة الأعداء، زيادة على ذلك” تستهدف بث العادات الفاضلة وغرس الصفات الخلقية التي اشتهر بها العرب منذ القدم”[37]. بخلاف ذلك، فالغايات مقسمة حسب المستوى الاجتماعي؛ فهنالك البدو والحضر: فالفئة الأولى تتمثل أعمالها في أساليب الدفاع وطرق الإغارة والصناعة (القنص، إعداد الآلات، عزل الصوف، تربية الماشية، الرمي…). أما الفئة الثانية، فقد كانت راقية من حيث المواد: الهجاء، المطالعة، قواعد اللغة، الحساب في مرحلة أولى. والهندسة، وعلم الفلك، الطب، والآداب، والتاريخ، وفن العمارة في مرحلة موالية.

لقد اعتمد التعليم الجاهلي على الخبرة والحفظ والتقليد والمجالس وخصوصا الأدبية منها، لتخلق بعد ذلك الكتاتيب ودور العلم، وبذلك كانت الكتاتيب مؤسسة تعليمية تتمحور حول “حفظ القرآن وما يتصل به من معرفة للنحو واللغة والأدب، وما يتصل بالتعاليم الدينية من عبادات كالصلاة وسائر الفروض الأخرى”[38]، وما يميز هذه المؤسسة، كون المعلم هو المسؤول عن كتابه، ولا سلطة للحاكم عليها.

التربية بعد الإسلام:

امتدت هذه المرحلة ستة قرون، اشتغلت فيها التربية على الموافقة بين الدين والدنيا، فدرست أبناءها علوم الدين وعلوم الدنيا: الفيزياء، الطب، التاريخ والجغرافيا، الكيمياء، الفلك والهندسة، متخذة من المساجد والمنازل والقصور والخوانق والبيمارستان[39] والرباط والدكاكين الخاصة ببيع الكتب موطنا للتدريس” ولم تختلف المدرسة عن الجامع أو المسجد لا في بنائها ولا في وظيفتها والغرض منها. إلا إنها كانت أكمل وأوفى بأغراض الدراسة المتصلة بها ولسكنى الطلاب المنقطعين عن العلم”[40].

وقد شهدت الثقافة العربية في هذه الفترة ازدهارا ونموا كبيرا بسبب السجالات والنقاشات والمبارزات العلمية بين العلماء على اختلاف تخصصاتهم. لكن بفعل اختلاط العرب بالعجم -نظرا للتبادلات التجارية- تأثرت اللغة العربية؛ فانتشر اللحن بين العامة وحتى الحكماء، وخصوصا في الحضر، في الوقت الذي بقيت فيه سليمة في الصحراء.

لم يحدد النظام العربي (تربويا) سنا محددة للتمدرس على ألا تتجاوز سن السابعة (الشرع الديني)، شريطة أن يكون هنالك توافق بين التربية الجسدية والعقلية، على أن تساعد الأولى الثانية؛ فعلى المتعلم” أن يواصل الدرس ما نشط عقله وفطن، فإذا أحس في عقله فتورا فليتوقف عن العمل وليلجأ إلى اللعب، فإن العقل المكدود ليس لروينه لقاح ولرأيه نجاح”[41].

وبالموازاة مع ذلك، آمن العرب المسلمون بالتلقين دون الكتابة بوصفه منهجا تعليميا فعالا؛ نظرا لتناسبه مع المواد التعليمية -وخصوصا القرآن الكريم- بل وصل بهم الحد للافتخار بالعلم الذي حوته الصدور دون القمطر. هذا مع البدء بالحفظ قبل الفهم ” أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، الثالث الحفظ، والرابع العقل، والخامس النشر”[42]، مع اعتماد، دائما، مبدأ التدرج. لا ينبغي أن يفهم أن الحفظ هو الأداة الديدكتيكية الوحيدة، بل هنالك من اتخذ من المناظرة مسلكا للتعلم، كونها تدفع بالمتعلم للخروج من دائرة السكوت ودخول عالم التفاوض، ضمن صناعة أو تخصص يناسبه، ف” ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتيه ولكن ما شاكل طبعه وناسبه، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة ما كان احد غفلا من الأدب وعاريا من صناعة…لذلك فينبغي لمدير الصبي إذا رام اختيار  صناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك”[43].

إن أهم ما يلاحظ في التربية الإسلامية إغفالها الحديث عن مسألة التقويم والتقييم، ومرت مباشرة للخوض في مسألة العقاب والثواب وفنون كل جزء وطرق تنفيذه؛ وقد يفسر ذلك باعتماد التلقين والحفظ والاستظهار باعتبارها آليات اشتغال ديداكتيكي، إذاك يكون التقويم موازيا. زد على ذلك، أن المناظرة لم يسطر لها ضوابط التفعيل والتقويم، ومرد ذلك إلى أنها لم تكن بين المتعلمين وإنما بين العلماء والفقهاء.

والأمر الثاني الذي يفهم انطلاقا من الكتابات التربوية أو التأديبية أن العقاب والثواب مرتبط بالتربية الخلقية وليس العقلية، كما لم تتضح العملية التي يمر منها المتعلم من مرحلة إلى أخرى، ونمط الامتحانات التي يجتازونها.

من جانب آخر، إن العلوم التي تقدم للمتعلم، كان ينظر إليها من الجانب الديني؛ بمعنى إلى أي حد توطد هذه “المادة” صلة المتعلم بالله، و”العلم الإلهي أعظم العلوم وأشرفها، وما سواه من العلوم فخدم له وتبع”[44].

إن هذا الاختلاف في التربية وأنماطها تظهر ملامحه في المؤسسات التعليمية التربوية، فالبادية -وبسبب تمظهراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية- اقتصرت على وظيفتي الأسرة والقبيلة، فالشعراء يعلمون المتشاعر، والفارس يعد الفرسان والمحاربين، والخطيب يخطب في الخطباء… أما الحواضر، فإنها تتوفر على مؤسسات عدة ومتنوعة: الكتاتيب والورش المهنية والأندية الثقافية والأديرة والمدارس الدينية وقصور الحكام والملوك، ومن خلال كل هذه التفريعات “تنتج الثقافة السائدة مفعولها الإيديولوجي بتغليف وظيفة التقسيم وإخفائها تحت قناع وظيفة التواصل”[45].

وبين البادية والحواضر، شكلت الكتابة التدريب والمحاكاة أهم الوسائل التعليمية التي استندت إليها التربية الجاهلية، غير أن للكتابة مرموقة في هذا الجانب، وكانت أدواتها:1 الجلود (الرق- الاديم- القضيم)، 2 القماش، 3 العسب والكرانيف (جريدة النخل)، 4 العظام (الكتف والأضلاع)، 5 الحجارة، 6 الورق (وخصوصا البردي).

التربية اليهودية والمسيحية:

  • بني إسرائيل:

اعتمدت التربية العبرية، في بداياتها، على التربية المنزلية؛ إذ كانت الأسرة قوام المجتمع. مجتمع ديني يسعى إلى تمكين الفرد العبري قواعد المعتقد الديني بالمثال والقدوة. هذا في الوقت الذي عدت فيه التربية الذهنية أمرا ثانويا، حيث انتصرت على التاريخ القومي للشعب العبري. لكن ومع ظهور المسيحية، كانت للتربية الفكرية مكانة عالية، فقد فرض الكاهن جوزيا بن جامالا Jose Ben Gamala أن تتوافر كل مدينة على مدرسة خاصة بها، تقوم على المبدأ على الآتي” إذا لم يتجاوز عدد الأطفال خمسة وعشرين، قاد المدرسة معلم واحد، وإذا جاوز هذا العدد، فعلى المدينة أن تأجر مساعدا له، وإذا جاوز الأربعين لزمها معلمان”[46].

يلج العبري المدرسة، وهو في سن السادسة، يتعلم القراءة والكتابة والتاريخ الطبيعي والهندسة والفلك، باعتماد الطريقة الشرقية” بأن يوضع بين يدي الطفل كتاب يردده مع رفاقه على إيقاع ونغم إلى أن يستظهره”[47]، علما أن أول كتاب يطلع عليه المتعلم هو التوراة.

أولا التربية التوراتية: تقوم هذه التربية على مفهوم الإعداد، ويتكون من:

  • الإنسان الذي يُعد؛
  • فلسفة الإعداد (الهدف)؛
  • المُعِد.

ثانيا التربية المسيحية في القرون الوسطى:

تتجلى غاية التربية النصرانية في الإعداد للعالم الآخر، وذلك حسب المدارس:

  1. المدارس التنصيرية: أقيمت في الغرب، تعمل على تعليم المبادئ النصرانية؛
  2. المدارس الاستجوابية: في مدينة الإسكندرية، تقوم على الاستجواب والمخاطبة، مازجة بين العلوم اليونانية والمبادئ المسيحية.
  3. مدارس الكهنة: اعتماد شروط ولوج سلك الكهنة:
  4. مدارس خاصة توجد تحت رعاية الأساقفة، ومقرها الكنيسة. تسعى إعداد كهنة يديرون المراسم الدينية. تدرس مواد (علوم) كلها تطمح تكريس مبادئ الكنيسة، بالاعتماد على التلقين والحفظ.

ومن أبرز تلك العلوم، والتي تقدم باللغة اللاتينية، نجد:

  • الغراماطيق؛
  • الخطابة؛
  • الهندسة؛
  • الموسيقى؛
  • الجدل؛
  • الحساب؛
  • الفلك.

وتركن في ذلك إلى طرائق تربوية تجمع بين التعليمي والديني بهدف تنمية قوة الجدل والمناقشة، وتنسيق المعارف والمعلومات، وأيضا تعزيز ملكة البحث. كل ذلك من أجل الدفاع الجيد عن المسيحية.

المدارس في القرون الوسطى:

  1. مدارس الإخوان: ويطلق عليها أيضا بمدارس الرهبان، وارتبطت بالزهد والتقشف.
  2. مدارس الأوقاف: نشأت من خلال الهبات، وعملت على تعليم الطلبة مجانا مع الإقامة، وفيها يتعلمون تعاليم النصرانية وعلم اللاهوت والدفاع عن الدين، وفلسفة الجدل واللغة اللاتينية.
  3. مدارس النقابات: هي مدارس الطبقة الجديدة والمتكونة من التجار والصناع. فكانت علومهم مركزة على علم الملاحة والمحاسبة والعلاقات العامة والإدارة.
  4. مدارس الطلبة المتجولين: تشمل ثلة من الطلبة جمعوا بين علم الجامعات ومفاهيم الرهبان، وكانوا يعلمون الصغار القراءة والكتابة وبعض العلوم مقابل الحصول على قوتهم اليومي.

تتميز هذه المدارس بالآتي:

  • الحوار اللامحدود مع المتعلمين الصغار؛
  • المنهاج المفتوح في الزمان والمكان.

التربية الإسلامية:

  • الصفوف الدراسية وأشكالها:
  • الحلقة: يجلس المعلم على خشبة مستندين إلى جدار أو عمود، والمتعلمون يتحلقون على شكل نصف دائرة أمام المعلم. وكانت هنالك حلقات عديدة: حلقة النحو، حلقة الفقه والتصوف… إلا أنها لم تكن دائمة بل دورية تعقد مرة في الأسبوع أو الشهر.
  • المجلس: الاجتماع، إن الغرض منه يكمن في الكلمة التي تليه: مجلس التدريس أو اسم شخص معين؛ مجلس الرسول، مجلس الحديث….[48].

إلى حدود تلك اللحظة التاريخية لم يكن لمفهوم ‘المدرسة’ حضور، بل ارتبط ظهورها بسياقات عديدة وصراعات مذهبية بين السنة والشيعة (الفاطميين والبوبهيين)، وأيضا الفلسفة المعتزلية، غير أن المدرسة كانت منذ القدم على شكل مكتبات ومجالس ودور العلم، كما أسلف الذكر. وما ينبغي الانتباه إليه في هذا الباب، أن نشوء المدرسة كان تأسيسا ذاتيا، فأبو حاتم السبتي أنشأ معهدا لتعليم المتعلمين، وأيضا مدرسة نيسابور؛ نسبة للشيخ النيسابوري، مدرسة بغداد والتي تعود للإسفراييني.

  • مكونات المدرسة:

تتوفر المدرسة العربية، في بداياتها، على أماكن لإلقاء المحاضرات تسمى إيوان، إضافة إلى المكتبة والمسجد والمطبخ وقاعة الطعام، كما خصصت غرفا للمدرسين (الاستراحة) ومساكن للطلاب.

أما الجزء الإداري، فتتكون المدرسة من مدرسين والمعيدون وإمام المسجد وخازن، والمستخدمون: الواعظ والمقرئ. بمقابل ذلك، فإن هذه المدارس خصصت لأحد المذاهب السنية الأربعة، ولا يسمح بقبول غير أبناء المذهب.

تتمثل غاية التربية الإسلامية العبادة، التي تكون فيها “العقيدة الإسلامية هي الأساس حتى تربي الإنسان على الإيمان وحتى يدرك موقعه في هذا الكون وهذه الحياة. فيعلم أنه مخلوق لتأدية رسالة محددة وهي عبادة الله بمعناها الواسع وإعمار الكون وفق أوامر الله ونواهيه”[49]؛ أي أن المرجع الأساس الذي تقوم عليه التربية الإسلامية هي كتاب الله وسنة رسوله. وعليه، فإن هذا التصور  الديني فرض سياسة تعليمية إسلامية، وهي:

  • منهج التعليم الإسلامي يقوم على العقيدة الإسلامية؛
  • تكوين العقلية الإسلامية؛
  • الاعتناء بشؤون الحياة؛
  • تعليم الثقافة الإسلامية في جميع مراحل التعليم؛
  • اعتماد برنامج تعليمي موحد، وهو برنامج الدولة.

لذلك، “حتم الإسلام استعمال العقل مع الوجدان، وأوجب على المسلم استعمال عقله حيث يؤمن بالله تعالى. ونهى عن التقاليد في العقيدة ولذلك جعل العقل حكما في الإيمان بالله تعالى”[50].

والغايات نفسها كانت للتربية العربية الإسلامية في العصور الوسطى؛ حيث تم ربط السعادة بالدنيا والآخرة. علما أنه تم تصريف هذه الغاية من خلال العلوم الإسلامية، التي تنقسم العلوم، وفق ابن خلدون، إلى علوم نقلية وعقلية:

النقلية: تستند إلى الوضع الشرعي، وكلها تندرج في الشرعيات (الكتاب والسنة)؛ ولا أدل على ذلك، مما قاله ابن خلدون:” اعلم أن تعليم الولدان شعار من شعائر الدين أخد به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم وصار القرآن أصل التعليم الذي يبنى عليه ما يحصل بعده من الملكات”[51].

العقلية: تتفرع إلى: علم المنطق، العلم الطبيعي (النظر في المحسوسات)، الفلسفة (البحث فيما وراء الطبيعة)، علوم التعاليم (الصيدلة، علم الهندسة، الموسيقى، علم الهيئة).

أما بخصوص مكان ممارسة فعل التأديب والتلقين لتلك العلوم، فقد كان المسجد هو المكان الأنسب والمتاح لذلك ديدكتيكيا، فإن تصريفها يمر عبر:

أسلوب المحاضرة والتلقين في العلوم النقلية؛ ما يعني أن المعرفة في ملك المحاضر ولا يحق للمتعلم إلا الاستماع والحفظ وتمثل تلك المعارف، دون أي محاولة لممارسة فعل التفكير فيها أو في مضامينها، بدعوى أنها في تماه مع الأصل الديني. على العكس من ذلك، فالعلوم العقلية تتنوع طرق تلقينها حسب طبيعة المادة. زيادة على ذلك، فإن عدد التلاميذ غير خاضع لمعيار محدد، وإنما تتشكل المجموعات التربوية الدينية في ارتباط بشهرة المحاضر أو الملقن. هذا الأخير الذي حدد له الغزالي بعضا من واجباته:

  • الشفقة والمعاملة الطيبة المتعلم؛
  • ألا يأخذ أجرا إلا عند الضرورة؛
  • النصح الدائم دون كلل أو ملل؛
  • زجر المتعلم بأحسن الطرق؛
  • عدم مهاجمة أي معلم آخر؛
  • التعليم على قدر عقل المتعلم؛
  • تلقي الأمور الواضحة؛
  • ربط العلم بالعمل.

العصر العثماني والتربية:

كان العصر العثماني عصر انحطاط تربوي، وذلك بسبب عوامل عدة:

  • سياسية: اتخذت المدرسة مجالا للسياسة، حيث” أن أهل الدولة العثمانية كانوا لا يولون المدارس في الشام أحدا من أبناء العرب زاعمين أن العلماء كثيرون وأنهم إن ولوا عربيا من غير طريقهم كثر الطالبون من أبناء العرب وعجزوا عن إرضائهم”[52].
  • اقتصادية: أسهمت الأزمة السياسية والاقتصادية العثمانية المتجلية في فرض الضرائب المرتفعة وسياسة اقتطاع الأراضي… في تدني مستوى مردودية المدرسة، إذ لم تعد الدولة قادرة على توفير مستلزمات المدرسة.

التربية في العصور الحديثة:

  • عصر النهضة:

شملت النهضة جميع مناحي الحياة في القرن 15 و16، بعملها على وضع حد لزمرة من الممارسات التي كانت تقوض الحرية الفردية. نهضة اعتمدت على مبدأ التدرج الانتقالي من القديم نحو التجديد؛ إذ تم إحياء، في عصرها، فكرة التربية الحرية التي وضعها أرسطو وأفلاطون وكانتيليان. تربية سعت إلى إعداد الرجل الكامل” إن العلوم التي تليق بالرجل الحر هي العلوم التي تدربه على الفضيلة والحكمة”[53]. وبالتالي، ووفق هذا التصور تكون التربية الحرة تلك التربية “التي تعمل على تنمية مواهب المرء السامية والجسمية والعقلية معا”[54].

بعدما كان الإنسان مكبلا ومقيدا بأصفاد الدين، جاءت نهضة القرنين الخامس عشرة والسادس عشرة لفك تلك القيود وجعل الفرد محورا لها.

تربويا، عملت النهضة في بروزها الأول على إحياء التربية اليونانية، الساعية تكوين الإنسان الكامل المهيأ للمشاركة في النشاط الاجتماعي. ويمكن تلخيصها في مفهوم الإنسانيات Humanitas. لكن هذه التربية الجديدة- القديمة اقتصرت على اللغات والآداب والسعي لامتلاكها وتعلمها ليضيق بذلك مفهوم التربية، ليتمحور على التمكن من الأسلوب اللاثيني شكلا ومضمونا.

لا شك أن الكم الهائل من النظريات التربوية التي عرفها عصر النهضة، كانت نظريات فكرية فقط، فهي ظلت حبيسة الأسفار، ولم تطبق، ولعل ما يبرر ذلك، كونها نسخة معدلة عن الأفكار اليونانية والرومانية[55]. وهنا وجب استحضار ملاحظة بسطية؛ إذ أن كل الاتجاهات والكتابات التي خاضت في التربية كانت دينية، والتي حاولت أن تخرج عن تلك القاعدة فشلت.

لقيت النهضة العلمية الغربية مقاومة عنيفة من لدن الدين، إلا أنه لم يستمر مدة أطول، في حين، بقيت ‘النهضة’ العربية تواجه مقاومة داخلية وخارجية. وهنا نجد أنفسنا امام مفارقة جديدة؛ وهي لماذا تقبل التكفير العلمي القائم على التقنية والإبداع الايمان بالدين، بينما، ما يزال العلم يبحث عن مبررات في مجتمع قوامه قيم الايمان الديني؟ ولنا في نماذج مصطفى محمود، الكواكبي، محمد فريد وجدي، عبد الرزاق نوفل….. خير دليل على هذا الرفض في إعمال العقل العلمي في الحقل الديني، والذي يحث في جوهره ضرورة التفكير العقلي.

ومن هذا المنطلق، فإن أولى بدايات إعمال وتفعيل العقل العربي هي التي يتم فيها وضح حد للمعركة المولدة بين الدين والعلم، سواء في جانبه(الدين) القديم أو المتجدد.

ولتوظيف ذلك لا بد من الإيمان بأن التفكير” داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها. فقد يتم التفكير في قضايا ثقافة معينة بواسطة ثقافة أخرى”[56]، تفكير يتم بالاستناد إلى منظومة مرجعية، تتكون من الموروث الثقافي، والمحيط الاجتماعي، وهاجس المستقبل، والفرد وقدراته، وتحديات العالم.

بالموازاة مع ذلك، برز مفهوم التربية الإنسانية، والتي انبثقت من التربية الحرة، لكن برؤى ضيقة؛ فهي تربية ضيقة كلامية لفظية ظاهرية”[57]، وتتجلى معالم هذا الاتجاه في الاهتمام بالأدب والأسلوب، فالمتعلم يقضي مدة سبع سنوات ولا يطلع إلا على مؤلفات المربي الأكبر لهذا الاتجاه وهو شيشرون.

تميزت هذه التربية بالبعد الشخصي، لأنها ركزت على:

  • تحفيظ المتعلم أقوال شيشرون ومؤلفاته؛
  • التمرن على الخطابة والإلقاء باعتماد اللغة اللاتينية القديمة، وهي لغة المربي الأكبر” شيشرون”؛
  • دراسة بعض الأدب اليوناني والرياضيات في أبسط مبادئها.

إن الوصول إلى هذه الغايات استدعى طرق تدريس قاسية وصعبة على المتعلم، فالمربي يعامل المتعلم معاملة الرجال، فلا تدرج ولا مراعاة للقدرات، زد على ذلك، الاستخدام الكامل للعقوبات الجسدية؛ إذ صدر من المتعلم أي تصرف يخالف الأخلاق العامة أو لم يحفظ دروسه.

  • مارتن لوثر والإصلاح التربوي:

يقول مارتن لوثر: “لا غنى لنا عن المدارس سواء أكان هناك جنة أو جحيم فالعالم بحاجة ماسة إلى رجال مثقفين ونساء مهذبات فالرجل المثقف يعمل على تحسين الحكومة والمرأة المهذبة تحسن إدارة بيتها وتقوم بواجبها التهذيبي تجاه أطفالها”[58]. إن العائلة، في نظر لوثر، معهد تربوي لا يقل أهمية في فعل التربية عن المدارس. وبهذا يكون لوثر ضد المدرسة التي تبقي الطفل مدة طويلة، ولم تسلم المادة التعليمية من النقد أيضا؛ فما نفع تدريس الآداب القديمة ونحن على أبواب عصر جديد له خصوصياته ووسائله الخاصة[59].

  • المدارس الحديثة:
  • التجريبيون: يعمد هذا الاتجاه إلى جعل الحواس منفذا من منافذ المعرفة “وإذا كانت أدوات العلم التجريبي هي الحواس، فقد آمن التجريبيون الغربيون بكل ما تصل إليه حواسهم وأسقطوا من حسابهم كل ما لا تستطيع أن تصل إليه. وأغلقوا منافذ المعرفة جميعا إلا هذا المنفذ الواحد دون سواه”[60].

في مقابل ذلك برز الاتجاه النقدي، الذي جاء رد فعل على الفلسفة “التي تقول إن الاستقرار هو المثل الأعلى الذي ينبغي على التربية أن تسعى إلى تحقيقه. ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق (المحافظة على الثقافة القائمة)”[61]. إن الاتجاه النقدي، بوصفه فلسفة تربوية، يعمل على دارسة الواقع، ما يعني تغييره، ولن يتحقق هذا الهدف إلا باستحضار الشروط الثلاثة الآتية:

  • فهم تناقضات الواقع؛
  • وضع بديل ومرجعية صالحة للانتقال؛
  • توفر العنصر البشري لقيادة ملحمة التغيير.

إن النظام التربوي الناجح، كيفما كان نوعه أو موطنه وجب أن يمتلك تصورا نقديا قائما على الشروط السالف ذكرها. ويقف موقف متسائل حول اكتمال تلك الشروط وتوفرها.

التربية في القرن 17:

انتقد ديكارت دراسته في كلية La flèche، والتي استغرقت ثماني سنوات، مؤكدا أن كل ما تعلمه من معارف لم تنفعه في حياته الواقعية، لذلك اقترح زمرة من المبادئ:

  • تساوي حظوظ الناس في المعرفة والعلم؛
  • تطبيق العلوم؛
  • ضرورة البحث الحر بدل المعتقدات العمياء.

التربية في القرن 18:

إن ما يميز القرن 18 هو إبعاد رجال الدين من مناصب السلطة، وحتى التربية. ليكون بذلك قرن النزعة النقدية الإصلاحية، قوامها” تربية شعبية عامة قومية تخلق مواطنين يعملون للوطن وللحياة والحقيقة”[62]. ولعل أهم مصدر يمكن الوقوف عنده هو كتاب إميل والتربية لجون جاك روسو. يتضمن مؤلف روسو أفكارا تربوية متناثرة بين أقسامه، والتي تجعل من الطبيعة المربي الأول:

  • العقد الأول: إلى سن الثانية عشرة، التربية البدنية وتدريب الحواس؛
  • الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة: النشأة العقلية؛
  • الخامسة عشرة إلى العشرين: التربية الخلقية.

إن الحديث عن كون الطبيعة هي المربي الأول، يدفعنا للحديث عن مفهوم التمثل الفعال للأفكار باعتبارها مركز اللذة؛ ف”الأفكار المتفقة، تتحد فيما بينها لتكون عن طريق الاندماج والانصهار أفكارا أوسع وأشمل”[63]، وهنا تحصل اللذة عند المتعلم. يمكن أن نضيف تعالق الأفكار والواقع أيضا، إذ أن تمثل “الأفكار الجديدة تغدو هذه بدورها جزءا من كتلة الإدراكات السابقة، وتستخدم هذه الكتلة من جديد لتفسير تجارب أبعد”[64]. أضف إلى ذلك مسألة التلف والضياع الذي يشعر به المتعلم في التربية، فمصدره” متأت من عجزه عن الانتفاع بما يكتسبه من الخبرات خارج محيط المدرسة انتفاعا تاما وحرا يجري داخل المدرسة نفسها”[65].

نشأة علوم التربية:

إن أولى بوادر علم التربية كانت في القرن التاسع عشر، واستقرت ثوابتها في القرن العشرين بعدما” كانت تسير وفق عادات تقليدية شائعة أو وفق ما توصيه غرائز المعلمين”[66]، دون أن نغفل التربية الدينية، التي كانت- دائما- محور التربية، وهنا نستحضر موقف شلاير ماخر Schleier Mache القائم على جعل التربية الدينية خارج اختصاص المدرسة، وإنما تعود لمؤسسات كالأسرة والمسجد والكنيسة…..

من جهة أخرى، إن ما يسيطر على التربية التقليدية هو جعل الطفل راشدا من الناحية الفكرية والعقلية والجسدية والقيمية والعاطفية، ضاربة عرض الحائط السلوك الطبيعي له. بمعنى أن التربية، وفق هذا التصور، تحدد مسبقا ما ينبغي أن يكون عليه الطفل، وما يستوجب أن يكتسبه من عادات وأعراف، وما يجب أن يتعلمه من معارف ومهارات. في حين قامت التربية الوظيفية” على أساس الحاجة، الحاجة إلى المعرفة، الحاجة إلى البحث، الحاجة إلى النظر، الحاجة إلى العمل. فالحاجة، والاهتمام الصادر عن الحاجة، ذلك هو العامل الأساسي الذي يجعل من الاستجابة عملا حقيقيا”[67].

انتقل الخطاب التربوي من إشكالية المواد التدريسية إلى إشكالية الطرق والأساليب التدريسية ونفعية المواد للمتعلم والمجتمع. ولا أدل على ذلك، موقف كرشنشتاينر الذي تحدث عن مدرسة العمل، مدرسة يؤثر فيها العمل على الفكر؛ بجعله” أكبر وأقوى وأغنى، فهو الذي يحدث الأثر الفعال في تكوين روح والطبع. ولهذا كان من الضروري أن نجعل من الطفل قادرا على أن يمتلك المعلومات بنفسه وأن يحولها إلى جوهر نفسه وعواطفه وأعماله. ولا يتم ذلك إلا عن طريق العمل المنتج”[68].

الإصلاح التربوي في القرن 19

تنبه المسؤول العربي ورجالات الفكر إلى ضرورة إحداث تغيير تربوي، وجاء ذلك نتيجة الاحتكاك بالغرب:

  • ترميم الكائن من المعاهد والكتاتيب والمدارس
  • إنشاء معاهد جديدة بمواصفات عصرية تلاءم النمط الأوروبي.

وبين الأول والثاني، عمدت السياسة العربية إلى الحل الثاني، ولا ندري إذا كانت هذه الخطوة تم الإعداد لها سابقا أم كانت صدفة، لأنها ضربت وهدمت مكانة المدرسة القديمة – الدينية بالأساس؛ فكم من كتّاب”أغلق بعد إنشاء مدرسة ابتدائية إلى جانبه. وكم من طالب خرج من المدارس الدينية القديمة قاصدا المدارس الحديثة لاستكمال علومه”[69].

صفوة القول، إن العلاقات البيداغوجية، انطلاقا من هذه السيرورة، كانت عبارة عن روابط تؤسس لها الدولة أو المجتمع، وفق تخطيط مسبق. روابط غير متكافئة جعلت من النشء ذاتا غير فاعلة، يتحكم فيها مجموعة المربين، بالإضافة إلى حضور البعد الديني والسياسي في عملية التكوين.

إن الوصول إلى هذه الحالة لم يأت عبثا، فالإيديولوجيا كانت حاضرة في مسار الفعل التربوي التعليمي، وأيضا في العلاقة القائمة بين المربي والمتعلم؛ فقد عملت على تضييق تلك العلاقات، ما يعني تضييق مفهوم التربية وغاياتها في الآن نفسه.

ولهذا المعطى، وجب اعتبار البعد التربوي لدى الأمم بصفة عامة والأمة العربية خصوصا، جانبا مقدسا بعيدا عن التزيين والتدخلات القسرية من أطراف معينة، قد تحول مساره الحقيقي إلى متاهات جذرية تدخله في دائرة المجال الميت، دون أية قيمة تذكر.

نموذج: القرويين والأزهر:

صنف جامع القرويين من اعتد المعالم الدينية والفكرية في تاريخ المغرب والعالم الإسلامي على حد سواء، فوجود أو استمرار المد الإسلامي في هذه البلاد يعود فيه الفضل إلى تلك المعلمة. أضف إلى ذلك مواكبتها لسلالات الحكم التي تعاقبت على المغرب من لدن الأدارسة وصولا إلى العلويين.

وقد تنوعت الأشكال التعليمية من مجالس علمية إلى مناقشات ومناظرات، غير أن دورها ومضمونها العلمي يتغير من إمارة إلى أخرى، أي أنها تتحول حسب توجه الإمارة القائمة؛ فمثلا ” انتصب عدد من العلماء في القرويين من أمثال السلالجي (564هـ)، وابن الاشبيلي (567هـ) لنشر العقيدة الأشعرية والرد على المرابطين”[70]. زيادة على ذلك، ” لم تستطع كتب المذاهب الأخرى أن تجد لها مكانا في حلقات القرويين، بالرغم من عناية بعض العلماء بالمذهب الشافعي، كالشيخ ابن حيدة (365 هـ) وابن الرمامة (567هـ). لم تستطع ذلك إلا عندما أخذ الموحدون بزمام الأمر، فعندئد غيروا من المنهاج المرابطي الذي كان في نظرهم إجهازا على الفكر والاجتهاد”[71]

انتقلت ثقافة الكراسي العلمية إلى القيروان من بغداد، كانت تبدأ إثر صلاة الصبح، إذ تنشأ حلقات يكون فيها القارئ قرب المحراب،” وهنالك يقرأ من الكتب فصولا لإسماع الناس، وقد كان يجتمع إليه سائر من كان يقصد القرويين في ذلك الوقت”[72]. هنا، كان لزاما أن نشير إلى دور الخزانة العلمية التي كانت محط استقطاب كبير.

يحظى العالم والفقيه بمكانة متميزة في القرويين، فله ما يميزه عن العامة، زيه الأبيض، إذ لا يمكن أن يظهر أمام المستعمين إلا وهو ببرنسه الأبيض، بالإضافة إلى الحايك والطيب (العود).

وفي هذا الصدد، قد يطرح سؤال حول من له الحق في الاستفادة من علوم القرويين، وخبرات علمائها. إن القرويين وضعت مواصفات للطالب المستقبلي، ومنها:

  • أن يكون على معرفة ودراية ببعض الفنون الأولية، التي أخذها وتعلمها في الكتاتيب والمسيد، حيث يعمل على استظهار القرآن والتفوق في تجويده}
  • أن يكون ملما بمبادئ الدين وقواعد اللغة العربية.

يشتغل النظام التعليمي بالقرويين من حيث الطرائق والوسائل البيداغوجية بالطريقة المشرقية نفسها بشكل عام؛ فمن حيث الوضعية  تتميز أولا، بـ”الجلوس أمام الشيخ حلقة حلقة،…. نجباء الطلبة يحتلون الحلقة الأولى، ويليهم من يأتي بعدهم، ثم من يليهم”[73]، أما في وسط الحلقة يكون هنالك القارئ أو السارد[74]، والذي له دور مهم في الحلقة، بالنسبة للحلقة أو للشيخ على حد سواء؛ فهو يعمل على قراءة الآية المراد شرحها وتفسيرها، ويتبع عناصر الدرس، وتذكير الشيخ.

أما إداريا، فقاضي الجماعة النائب عن أمير المؤمنين هو من يتولى رئاسة الجامع، سواء من الناحية الدينية أو المالية أو التعليمية، بالإضافة إلى أنه هو الساهر على تعيين العلماء وتوزيع الأوقاف حسب المؤهلات. كل هذه المسؤوليات فرضت عليه أن يتوفر على مقر سكن قريب من الجامع، بغية البقاء على اتصال بأموره وأشغاله، هذا المقر سمي بدار العميد.

تتنوع الكراسي العلمية: من حيث الموقع؛ وسط الجامعة أو في فروعها.  أما من حيث الموضوع: كراسي الوعظ والإرشاد، والكراسي العلمية الخاصة بالطلاب (الإعداد لمناصب الدولة). ومن حيث التوقيت: كراسي بعد الظهر والعصر، كراسي بين العشاءين..

بهذا التقسيم كان الطلاب لا يعرفون الراحة كل اليوم، بسبب تنقلهم بين المجالس. غير أن ما يميز هذه المجالس هو موضعها الذي يبين المستوى التعليمي المستهدف بالعين المجردة فقط:

  1. الكراسي الجنوبية: تختص بالدراسات العليا؛
  2. كراسي الجدار الشرقي والشمالي: الدروس الثانوية؛
  3. الكراسي الغربية: الدروس الأولية.

لقد كانت “المجالس العلمية تعني وجود كرسي يصعد عليه الأستاذ ليتمكن من تبليغ رسالته، وخاصة منها المجالس التي يناهز عدد الحضور فيها المائتين والثلاث مئة من الطلبة”[75]. أمر ثان، وله أهمية كبرى، هو أن لكل كرسي علمي اسما خاصا به. أسماء قد تشمل اسم الموقع، أو المادة التعليمية، أو صاحبه.

  • النموذج الثاني:

يشكل الأزهر مؤسسة علمية وثقافية ودينية، جامعة متميزة وجامع مقدس. إنها مسيرة تأثير مستمرة طوال عصور التاريخ، ما جعله يكون” حارس التراث العربي، ومجدد الثقافة الإسلامية، والمشعل الذي يضيء ولايخبو، والملاذ الذي ينير لهم الطريق، ويبصرهم سواء السبيل”[76] .

لم تشهد الممارسات البيداغوجيات داخل الأزهر تغييرا جذريا، بل ظلت طريقة الشيوخ في التدريس كما هي ولا سيما في العلوم التقليدية، حيث يعمل على   شرح نصوص الكتاب والتعليق عليها وفك رموزها. من جهة أخرى، فالطالب الأزهري كان مستقبله محددا في ممارسة بعض المهام: الوعظ والإرشاد، والوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية، والإفتاء، والتدريس في المعاهد الدينية والمدارس وكليات الأزهر. لكن القانون رقم 103 الصادر سنة 1961م.

إذن، قام التعليم والتعلم في الأزهر على الاختيار الحر؛ فالطالب هو الذي يختار المادة التي يريد تعلمها ومعلمه أيضا. كما كان الأستاذ حرا في المضمون التعليمي، والكتب التي وجب على الطلاب قرأتها، وعرضها على طلابه نصا نصا، بغرض حفظها وعرضها على الأستاذ ليمتحنه مشافهة، ثم ليجيزه بعد ذلك، فإذا أحسن الطالب عمله، مبينا حسن الاستيعاب والنبوغ، وهي شروط تسمح له بأن يكون مدرسا في إحدى المدارس أو مسجدا.

خاتمة

بإجمال، إن ما يمكن استخلاصه من هذه الكرونولوجية التاريخية لفعل التربية، نستخلص التالي:

  • المتعلم كان يعامل على أنه وعاء لا خصوصية له؛
  • المدرس: لم يرتبط فعل التربية والتعليم بشخص واحد، وإنما ارتبط بكل شخص يكبر الطفل سنا؛
  • الغاية من التربية: غير قارة، بل تتغير بتغير العلاقات الاجتماعية والمحيط.

إن العلاقات التربوية، وفق هذه السيرورة، تتميز بكونها أحادية التفاعل، وهو تفاعل سلبي؛ حيث ‘المتعلم’ يكتفي بالامتثال لما يمرر له من أفكار ومعتقدات ومهارات حياتية دون نقد أو مساءلة أو إبداء رأي. غير أن التعامل يظهر بشكل جلي بين المتعلم والمحيط، لإن كل المهارات التي تقدم للفرد- المتعلم إنما هي مرتبطة أشد الارتباط بواقعه.

وبه، فالعلاقة التربوية انتقلت من شكلها اللاتفاعلي: المدرس- المتعلم إلى التفاعلي بين المتعلم والمحيط. أما في زمن التعلم عن بعد؛ فقد تغيرت مجموعة من التدابير التربوية والتعليمية- التعلمية في ظل الجائحة التي عرفها العالم؛ حيث انتقلت كل العمليات التعليمية لتصبح افتراضية. ومن أبسط نماذج ذلك، العلاقة التي تربط المتعلم بالمدرس، إذ شكلت التكنولوجيا فاصلا جديدا في العملية التعليمية التعلمية.

توصيات:

إن تحقيق المصالحة التربوية عموما، وبين الذوات الفاعلة خلال العملية التعليمية التعلمية تفرض:

  • إعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية، عبر وضع سياسة تعليمية رائدة ومتجددة؛
  • هدم الشرخ الاجتماعي القائم بين المدرس وفئات المجتمع؛
  • تحسين العلاقة بين الإدارة التربوية والمدرس باعتبارها الأنموذج؛
  • اعتبار المتعلم ذات عاقلة ومفكرة مستقلة، وجب احترامها؛
  • الإيمان بالروح النقدية داخل الفضاء المدرسي والفصل الدراسي؛
  • الانتقال من التنظير إلى التطبيق، وهو الأمر الذي سيتيح إمكانات التفاعل بين المدرس والمتعلم؛
  • خلق بدائل للكتاب المدرسي؛ لكونه يحد من التفاعل المباشر؛
  • الإيمان بأن العلاقة التربوية- البيداغوجية الناجحة هي التي تنطلق من واقع المتعلم وتستحضر ذات المدرس في ذات الآن.

المراجع:

  1. أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، 1996، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمد عجاج الخطيب، ط 3، المجلد الأول، مؤسسة الرسالة- بيروت.
  2. أحمد أوزي، 2016، المعجم الموسوعي الجديد لعلوم التربية، منشورات مجلة علوم التربية، العدد 42، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء.
  3. أحمد فؤاد الأهواني، التربية في الإسلام، دار المعارف، مصر، بدون تاريخ.
  4. بيير بورديو، 2007، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بعبد العالي، ط3، دار توبقال للنشر- الدار البيضاء.
  5. جون ديوي، 1978، المدرسة والمجتمع، ترجمة أحمد حسن الرحيم، ط2، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت.
  6. حسن شحاته وزينب النجار، 2003، معجم المصطلحات التربوية والنفسية، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.
  7. رسمي على عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، دار المعتز للنشر والتوزيع-عمان.
  8. رشيدة برادة، 2013، التعليم في ضوء التدخلات الأجنبية وردود الفعل المغربية (1860-1957)، ط1، منشورات المعهد الجامعي للبحث الجامعي، الرباط.
  9. سعيد إسماعيل على، 1999، التربية في حضارات الشرق القديم، بدون ط، عالم الكتب، القاهرة.
  10. سعيد إسماعيل علي، 1999، مقدمة في التأريخ للتربية، ط2، عالم الكتب، القاهرة.
  11. عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، دار العلم للملايين- بيروت.
  12. عبد الهادي التازي، 2000، جامع القرويين، ج1، ط2، دار نشر المعرفة- الرباط.
  13. عبد الهادي التازي، 2000، جامع القرويين، ج2، ط2، دار نشر المعرفة- الرباط.
  14. عبد الهادي التازي، 2000، جامع القرويين، ج3، ط2، دار نشر المعرفة- الرباط.
  15. محمد جواد رضا، 1993، العرب والتربية والحضارة، ط3، مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت.
  16. محمد رشيد رضا، 1931، تاريخ الأستاذ الإمام، ج1، مطبعة المنار- القاهرة.
  17. محمد عابد الجابري، 1984، تكوين العقل العربي، ط1، دار الطليعة- بيروت.
  18. محمد عبد المنعم خفاجي، علي علي صبح، 2011، الأزهر في ألف عام، ط 3، ج 1، المكتبة الأزهرية للتراث- دار الكتب المصرية.
  19. ملكة أبيض، 2012، التربية في الوطن العربي منظور قومي تاريخي، منشورات الهية العامة السورية للكتاب-دمشق.

الأجنبية:

  1. Marcel Postic, 2001, la relation éducative, éducation et formation, PUF, Paris.
  2. Yves Chevallard et Marie-Alberte Joshua, 1982, Recherches en didactique des mathématiques : Un exemple d’analyse de la transposition didactique : la notion de distance, revue Langue, Vol. 3. N° 2. p. 159-239.

[1]. أحمد أوزي، 2016، المعجم الموسوعي، ص 13.

[2]. Yves Chevallard et Marie-Alberte Joshua, 1982, Recherches en didactique des mathématiques : Un exemple d’analyse de la transposition didactique : la notion de distance, revue Langue, Vol. 3. N° 2. p. 159-239.

[3] Marcel Postic, 2001, la relation éducative, éducation et formation, PUF, Paris.

[4] أحمد أوزي، 2016، المعجم الموسوعي، ص 314.

[5]  معجم المصطلحات التربوية والنفسية، ص 220.

[6]  المرجع السابق، ص 208.

[7] . عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 34.

[8].  لا يكمن لهذا التصور أن يتحقق إلا إذا توافر معلم تتجلى فيه الشروط الكونفوشيوسية: الامتناع عن العادات السيئة/ تقديم معلومات وفق سن المتعلم، ومع اعتماد التدرج تفاديا للتشويش/ تقديم المعلومات بشكل جماعي لإثارة الحماس والتنافس وتوسيع أفق التكفير لدى المتعلم.

[9] . الكوكيو: الواجبات نحو الآباء.

[10].  الونغو: فلسفة كونفوشيوس.

[11] . عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 42، بتصرف.

[12].  محمد جواد رضا، 1993، العرب والتربية والحضارة، ط 2، ص 39-40.

[13].  رسمي على عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، ص46.

[14]. المرجع نفسه، ص 54.

[15]. المرجع نفسه، ص 63.

[16]. محمد جواد رضا، العرب والتربية والحضارة، ط 2، 1993، ص 50، بتصرف.

[17]. رسمي على عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، ص 52.

[18]. عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 56.

[19]. عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 104.

[20]. المرجع نفسه، ص 110.

[21] . المرجع نفسه، ص 47.

[22] . المرجع نفسه، ص 49.

[23].  تعني الأستاذ أو الخبير أو أبو المدرسة، والمتعلم هو ابن المدرسة.

[24].  عندما يصل المتعلم إلى المدرسة صباحا، يبدأ بدراسة اللوح المعد سابقا، وفي نفس الوقت يعد له الاخ الاكبر لوحا جديدا وعلى الطالب استنساخه ودرسه. لكن بعد ذلك، يعرض على أنظار أب المدرسة والاخ الاكبر للتأكد من صحة النسخ.

[25].  شكلت الاسرة في التربية السومرية حجر الزاوية وعاملا لا يمكن الاستغناء عنه؛ فالمعارف” يرثها الابن عن أبيه كوظيفة عامة. وبما أن مدربيهم هم أهاليهم فهم ينعمون سواء بتعلم المعارف كلها دون تحفظ أو قيد، كما بزيادة الكثير على قول معلمهم، وأنهم بتعودهم على الدرس منذ الصغر، تلقاهم يتقدموا بوضوح في التنجيم، سواء بسبب سهولة تعلم ذلك في الصغر، وسواء لأن مرحلة التعليم لديهم أطول” (سعيد إسماعيل على، التربية في حضارات الشرق القديم، ص 139)

[26].  عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 28.

[27].  كتاب ديني هندي قديم، مقسم إلى الفيدا النارية Regveda، والفيدا الهوائية Yajurveda، والفيدا الشمسة Samaveda، واثارا فيدا Atharaveda.

[28]. ومن نماذجها: “سيدي، ما غناء إشباع الرغبات في هذا الجسد النتن المتحلل، الذي يتألف من عظم وجلد وعضل ونخاع ولحم ومني ودم ومخاط ودموع ورشح أنفي وبراز وبول وفساء وصفراء وبلغم؟ ما غناء إشباع الرغبات في هذا الجسد الذي تملؤه الشهوة والغضب والجشع والوهم والخوف واليأس والحسد والنفور مما ينبغي الرغبة فيه والإقبال على ما يجب النفور منه، والجوع والظمأ والعقم والموت والمرض والحزن وما إليها؟ وكذلك نرى هذا العالم كله بتحلل بالفساد كما تتحلل هذه الحشرات الضئيلة وهذا البعوض وهذه الحشائش وهذه الأشجار التي تنمو ثم تذوى….. ” سعيد إسماعيل على، التربية في حضارات الشرق القديم، ص 179.

[29].  سعيد إسماعيل على، 1999، التربية في حضارات الشرق القديم، بدون ط، ص 180.

[30].  ياما (موت الشهوة، منع الفرد عن إرضاء رغباته الدنيوية) / يناما (الالتزام بأولى قواعد الزهد والتقشف) / أسانا (وشع الجسد في وضعية إيقاف الأحاسيس) / براناياما (التنفس، باعتباره عملية تشغل الذهن، كلي لا يفكر فيما دون سواه) / براتياكارا (سيطرة الحواس على العقل، لتبعد الذات عن الشهوات) / ذرانا (التركيز على موضوع واحد) / ذيانا (التأمل)/ ساماذي (الوصول إلى مرتبة الفناء).

[31] . سعيد إسماعيل على، 1999، التربية في حضارات الشرق القديم، بدون طبعة، ص 185.

[32] . هذه النصائح يمكن إسقاطها على المعلم أو أفراد الأسرة، أي من يمارس فعل التربية. ومن نماذجها: إن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديد والانحطاط منها هين كالحجر الثقيل رفعه من الأرض إلى العاتق عسر، ووضعه على الأرض هين.

[33]. سعيد إسماعيل على، 1999، التربية في حضارات الشرق القديم، بدون طبعة، ص 196.

[34].  تقوم الديانة الفارسية على الإيمان بوجود روحين متخاصمين متعارضين هرمزد (روح الخير) وأهرمان (روح الشر).

[35].  سعيد إسماعيل علي، 1999، مقدمة في التأريخ للتربية، ط2، ص 265.

[36]. المرجع نفسه، ص 28.

[37] . عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 136.

[38].  أحمد فؤاد الأهواني، التربية في الإسلام، دار المعارف، مصر، بدون تاريخ، ص 11.

[39].  الخانقاه: كلمة فارسية تعني البيت، تبنى على شكل مسج للصلاة، تتكون من غرف عدة. البيمارستان: كلمة فارسية، تعني المستشفى، بي: تعني بدون/ ومار: الحياة/ وستان: المكان، لتكون في مجملها معنى مكان المرضى.

[40].  عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 155.

[41] . المرجع نفسه، ص 184.

[42].  المرجع نفسه، ص 185.

[43].  المرجع نفسه، ص 190 بتصرف.

[44].  المرجع نفسه، ص 211.

[45].  بيير بورديو، 2007، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط3، ص 50.

[46].  عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 31.

[47].  المرجع السابق، ص 31.

[48] . للمزيد من التفصيل: مجالس الحديث: يقسم هذا المجلس إلى الصفوف العرضية والدائمة، الاولى فيعقدها المعلم الحافظ للعدد من الأحاديث، وتنجز بناء على طلب الحاكم أو الخليفة. وكان الهدف منها توجيهيا بالأساس ضد كل ما يعادي الدولة. أما المجلس الدائم، فكان من أهل الاختصاص (العلماء) في الحديث ويعقد مرة في الاسبوع. 2 مجلس المناظرة: لم يكن هدف منه تعليميا، بل ساحة للمبارزة العلمية، تشجيعا على التعليم وتنمية الوعي لدى الحاضرين. 3 مجلس المذاكرة: مجلس تلاميذي، يكون بين المتعلمين أنفسهم في انتظار المعلم. يعملون من خلاله على مراجعة ما قدم لهم. وهنالك أيضا، مجلس الشعر، مجلس الادب، مجلس الفتوى والنظر، مجلس الفقه والنحو والكلام.

[49] . رسمي علي عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، ص228.

[50] . المرجع السابق، ص 223.

[51]. المرجع السابق، ص249.

[52] ملكة أبيض، 2012، التربية في الوطن العربي منظور قومي تاريخي، ص 84.

[53]  رسمي على عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، ص 264

[54] المرجع نفسه، والمعطيات نفسها.

[55]  يمكن العودة إلى رابليه Rabelais (1483-1553)، ومونتيي Montagne (1533-1592)، دون أن ننسى جماعة اليسوعيين.

[56]  محمد عابد الجابري، 1984، تكوين العقل العربي، ط1، دار الطليعة- بيروت، ص13.

[57]  رسمي على عابد، فتحي ذياب بيستان، 2010، أصول التربية الحديثة ومدارسها، ط1، ص 265.

[58]  المرجع نفسه، ص 274.

[59] نفسه، نفس المعطيات.

[60]  المرجع السابق، ص 281.

[61]  المرجع السابق، ص 300.

[62]  عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 372.

 [63] المرجع السابق، ص 457، بتصرف.

[64]  المرجع السابق، ص 459.

[65]  جون ديوي، 1978، المدرسة والمجتمع، ترجمة أحمد حسن الرحيم، ط2، ص 83.

[66]  عبد الله عبد الدائم، 1984، التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، ط5، ص 477.

[67]  المرجع السابق، ص 518.

[68]  المرجع السابق، ص 617.

[69]  ملكة أبيض، 2012، التربية في الوطن العربي منظور قومي تاريخي، ص 88، بتصرف.

[70]  عبد الهادي التازي، 2000، جامع القرويين، ج1، ط2، ص 120.

[71]  المرجع السابق، ص 127.

[72] المرجع السابق، ص 125.

[73]  المرجع السابق، ص 127، بتصرف.

[74]  انظر: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، 1996، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمد عجاج الخطيب، ط 3، المجلد الأول، مؤسسة الرسالة- بيروت.

[75]  عبد الهادي التازي، 2000، جامع القرويين، ج2، ط2، دار نشر المعرفة، الرباط، ص 370.

[76]  محمد عبد المنعم خفاجي، علي علي صبح، 2011، الأزهر في ألف عام، ط 3، ج 1، المكتبة الأزهرية للتراث- دار الكتب المصرية، ص 13.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.