منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقرير حول مناقشة أطروحة جامعية في موضوع:”جهود المغاربة في خدمة المصحف الشريف”

تقرير حول مناقشة أطروحة جامعية في موضوع:"جهود المغاربة في خدمة المصحف الشريف"/ د. عبد السلام الطريباق اليدري

0

تقرير حول مناقشة أطروحة جامعية في موضوع:

“جهود المغاربة في خدمة المصحف الشريف”

د. عبد السلام الطريباق اليدري

المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

المزيد من المشاركات
1 من 30

شهدت رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس التابعة لجـامعـة سيـدي محـمد بـن عبـد اللـه، بقاعة المحاضرات يوم 17 شتنبر 2020م مناقشة أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وحدة «اللغات والتراث»، أعدها الطالب الباحث: عبدالسلام الطريباق اليدري في موضوع: « جهود المغاربة في خدمة المصحف الشريف «، وتشكلت لجنة المناقشة من الأساتذة الدكاترة الآتية أسماؤهم:

– الدكتور محمد العمراني (كلية الآداب سايس- فاس) رئيسا.
– الدكتور عبدالعلي المسئول (كلية الآداب سايس- فاس) مشرفا.
– الدكتور أحمد بوعود (كلية الآداب والعلوم الإنسانية – تطوان) عضوا.
– الدكتور علي البودخاني (كلية الشريعة – فاس) عضوا.
– الدكتور محمد صبري (أستاذ بفاس) خبيرا.

وبعد الدفاع عن الأطروحة التي جاءت في خمسمائة وسبعة عشر صفحة ومناقشة اللجنة، نال الباحث درجة الدكتوراه بميزة: مشرف جدا.

وفيما يلي تقرير حول تلك الأطروحة:

مقدمة:

القرآن كلام الله وكتابه الذي اجتمع حوله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، أنزله الله على رسوله الكريم محمد ﷺ في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وحيا منجما في ثلاثة وعشرين سنة.

وكان عليه الصلاة والسلام شديد الاهتمام بالوحي وتثبيت النص القرآني محفوظا ومسجلا: فعمد بنفسه إلى تلقينه للحفاظ وإملائه على كتبة الوحي، حيث كتبوا آياته مفرقة على الرِّقَاعِ والعِظام وَعُسُبِ النَّخل وَاللِّخَافِ والرَّق.

ولما توفي عليه الصلاة والسلام وتولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة، وقتل كثير من القراء في حروب الرِّدَّة أشار عمر رضي الله عنه على أبي بكر بجمع القرآن مخافة عليه من الضياع، فتم جمعه في صحف مجموعة بقيت عند أبي بكر مدة خلافته، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم انتهت إلى حفصة رضي الله عنها، وهذه الصحف وغيرها هي التي نسخت منها في عهد عثمان رضي الله عنه المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار؛ لما ظهرت بوادر الاختلاف في القراءة؛ حماية للنص القرآني الكريم من أي تحريف. وقد عرف هذا الجمع بالجمع العثماني ولقب عثمان بعد قيامه بهذا العمل الجليل بجامع القرآن.

وقد ارتبط تاريخ المصحف الشريف بالمغرب منذ القرون الأولى للإسلام بِمَقْدَم المصحف «الإمام» ثم المصاحف المشرقية التي أخذ عنها المغاربة القراءة برواية حمزة قبل انتقالهم إلى كتابة المصحف الشريف ونسخه على قراءة نافع بن أبي نعيم المدني برواية ورش من طريق الأزرق.

اعتنى أهل المغرب عناية بالغة بالمصحف الشريف – وما تزال- رعاية منهم لأصوله الأولى، وتفننا في اتخاذ النسخ الخطية المتفرعة منها، وتألقا في جماليته كتابة ورسما، وزخرفة وتذهيبا وتلوينا، واختيار أجمل اللوحات الفنية في تأطير صفحاته وفواتح سوره وعلامات الآي والأحزاب ومواضع السجدات، وتحبيس الأوقاف على القراءة فيها في المؤسسات والمساجد الجامعة، وقضاء الأوقات الثمينة لانتساخ النسخ منها، واختيار المواد المستعملة في الكتابة والزخرفة والتجليد، وإرسالها هدايا إلى الجهات وإلى الديار المقدسة أو ادخارها في خزائن المكتبات الوقفية؛ كخزانة القرويين بفاس، وخزانة ابن يوسف بمراكش، وخزائن كثيرة أخرى منتشرة هنا وهناك في الحواضر والبوادي، مما جعل المغرب يراكم ذخيرة نفيسة من المصاحف كتبت في معظمها بالخط المغربي المبسوط، ورصيدا فنيا غنيا بالدلالات الثقافية والإبداعية على مستوى الخطوط والزخارف.

ولا يعتبر دخول المصحف الشريف عصر الطباعة، وكثرة دور النشر له في المشرق والمغرب، وصدور ملايين النسخ المطبوعة طباعة أنيقة على الورق أو على الوسائل الإلكترونية نهاية تلك المصاحف وفقدا لأهميتها التاريخية ومكانتها العلمية رغم أنه لم يعد أحد يقرأ فيها أو يأبه بوجودها، بل إن الأمر خلاف ذلك، فهذه المصاحف هي بذاتها تحكي لنا قصة الحفظ الموعود للمصحف منذ نزوله على نبينا محمد ﷺ مرورا بجيل التلقي للتنفيذ إلى زماننا هذا، ثم هي تبرز لنا في الوقت نفسه عن عناية المغاربة عبر الأزمان بالمصحف الشريف على جميع المستويات الرسمية والشعبية. ومن الناحية العلمية فهي تكشف لنا جوانب مهمة من علوم القرآن التي خدمت المصحف ويسرت القراءة فيه، كعلم النقط والشكل وعلم عدد الآي والأجزاء والأحزاب وعلم الوقف والابتداء، والالتزام بخط المصحف العثماني والرسم الذي كتب به السلف الصالح.

كما تعطينا أيضا صورة في غاية الأهمية عما بذله السلف الصالح في تجويد خط المصحف وتطويره وتحسينه، وتعرفنا بأمهر الخطاطين وأشهرهم، وبما بذله الوراقون والخطاطون في صناعة المصحف وتزيينه وزخرفته واختيار أجمل اللوحات الفنية في تأطير صفحاته وفواتح سوره وعلامات الآي والأحزاب ومواضع السجدات والمواد التي يستعملونها في الكتابة والزخرفة والتجليد.
سيشتمل الحديث في هذه المقدمة على دواعي البحث وإشكالاته الأساسية، مع الإشارة إلى الدراسات السابقة في الموضوع، ووجه الجدة فيه، مع تبيان الصعوبات التي واجهتها في عملي.

دواعي اختيار موضوع البحث:

يرجع أسباب اختياري لهذا الموضوع لعدة أُمور، من أهمها:

ارتباط الموضوع بكتاب الله والتعلق به تعلقا مباشرا، والشيء يشرف بشرف ما يتعلق به، ولا أشرف من البحث في موضوع علوم المصحف.

تسليط الضوء على حدث تاريخي من تاريخ الأمة متعلق بتاریخ المصحف الشريف، وإبراز جهود المغاربة في خدمتهم لكتاب الله تعالى، من خلال اهتمامهم بالمصحف الإمام أولا ثم المصاحف المتتالية بعده.ولا أقصد بالمغاربة الغرب الإسلامي ضمن إطاره التاريخي الذي يضم (المغرب والجزائر وتونس وليبيا والأندلس) وإنما أقصد المغرب الأقصى بعد اتصاله بالأندلس، والذي تعاقب على حكمه الأدارسة، والمرابطون، والموحدون، والمرينيون، والسعديون، ثم العلويون.

معرفة الأدوات التي تستخدم في كتابة المصاحف كالرق والمداد والأقلام، وما يقع فيه من تزيين وزخرفة وتجليد، وغير ذلك من الأمور الفنية المتعلقة بكتابة المصاحف.

بيان المراحل التي مر بها خط المصحف والتطور الذي حصل له، والتعرف على أمهر الخطاطين وأشهرهم، والكشف عن جهودهم في صناعة المصحف.

معرفة ما حصل في علم الضبط من تطور واختلاف تنوع بين المصاحف حتى استقر العمل على ما نراه اليوم في مصاحفنا.
التعرف على كمية المصاحف المخطوطة في المغرب منذ دخول الإسلام إلى زماننا هذا.

إعطاء هذا الموضوع الحظ الوافر من الدراسة والاستقصاء والتتبع لجهود المغاربة في هذا البلد الغني بالمخطوطات المصحفية، حيث نجد ندرة في الكتابات العلمية المتخصصة التي تَهتم بالجوانب المتعلقة بالمصحف الشريف منذ دخوله إلى المغرب وإلى يومنا هذا.

الدراسات السابقة:

ومن الدراسات التي اطلعت عليها اعتمدت عليها في هذه الرسالة ما يلي:

كتب وأبحاث ومقالات الفقيه والأستاذ محمد المنوني حول الخزانة المغربية، حيث أسدى خدمة كبيرة للباحثين بإرشادهم وتوجيههم دون كبير عناء إلى المخطوط المطلوب أو إلى الكناشة المفقودة وتأكيد وجودها من عدمه، وخاصة مصاحف السلاطين المغاربة التي قام بدراستها دراسة مستفيضة، عرف بها وبنوادرها، فحقق بعضها وأضاف إليها إضافات علمية مهمة، وقد كانت منهجيته في التحقيق رائدة في هذا المجال، لأنه اهتم بتأريخ المخطوط المغربي عامة، سواء من الناحية العلمية؛ وذلك بإبراز المضمون العلمي المراد تحقيقه، أم من الناحية الفنية؛ وذلك بالإشادة بالجانب الفني أو المادي الذي كان يتمتع به المخطوط المغربي خطا وزخرفة وتسفيرا. لذلك فإن فهرسته لمختلف المصاحف والمخطوطات المغربية كانت تعتمد بالأساس على رصد جميع العناصر المكونة لها؛ سواء من الناحية المادية أو التاريخية، ووصفها وصفا دقيقا، يضاف إلى ذلك اهتمامه بسير الخطاطين والوراقين وتراجمهم وبعض أعمالهم.

ومن هذه الكتب والأبحاث والمقالات نجد:

«تاريخ الوراقة المغربية: صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط الى الفترة المعاصرة، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى، 1412/1991.

مركز المصحف الشريف بالمغرب، مجلة دعوة الحق، العدد الثالث، السنة 11.

«تاريخ المصحف الشريف بالمغرب»، بحث منشور بمجلة دعوة الحق، تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، العدد الرابع، السنة 22، شعبان-رمضان، 1401.ونشرته مجلة معهد المخطوطات العربية، الصادرة في القاهرة بتوصية من جامعة الدول العربية، المجلد الخامس عشر، الجزء الأول، ماي 1969.

«تقنيات اعداد المخطوط المغربي»، نشر في كتاب: «المخطوط العربي، وعلم المخطوطات»، تنسيق أحمد شوقي بنبين، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الأولى. 1994م.

كتاب «المصحف المغربي الشريف تاريخ وتطور»، للعلامة عبد الهادي حميتو. ما زال مرقونا. تناول فيه مؤلفه المواضيع التالية:

مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف من الحلم إلى الإنجاز.

الكلام عن المصاحف الأمهات كالمصحف العقباني والمصحف العثماني وكيفية وصوله إلى المغرب.

مميزات المصحف المغربي عن المصحف المشرقي فيما يخص التجزئة والوعد الآي وعلامات الوقف.

مواد كتابة المصحف وتحليتها وتسفيرها وعلم الخط وأنواعه ومشاهير الخطاطين من نساخ المصاحف الأندلسية والمغربية.

المصاحف المغربية في عصر الطباعة، والعناية بالرسم عند المغاربة وموقع الرسم المصحفي في العملية التعليمية.
«المصاحف والكتب المخطوطة في المغرب خلال العصرين المريني والسعدي: مساهمة في دراسة أصناف الخط المغربي وأقلامه» للدكتور والخطاط محمد عبد الحفيظ خبطة، بحث الدكتوراه تحت إشراف الدكتورة ماجدة كريمي والدكتور الحاج موسى عوني برسم السنة الجامعية 2010-2011 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس. قسم الباحث بحثه إلى فصل تمهيدي خصصه «للدراسة التاريخية الكرونولوجية»، والتي تتعلق «بالتأصيل التاريخي» لظهور صناعة الخط والمخطوط المغربيين، وظروف نشأتهما ثم تطورهما.

ثم الباب الأول: اختار فيه دراسة بعض النماذج المصحفية الرسمية التي نسخت برسم خزائن السلاطين المرينيين والسعديين دراسة تشريحية والتعليق عليها فنيا وتقنيا، أما الباب الثاني فقد اختار الحديث فيه عن المخطوطات الأنموذجية في العصرين المريني والسعدي وبيان من خلالهما سمة كل من العصرين. ثم الباب الثالث الذي قسمه إلى فصلين: الأول منه اهتم بالدراسة «الكوديكولوجية» وتتعلق ب»علم الكتب المخطوطة» وما يتعلق بها أما الثاني فهو يتعلق ب»الدراسة الباليوغرافية «، وتتعلق: «بعلم الخط وصناعته»، ويجملها في أدوات الخط وعلم الخطوط وتولد أنواعها وأصنافها وكذا علم الحروف وتولد صورها.

كتاب: «المصاحف السلطانية في المغرب وعلاقتها بتطور الخط المغربي وأصنافه». دراسة تاريخية – فنية، للدكتور والخطاط محمد عبدالحفيظ خبطة، منشورات المركز المغربي للدراسات التاريخية، فـــاس – الطبعـة الأولــى: 2014م.

«كتابة المصاحف في الأندلس»، بحث للدكتورة سهي بعيون، نشر في مجلة البحوث والدراسات القرآنية في عدده السابع. تناولت في هذه الدراسة رحلة الخط العربي إلى الأندلس، دخـول الخـط العـربي إلى المغرب العربي، فكانت القيروان محطته الأولى، ومدى التطور الـذي حـدث لـه في تلـك الربـوع، ثـم اسـتكمال رحلـة الخـط العـربي إلى الأنـدلس، وتطـوره في تلـك الـبلاد، وخصائص الخط الأندلسي وأنواعه، ثم انتقال الخط الأندلسي إلى شمال إفريقيا. كما تناولت اهتمام الأندلسيين بتجليد المصاحف وزخرفتها، إذ ارتقـى الأندلـسيون درجة رفيعة في هذا الفن. وألقت الـضوء عـلى أشـهر الخطـاطين والخطاطات الأندلـسيين الـذين عكفوا على نسخ القرآن الكريم وتفوقهن في هذا الميدان.

بحث لمحمد إدريس عبدو تحت موضوع «عناية المغاربة بطباعة القرآن الكريم ونشره»، مقدم لندوة (طباعة القرآن الكريم ونشره بين الواقع والمأمول) التي نظّمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة أعمالها 4 صفر 1436هـ.. أكد فيه أن المغاربة اعتنوا بكتابة المصحف منذ دخول الإسلام المغرب حتى عصر الطباعة، مع إبراز عناية ملوك المغرب بكتابة المصحف ونشره، كما ألقى أضواء كاشفة على أهم الطبعات التي اعتنى بها المغاربة، بخاصة مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف المسمى بالمصحف المحمدي، مع الاعتناء بالجوانب الفنية والعلمية لهذه الطبعة من القرآن الكريم.

بحث لحسن إدريس عزوزي تحت عنوان «تاريخ طباعة القرآن الكريم في المغرب»، شارك به ندوة (طباعة القرآن الكريم ونشره بين الواقع والمأمول) التي نظّمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة أعمالها 4 صفر 1436هـ.. رصد فيه ثلاث مراحل لتطور طباعة المصحف الشريف في المغرب وهي مرحلة البدايات، واقتصرت على استعمال الطباعة الحجرية على رغم صعوبتها. والمرحلة الثانية هي مرحلة التطور، وبرزت خلالها جهود المغرب في طبع المصاحف برواية ورش وباعتماد الخط المبسوط، ثم تأتي مرحلة النضج، وتميزت بإحداث مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.

بحث لأحمد محمد السعيدي مقدم لندوة (طباعة القرآن الكريم ونشره بين الواقع والمأمول) التي نظّمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة أعمالها 4 صفر 1436هـ. تناول فيه موضوع «طباعة القرآن الكريم في المملكة المغربية في الفترة بين 1879 و2011»، وفصَّل البحث في تاريخ طباعة القرآن الكريم في المغرب من حيث الجهود الأولية والمحاولات التي سبقت في طباعة القرآن الكريم، ثم قدَّم البحث لائحة ببليوغرافية في هذا الموضوع، وبعض الملحوظات المنهجية والفنية. ومن خلال البحث، يتضح اطراد جهود المغاربة في طبع القرآن الكريم تعبيراً عن تشبّثهم بشريعة الإسلام السمحة، وتطلّعهم الدائم إلى خدمة كتاب الله العزيز، الى جانب استفادة المصاحف المغربية من تطور تكنولوجيا الطباعة وحركة انبعاث الخط المغربي والزخرفة، إضافة إلى تشابه حالة المغرب مع بلدان العالم الإسلامي بخصوص التأخر في طبع المصاحف، وتمكنه من تجاوز ذلك العائق. كما كشف الباحث اللثام عن التعاون بين المغرب والمشرق في إنتاج المصاحف الذي يبرز انفتاح المغاربة على جهود غيرهم، واستفادتهم منها في تطوير قدراتهم الذاتية.

المنهج المتبع في هذه الدراسة:

حاولت في هذا البحث تجميع المادة التاريخية المهتمة بتاريخ وتطور المصحف المغربي، والتي توجد مشتتة في المصادر المغربية المؤرخة لتاريخ المغرب، أو في مراجع ومقالات حديثة اهتمت بالموضوع، واعتمدت على المنهج الوصفي التاريخي عند إيرادي لتاريخ المصحف الشريف ومراحل جمع القرآن الكريم في العهد النبوي وعهد الصحابة، ورحلة المصحف الإمام ووصوله إلى المغرب، والمراحل التي يمر بها المصحف في نسخه وزخرفته وتجليده، وكذلك قواعد علوم القراءات المطبقة في بعض المصاحف والاختيارات المغربية ومقارنتها بغيرها، ثم مرورا بذكر المراحل التاريخية التي مر بها طباعة المصحف الشريف في العالم الإسلامي وبلاد المغرب،وكذالك الحال عند الدراسة الوصفية للمصاحف الأنموذجية المختارة.

خطة البحث:

عالجت قضايا هذا البحث من خلال بابين يشتمل كل واحد منها على فصول ومباحث وذلك على الشكل التالي:

الباب الأول عنونته باعتناء المغاربة بالمصحف الشريف ونسخه، وقد قسمته إلى فصلين: الفصل الأول تناولت فيه دخول المصحف إلى المغرب، وذلك في مبحثين: الأول لمحة تاريخية عن المصاحف الأثرية، وجزأته إلى ثلاثة مطالب. والثاني تناولت فيه اعتناء المغاربة بالمصحف، وقد جزأته إلى خمسة مطالب، أما الفصل الثاني فعنونته بالخصوصيات الجمالية للمصحف المغربي، وقد قسمته بدوره إلى مبحثين: تناولت في المبحث الأول: خطوط المصاحف المغربية، وقد جزأته إلى مطلبين. أما المبحث الثاني فقد تناولت فيه المواد المستعملة في الكتابة، وقد قسمته إلى أربعة مطالب. في حين تناولت في المبحث الثالث تسفير (تجليد) المصحف، وقد قسمته إلى مطلبين.

أما الباب الثاني فقد ركزت فيه على اعتناء المغاربة بطباعة المصحف الشريف، وقد قسمته إلى فصلين: الأول: تناولت فيه طباعة المصحف الشريف، وهو بدوره قسمته إلى مبحثين: الأول تناولت فيه ظهور الطباعة ودخولها للمغرب، وقد جزأته إلى ثلاثة مطالب، في حين تناولت في المبحث الثاني المصاحف المطبوعة في المغرب وقد قسمته إلى أربعة مطالب، أما الفصل الثاني ذكرت فيه الخصائص المغربية في كتابة المصاحف وقد قسمته إلى مبحثين: تناولت في الأول الأعراف المغربية في ضبط المصاحف وتجزئتها، وجزأته إلى مطلبين. أما الثاني تناولت فيه الخصائص المميزة للمصحف المغربي، وقد قسمته إلى خمسة مطالب.

وأنهيت بحثي بخاتمة ضمنتها أهم النتائج التي توصلت بها مع تقديم لتوصيات بشأن موضوع البحث والتي من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة له.

صعوبات البحث:

إن خوض غمار هذا البحث اكتنفته بعض الصعوبات أجملها فيما يلي:

الخوض في غمار تجربة تخصصية جديدة بحيث لم يسبق لي البحث فيها، إذ أن كل اهتماماتي كانت تدور في فلك العقيدة والفكر في الغرب الإسلامي. وأسأل الله أن تكون هذه الدراسة مفتاحا أمام الباحثين لدراسة المصاحف المغربية بكل محتوياتها.
وجود أعمال سابقة قليلة لم تمكني من رسم خط منهجي ومعالم أولية لكيفية الدراسة، وقد كنت أضع تصميما للبحث وأختار منهجية للعمل وبعد شهور من البحث والتقصي أكتشف أني في سبيل غير صحيح، فأبدأ العمل من جديد.

واجهتني صعوبات في كيفية الحصول على المادة وخصوصا أن بحثي قائم على المخطوطات المصاحفية التاريخية، التي لا يمكن أن تنجز ما وطنت نفسك عليه إلا بعد الحصول عليها وملئ بصرك وعقلك بها، ولا أنسى الرحلة الشاقة التي استغرقت أياما بدءا من فاس وجامع القرويين، ومرورا بمكناس وخزانة الجامع الكبير، ثم مراكش حيث خزانة ابن يوسف وعودتي منها بخفي حنين.

ولقد وفقني الله لزيارة عدد من العلماء والشيوخ والباحثين المهتمين بعلوم المصحف الشريف من داخل المغرب وخارجه، قمت بزيارة للعلامة عبدالهادي احميتو بمدينة سلا حيث ضيفني في بيته وأكرمني طعاما ودفئا وكان ذلك في يوم مطير، ولم يبخل علي مما وهبه الله من علم وخلق أحتاجه في مسار ي البحثي، كما زرت العلامة سيدي مصطفى البوحياوي بمدينة طنجة وجلست معه في جلسة علمية حول المصاحف ورسمها وأهمية البحث في هذا الموضوع، ولم يبخل جزاه الله عني خيرا بما طلبته منه.كما أني التقيت بالشيخ محمد السحابي في المؤتمر العالمي الثاني لتدبر القرآن الكريم (أعلام ومناهج)، على مدى يومين كاملين (الأربعاء والخميس 28-29 أكتوبر 2015) بالدار البيضاء، وكذا الدكتور غانم قدوري الحمد الذي كان يؤطر دورات في علم المصاحف الموازية لأعمال المؤتمر العلمي الرابع للقراءات القرآنية: الجمع العثماني وما إليه على مدى ثلاثة أيام 11-12-13 أبريل 2019.بمراكش.

وفيما يتعلق بمجال الخط وفنونه التقيت كذلك بمجموعة من الخطاطين والباحثين والمهتمين وذلك في أعمال المؤتمر الدولي للخط العربي تحت شعار: لنجسد الخط المغربي في الثقافة العالمية، دورة الخط المغربي والمخطوط بدول إفريقيا بالدار البيضاء من 21 إلى 24 دجنبر 2017، ومهرجان المعاريف الدولي للخط: الخط المغربي بين التقليد والتجديد من 7 إلى 9 دجنبر 2018 بالدار البيضاء. ومن هؤلاء الخطاطين الذين التقيت بهم: عبد العزيز مجيب وعمر أدالا اللذان شاركا في كتابة المصحف الأثري بالألوان المأثورة بالخط المغربي المبسوط وفق رواية ورش عن نافع. وكذا الخطاط والباحث الدكتور محمد عبدالحفيظ خبطة الذي أشكر له جميل صنيعه معي وفرحته الكبيرة وسعادته البالغة التي أحسستها عندما قدم لي خدمة جليلة وهي إهداؤه لي كتابه «المصاحف السلطانية في المغرب وعلاقتها بتطور الخط المغربي وأصنافه»عبر البريد ولم ألتق به إلا عبر الفيسبوك والاتصال بالهاتف، بعدما ذكر لي المعاناة التي لقيها في سبيل إعداده لبحثه وأنه لا يريد أن يلقاها باحث بعده، لذلك كان شعار صفحته على الفايسبوك «زكاة العلم تعليمه»، والخطاط الدكتور محمد صبري الفاسي، والباحث الدكتور محمد البندوري. والخطاط الدكتور عبد الرحيم الصفريوي الذي كتب مصحفا بالخط المغربي المبسوط على الطريقة الأثرية، وهو الآن بصدد إنجاز مصحف ثان بالخط المجوهر المغربي. والخطاط عبد الله حمين، وآخرون.

كما قمت بزيارة مجموعة من الخزانات والمكتبات التي تزخر بالمصاحف المخطوطة وعلى رأسها خزانة القرويين بمدينة فاس والذي استطعت بمساعدة الدكتور محمد صبري جزاه الله خيرا الحصول على جل المصاحف المخطوطة بها مصورة وهي عندي، وكذلك زيارة خزانة ابن يوسف بمراكش ولكني لم أستطع أن أحصل على شيء من نفائسها لكونها تتعرض لعملية الإصلاح والترميم وأن المخطوطات الموجودة بها لم تعد تابعة لوزارة الثقافة وإنما هي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وفي حينها كانت معبأة في صناديق ولا يسمح لأحد بالاطلاع عليها، ولا أنسى النسخ التي مدني بها الدكتور محمد البندوري جزاه الله خيرا، وخزانة الجامع الكبير بمدينة مكناس، والمكتبة الوطنية والخزانة الحسنية بالرباط، والمكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، وخزانات ومكتبات أخرى، وكذلك المكتبات الجامعية والخاصة.

خلاصات واستنتاجات

وإنني أحمد الله على ما من به علي من إتمام هذا البحث «جهود المغاربة في خدمة المصحف الشريف»، ومن خلال معايشتي لهذا البحث، ووقوفي على فصوله وجزئياته، واستنادي إلى اقوال ونقول لأهل العلم موثقة، فإني أسجل أهم النتائج التي توصلت بها، فأقول مستعينا بالله:

إن دراسة المصاحف المخطوطة القديمة لها أهمية كبيرة جداً، فهي تقدم معارف متنوعة، منها ما هو خاص بتاريخ الخط العربي وتطوره، ومنها ما له ارتباط بعلم الرسم والضبط، وقد قدمت هذه المصاحف مادة كبيرة اعتمد عليها علماء الرسم في مؤلفاتهم، منها ما هو خاص بالظواهر اللغوية، ومنها ما هو خاص بالتكميلات التي أدخلت على المصاحف الأولى كعلامات الخموس والعشور والأحزاب والأجزاء، وعلامات الوقف والابتداء وغيرها، فهي مادة مهمة وقيمة تُكَمِّل ما موجود في المصادر المتخصصة بهذا الموضوع.

إن المصاحف المنسوبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه لا تعدو أن تكون منسوخة عن المصاحف الأم التي أرسلها الإمام عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار، وأن أغلب الباحثين يقرون ذلك، إذ من المتعذر اليوم العثور على مصحف كامل كتب في القرن الهجري الأول أو الثاني وعليه تاريخ نسخه واسم ناسخه، وإنها في الغالب غير مجردة تماما من العلامات التي ظهرت في وقت متأخر.

إجلال المغاربة وإعظامهم للمصحف العثماني ظاهر وبين ويتجلى ذلك من خلال إبداع النقاشين والمزخرفين والرسامين والصباغين وغيرهم في تغليفه بالذهب وترصيع كسوته باللآلئ النفيسة والأحجار الكريمة من زمرد وياقوت، وصنع صندوقه بالخشب الرفيع، ومحمله وكرسيه من الذهب والأحجار الكريمة والحرير الفاخر، وإحضاره إلى المجالس في ليالي رمضان والقراءة فيه، وحمله في الأسفار والحروب تبركا به.

شيوع ظاهرة وقف المصاحف على المساجد والجوامع عبر العصور في كل الحواضر المغربية، حيث كان بعض الملوك والعلماء وأهل الإحسان ينسخون أو يستنسخون المصاحف ويضعونها في المساجد تقرباً إلى الله، وفعلهم هذا يستند إلى آثار نبوية شريفة منها: ما ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرَهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْماً، أو أَجْرَى نَهْراً، أو حَفَر بِئْراً، أو غَرَسَ نَخْلاً، أو بَنى مَسْجِداً، أو وَرَّثَ مُصْحَفًا، أو تَرَكَ وَلَداً يَسْتَغْفِرُ لهُ بَعْدَ مَوْتِهِ»، ومن ذلك أيضا ما ثبت في سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ».

هذا الأمر جعل المغرب يتوفر على رصيد مهم جدا من المصحف المخطوط، ويتوزع بين خزائن المساجد الكبيرة والصغيرة والزوايا والمراكز العلمية كالخزانة التي كانت بجامع القرويين بفاس، وخزانة ابن يوسف بمراكش، وخزانة الجامع الكبير بمدينة مكناس وخزانة المسجد الأعظم بتازة، وخزانة المسجد الأعظم بمدينة وزان، وهذا يعكس عمق الاهتمام بالقرآن الكريم لدى المغاربة عبر تاريخهم كتابة وزخرفة ودراسة.

تعتبر المخطوطات سجل الأمم ومرآة حضارتها، فهي من أهمِّ المصادر التي لا غِنى للباحث عنها لدِراسة أيّ جانب من جوَانب الحياة العلمية والأدبية والثقافية لبلد أو أمَّة ما. والمُؤْسف أنَّ كثيرا من تُراثنا المصحفي المخطوط لا يزال مجهولا، بالرغم من نشر جزء غير يسير منْه، فالمغرب يزخر بثروة مصحفية كبيرة لكنها مُشَتَّتة في زوايا ورفوف المكتبات والمتاحف العالمية، وقد ذكرت نماذج منها في هذا البحث لعله يأتي يوم ويكتب لنا استرجاع هذه النوادر والتحف.

بدأ الخط المغربي يتخذ شكله النهائي في العصر المرينی، وفيه اتضحت أصنافه وأنواعه وأساليبه نظرا للاستقرار السياسي الذي كان يعرفه المغرب على يد المرينيين، وقد عرف الخط المغربي طفرة نوعية على المستوى الفني في العصر السعدي، وعلى وجه الخصوص في عهد أحمد المنصور الذهبي.

تعتبر الكتابة على الرق في المغرب قديمة بقدر قدم صنعة المخطوط المغربي التي ارتبط ظهورها بتدوين المصحف الشريف، وأن كل المصاحف القرآنية التي نسخت قبل القرن الرابع الهجري كانت على الرق، ورغم انتشار الورق في المغرب ظل الرق هو المادة المفضلة في نسخ المصاحف القرآنية حتى مطلع القرن التاسع الهجري طلبا لطول البقاء، وقد استعمل المغاربة في نسخ المصاحف القرآنية مختلف ألوان الرقوق؛ فكتبوا في الرق الأبيض والأحمر والأزرق والأصفر، ويبقى أفضلها على الإطلاق للكتابة الرق الأبيض، وهو أكثرها شيوعا.

ازدهرت صناعة فن التسفير في عهد الموحدين وبلغت إلى مستوى التميز في عهد السعديين، حيث كان للمسفرين في هذا العصر ديوان يشتغلون فيه عند القصر الملكي بمراكش، وفي مدينة فاس أطلق على أحد أزقتها اسم: «السفارين» نظرا لكثرة دكاكين التسفير بها، وأن عائلات عرفت بلقب المسفر، كعائلة الشيخ الحكيم أبي الحسن المسفر السبتي، ويعتبر الجلد الذي تميز المغاربة بإجادة صناعته ودباغته حتى أن الأوربيين أطلقوا عليه منذ عهد قديم اسم (La Maroquinerie) نسبة للمغاربة هو المادة الرئيسية لتسفير المصاحف والكتب.

نسجل براعة المغاربة في صناعة الحبر والمداد إلى درجة أنهم تمكنوا من ابتكار أحبار سرية لا يمكن رؤيتها إلا بتقريب الورقة التي كتب عليها من النار، وأحبار جافة التي تناسب الترحال المستمر، وأن هذا الحبر يمكن أن يمسح في حالة وقوع الخطأ بواسطة ريق اللسان (اللطع أو اللعق)، والحك بالسكين. وبالإضافة إلى الحبر الأسود الذي غالبا ما كان المغاربة يخلطونه بمواد مطيبة عند نسخ المصحف كانوا يستعملون الألوان الأخرى كاللازودي، والياقوتي، والأحمر، والأزرق، والبني، والبنفسجي، إضافة إلى المذهب الذي كانوا يصنعونه من مواد الذهب وغير مواده.

إن للمغاربة طريقتهم في صناعة القلم تخالف المشارقة، ويعتبر استعمال القلم من القصبة أفضل الأنواع وأكثرها شهرة.
اتبع المغاربة مذهب أهل المدينة في استخدامهم للألوان في الضبط، وبذلوا الوسع في الاقتداء بهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ولم يخالفوهم إلا في الحدود التي تقتضيها حاجات الناس من البيان والإيضاح. واقتصروا على الألوان التالية:

اللون الأسود استعملوه في إعجام الحروف الملابسة، على مذهب الخليل بن أحمد، کالباء تحتها واحدة، والتاء فوقها اثنتان، والثاء ثلاث، والجيم تحتها واحدة، والذال فوقها واحدة، والشين فوقها ثلاث، والضاد فوقها واحدة، والفاء إذا وصلت فوقها واحدة، وإذا انفصلت لم تنقط.

اللون الأحمر وهو أكثر الألوان استخداما، استعمل هذا اللون في ما يلي: الحركات والتنوين والسكون والتشديد والميم الصغرى الدالة على قلب النون الساكنة والتنوين عند الباء والاختلاس والإشمام والإمالة والمطوصلة الهاء …

اللون الأصفر: استخدمه علماء الضبط المغاربة على استعمال اللون الأصفر لضبط الهمزات المحققة.

اللون الأخضر أو الأزرق استخدم في علامة الابتداء وألفات الوصل للدلالة على كيفية الابتداء.

إن كتابة المصاحف المغربية الأولى كانت في غالبيتها توافق رسم قراءة الإمام حمزة التي كانت تغلب على أقطار المغرب، ثم استقرت على قراءة الإمام نافع من رواية تلميذه ورش حتى أضحت  شعارا للمدرسة القرآنية المغربية والتلاوة الرسمية الوحيدة التي يستند إليها في التعليم والقراءة والدراسة، وذلك موازاة مع المذهب المالكي الذي اختاروه مذهبا فقهيا لهم، وإن الاختيار في ميدان الرسم القرآني بالمغرب الذي يعتبر رسم الغازي هو المعتمد في المصاحف المغربية في الغالب بدأ مع أبي عبد الله الخراز الشريشي مع منظومته «مورد الظمآن» التي استوعب فيها ما جاء في المقنع والعقيلة والتنزيل والمنصف وزاد عليها، واستوى هذا الاختيار وقُعِّد مع عبد الرحمن بن القاضي المكناسي في «بيان الخلاف والتشهير والاستحسان».

إن تجزئة المصاحف في المغرب أخذ فيها المغاربة بنظام التحزیب، أي تقسيم القرآن الكريم إلى ستين حزبا، ثم تقسيم كل حزب منها إلى نصفين وأربعة أرباع وثمانية أثمان، ويشار إلى مواضعها بعلامات توضع في الحاشية تسهيلا على التالي والمتعلم، كما أن هذه التجزئة هي التي عليها يجري العمل في كتابة الألواح على حسب السن والمستوى والقدرة على التحصيل.

يعتبر عد الآي من لوازم كتابة المصاحف، وقد أخذ فيه المغاربة بالعد المدني الأخير، وجملة آي القرآن فيه 6214. إلا أنه الملاحظ أن جل المصاحف المغربية المطبوعة لعدة عقود تُعِد الآي بحسب العد الكوفي المشرقي، بما فيها «المصحف الحسني المسبع» الذي طبع سنة 1974، عكس العد في «المصحف المحمدي» الذي طبع بالمحمدية عام 2010م فقد جاء بالعد المدني الأخير.

إن العنوان البارز للمصحف المغربي: هو تقييد وقف أبي عبد الله محمد ابن أبي جمعة الهبطي نزیل فاس (ت 930 ه) إمام الإقراء في عصره، هذا الوقف الذي اختاره المغاربة منذ أوائل المائة العاشرة للهجرة، فيما قيده عنه بعض تلامذته، وجرى العمل عليه في الإقراء وكتابة المصاحف في الأقطار المغربية في المصاحف المطبوعة برواية ورش إلى اليوم، وذلك بوضع علامة «صه» على مواقف بعينها من أول القرآن إلى آخره، ترسم في المصاحف والألواح لمساعدة القارئ والمتعلم على ضبط الوقف والابتداء أثناء التلاوة.
إن طبع المصحف المحمدي الشريف في أبهى حلة وعلى أعلى درجات الإتقان خطا ورسماً، ووفق مواصفات مدروسة وخصائص علمية وتقنية وفنية متميزة. دليل على جهد بذل، ومرقبة وتدقيق جهود مغربية مبذولة: كتابة ومراجعة وتدقيقا وطباعة، وإدارة، وأطرا، وخبرات علمية، وتقنية.

أما عن أبرز التوصيات فألخصها فيما يلي:

إننا بحاجة ماسة إلى المزيد من الجهد لإحياء التراث المغربي الزاخر، ولتحقيق ذلك لا بد من إنشاء مراكز خاصة بالدراسات المغربية، يكون على عاتقها البحث والتحقيق واسترجاع المخطوطات من جميع دول العالم، وتلك الموجودة في أقبية المتاحف والمكتبات، ونفض الغبار عنها وإخراج ما بها من كنوز.

فتح المجال أمام الخطاطين وتشجيعهم على كتابة المصاحف بخطوط أخرى غير الخط المكتوب بها، وذلك من أجل إبراز ثراء الخط المغربي في مختلف تجلياته واستئناس القراء بجمالية خطوط المصاحف.

ضرورة العمل على جرد المصاحف المخطوطة في المغرب خاصة والمطبوعة العالم الإسلامي في عامة أو أشهرها على الأقل، في إطار عمل ببليوغرافي كبير، ورقمنتها لتكون متاحة للباحثين.

إن الخطاط المصحفي رجل نذر نفسه لخدمة القرآن الكريم، فحري أن يُعطى حقه من التكريم والإشادة، وذلك بوضع دراسة تستجمع أسماء وتراجم وأخبار كتاب المصاحف في بلدنا الحبيب.

التفكير في تنظيم معرض دولي إسلامي سنوي لجميع المصاحف الشريفة التي ظهرت منذ البداية إلى الآن بمختلف الروايات والأشكال والأحجام ويقترح عقد المعرض كل عام في بلد من بلدان العالم الإسلامي بشكل دوري، على أن تقدم المصاحف المعروضة من لدن مختلف الدول الإسلامية هبة للبلد المنظم الذي ينتظر منه أن يعتمد جناحا خاصا تعرض فيه تلك المصاحف في معرض يرتاده مواطنو البلد وزواره.

هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.