منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أطفال متشردون زمن كورونا

أولاد الطويل مريم

0

قررنا جريا على عادتنا أنا وزوجي في بعض الأحيان أن نغير من رتابة الحياة وأن نتناول وجبة الفطور خارج البيت، في مكان هادئ بعيد عن ضوضاء المدينة. وقد وقع اختيارنا على مقهى ذات واجهتين زجاجيتين إحداهما تطل على البحر المتوسط الذي قاسمنا هدوءه، بعد أيام مضت كان البحر فيها في هيجان وغضب مريع، منظر هدوئه الساحر وقد توزعت فوق أرجاء سجادته الزرقاء، قوارب صيد صغيرة، تحت سقف سماء صافية انتشرت فيها بعض الغيوم، يخطف الأنفاس ويعطي للأجواء بهاء وجمالا.

وبينما نحن نتناول ما جادت به مائدة الفطور الصباحي، إذ ظهر أمامنا طفل صغير في الشارع المقابل، خلف الواجهة الزجاجية وهو تقريبا في عمر العاشرة يرتدي ثيابا رثة ويبيع المناديل الورقية ويطلب منا شراءها منه فاعتذرت له، وإذا به يلوح لي من خلف الزجاج بيده بحركة فهمت منها أنه يريد طعاما يسكت به جوعه، آلمتني حاله فقطعت فطوري وذهبت نحوه أحدثه متستفسرة منه حاله هاته. وبعد حوار قصير دار بيننا. علمت أنه انقطع عن الدراسة بسبب ظروفه الاجتماعية الصعبة، فهو يبيع المناديل طيلة اليوم، ليساعد أمه التي بدورها تقاسي وتعاني من عملها في حمل السلع المهربة من “باب سبتة” وتعول أسرتها المكونة من خمسة أطفال وأبيهم الذي أصيب بمرض منذ سنتين أصبح بسببه طريح الفراش ومقعدا.

كيف لهذا الواقع المزري أن يساعد في صقل شخصية هذا الطفل الذي يجتر كل هذا الألم والمعاناة، حتى يكون في مستقبل أيامه منتجا في المجتمع. بدل أن يعيش طفولة مهمشة محرومة بائسة.

لن أنسى شدة تأثري بملامح ذاك الطفل الجميلة البريئة المليئة بالحزن، ولا تينك العينين اللتين حدثتاني بغصة عميقة فياضة بكل أنواع الألم والخوف من المجهول. التي رغم الظروف القاسية، لم تفقدا من جمالها الأخاذ شيئا. أحتاج لمليون قصيدة، كي أشرح كيف كانت عيناه تخاطباني بحزن عميق آلم قلبي. ناهيك عن جسده الهزيل الذي يتحدى به الكون بأكمله، وما إن مرت لحظة حتى التحق به بقية رفاقه، ثلاتة أطفال يعتريهم نفس الوضع ونفس حالة الجوع والفقر. حقيقة يخوننا التعبير والوصف في مثل هذا الموقف. هي لوحة تحمل الكثير من معاني البؤس والحرمان. أرصفة وطرقات لا يتنفسون فيها سوى رائحة دخان السيارات، ولا يملأ عيونهم إلا غبار الأزقة والشوارع. وجه مكشوف طول اليوم للهيب الشمس الحارقة في الصيف وجسد يعتريه البرد والجوع في الشتاء. إنهم أطفال منتشرون على أرصفة الشوارع الرئيسية، قرب المحلات التجارية وأمام المقاهي والمطاعم، ومواقف السيارات. حقيقة نشعر بالحسرة والألم عند مشاهدة هؤلاء الأطفال في عمر الزهور يعانون من الجوع أو يتقاتلون على بقايا الطعام، أو يتعاطون المخدرات. إنهم يحتاجون منا إلى اهتمام حقيقي بقضيتهم وانتشالهم من كل هذا الضياع الذي يعيشونه. بتظافر جهودنا نستطيع أن نكون مساهمين في هذا التغيير الذي يستحقونه، والمثمتل في غد أفضل يساعدهم على تحسين وضعهم التعليمي والاجتماعي.

من المسؤول عن هذه الطفولة التي كبرت حتى شاخت جوعا. من جراء تحملها لكل هذا البؤس والضياع؟

المزيد من المشاركات
1 من 2

أين الدولة والمجتمع من مسؤوليتهما تجاه هذه الطفولة؟ وكيف نساهم في إنقاذها من هذا الوضع المزري الذي تعيشه؟ خاصة اليوم ونحن نواجه محنة “كورونا”، إنهم أكثر مما مضى، بحاجة ماسة إلى الاهتمام والرعاية؟ ولا يكفي الحجر الصحي بوضعهم بين جدران دون أن تخصص لهم الدولة نصيبا من الصندوق الخاص بتدبير جائحة “كورونا”، خلال فترة الطوارئ الصحية. وهي كذلك فرصة ليتحمل المجتمع المدني مسؤوليته نحو هذه الفئة المهمشة، بالتسارع إلى إبراز روح التكافل. فكلما حضي الأطفال بما يستحقونه، كانوا مصدر قوة وعماد المستقبل، لأن أ ساس ازدهار الدول وتقدمها يكون في إعداد أطفالها ليكونوا قادة يحملون لواء العلم والمعرفة والثقافة والتقدم.

إنها ظاهرة اجتماعية خطيرة. لا نواجهها إلا باللامبالاة أو الشعور بالعجز عن مساعدة هؤلاء الأطفال وانتشالهم من التشرد والانحراف.

تقديم على ما يجب القيام به زمن كورونا.

توفير التعليم لهم الذي إن تحدثنا عنه فهو أبسط حق يجب أن يدفر به هذا الطفل، الذي عليه أن يكون في المدرسة بدل أن يكون مشردا في العراء يتوسد التراب ويلتحف السماء ويمد يده للمارة طالبا الطعام. بكل تأكيد حرمانه من التعليم يقضي على كل أحلامه وطموحاته التي ساورته يوما ما دون شك وفكر في تحقيقها.
الأطفال هم أهم مورد في الحياة هم عبق الحياة ونسيمها. تربية الأطفال تحتاج تضافر الكثير من الجهود لتحقيق تربية ناجحة تساعد في تشكيل شخصية الطفل الواتقة المتمكنة الطموحة المساهمة مسقبلا في بناء المجتمع ونموه فكيف لهذا الطفل أن يكون محروما في هذه المرحلة من عمره التي تنمو فيها كل خلايا

جسمه. وكل حاسة من حواسه، فنحن ما كبرنا إلا من بعدما مررنا من هذه المرحلة التي بفضلها نمت فينا قوة الإرادة وشغف العيش والتحدي والإصرار لتحقيق النجاح في الحياة، صفات نتجت من احتضان أسري مترابط ناجح بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فكيف لهذا الطفل الذي يضل متسكعا في الشوارع طول النهار في بيع المناديل المحروم من عطف أمه وأبيه ومن رعايتهما التي يحتاجها دون شك، أن يكون سعيدا. فنحن أمام طفل لم يختر بمحض إرادته أن يكون عرضة للمهانة والذل ولكل هذا الحرمان، وأن يعيش هذه الحياة القاسية الباردة المجردة من أي احساس بالحنان والدف ء متوسد ا التراب مفترشا الأرض طول النهار، ويبيع المناديل. المحروم من مراقبة وعطف والديه ورعايتهما التي يحتاجها دون شك. فكيف سيكون في مستقيل أيامه بعد كل هذا الحرمان العاطفي تجاهه، أطفال جعلت من الشوارع دارها ومقرها اليومي وعشها الذي تقضي فيه معظم وقتها حتى صار مسرحا لكل الآمها وأوجاعها. في حين يجب على الطفل أن لا يفقد حقه في البقاء والنمو بشكل سليم والحماية من أي ضرر قد يقع عليه.

للأسف تعتبر ظاهرة تشرد الاطفال ظاهرة خطيرة جدا ثلوث المشهد الحضاري لاي دولة كانت. وتضرب موازين الإنسانية وحقوق الإنسان عرض الحائط. فظاهرة تشرد الاطفال انتشرت في الوقت الحاضر خاصة في دول العالم الثالث حيث الفقر والجوع والحروب. فلا يقتصر تشرد الاطفال على ضياعهم في الطرقات والشوارع، ونومهم خارج بيوت أسرهم. إنما يمتد إلى مشاكل أعقد من ذلك بكثيرويتمثل في انتشار ظاهرة تسول الأطفال. التي يلجأ إليها الطفل حينما يفتقر إلى من ينفق عليه وربما أيضا السرقة كي يسد رمقه. مما يربي فيه طفلا منحرفا يميل إلى الجريمة. وانحراف خطير في شخصيته، إذ يشكل انفصال الأطفال عن بيئاتهم الأصلية بذرة التشرد الأولى، وبداية دمار المجتمع وبنيته الأساسية. وكلما أسرعنا في ايجاد الحلول المناسبة للحد من هذه الظاهرة كلما كان أفضل، وهذا يجب أن يكون على مستوى الحكومات والدول وبتنسيق جماعي من مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية ودو الرعاية. عندما تعمل كل هذه القوى على السعي في انتشال هذه الطفولة المحرومة من أبسط حقوقها ساعتها فقط نكون قد ساهمنا في حما يتها من نار التشرد والضياع.

نخلص من كل ما سبق أن الطفولة المشردة فئة في عالم منسي، وقد أضحت ظاهرة الأطفال في وضعية الشارع بالمغرب من الظواهر التي ثتير الكثير من القلق خصوصا أمام تناميها وازدياد عدد الأطفال بشوارع المدن المغربية يوما بعد يوم، صورة تختزل مأساة حقيقية، وتدفع إلى التساؤل عن مصير هؤلاء المشردين داخل المجتمع بعد أن نشئوا خارج حماية الأسرة وحرموا أبسط الحقوق كالتعليم وحضن العائلة.

ألا يمكن أن يشملهم اعتماد الدعم المباشر للفئات الهشة.

اضطرت الأسر الفقيرة ان تغلق عليها، مستجيبة لنداء الدولة منتظرة وعودها. لكن ولحد الساعة لم تتلقى أي دعم فإلى اي حد تستطيع المكوث بلا اي دخل، الن يكون ذلك سببا في خروج جماعي يزيد الوضع احتقانا. إن اي تاخير او عدم التفاتة حقيقة نحو هذه الفئة لن يجلب إلا مزيدا من. . . . . . . لا قدر الله.

هذه الأزمة التي كشفت لنا عن مدى اهمية البحث العلمي والعلماء ورجال التعليم والعامل البسيط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.