منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السلوك الإنساني بين الأنس الاجتماعي والتوحش الإنعزالي

السلوك الإنساني بين الأنس الاجتماعي والتوحش الإنعزالي/  د. حسن محمد أحمد محمد

0

السلوك الإنساني بين

الأنس الاجتماعي والتوحش الإنعزالي

 د. حسن محمد أحمد محمد

السودان-الخرطوم

 

كثير ما يتبادر إلى الإنسان أو يطوف بذهنه سؤال حول طبيعته: هل الإنسان كائن اجتماعي؟ أم أنه كائن يميل إلى العزلة التوحش؟. والإجابة لدى علماء الاجتماع وعلم النفس والتربية .. وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الأنثربولوجيا، هي أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يحب الأنس ويبحث عن الإلفة وينشد العيش في جماعة، وهو أمر طبيعي في كل كائن بشري، ولنقرأ مع إبراهيم اليازجي هذه الأبيات التي يستشعر من خلالها بالكثير الأنس والألفة والمتعة النفسية والجمالية:

هَنيئاً غَدَوتُم في رِياضِ مَسَرّةٍ * بطلعتكم تاهَت عَلى جَنةِ الخُلدِ

فَمَن لي بهاتيكَ الرِّياضِ وَحسنها * وَمَن لي بِذاك اللَحنِ وَالعطرِ وَالندِّ

وَمَن لي بِذاكَ الأُنسِ بَل هُوَ مُنيَتي * إِذا حزته لَم يَبقَ مِن مُنيةٍ عِندي

إِذا ضَمّني يَوماً وَإِيَّاك مَجلِسٌ * تَشاغل في مَعناك عَن غَيرِهِ رشدي

قد يكون الغالب على طبع الإنسان أنه كائن اجتماعي، وهو لا يستطيع العيش إلا في ظل الجماعة التي تشعره بكينونته ومكانته ..، ويستشعر الأمان النفسي في حماها، وخير نموذج يمكن مشاهدته، بشكل طبيعي، هو الطفل الذي لا يطيق تحمل الوحدة أو حتى مجرد استشعارها، فالوحدة تبعث في نفس الصغار، الأسوياء، الشعور بالخوف وعدم الأمان، ولا يعني هذا أنه ليس هناك من يستعذب الشعور بالوحدة، وهم على ضربين: الضرب الأول، هم غير الأسوياء الذين لديهم خلل تربوي أو اضطراب نفسي، فتجدهم يتخذون الإنعزال والبعد عن الآخرين وسيلة ناجعة، بالنسبة لهم، في علاج القلق والتوتر النفسي الذي يسيطر على حياتهم. والصنف الآخر، هم المبدعون الخلاقون الذين يتحفون البشرية بإبداعاتهم ومبتكراتهم في شتى ضروب الحياة ومجالاتها المتباينة. ويميل كلا النموذجين، بطبعه، إلى العزلة ويفضلونها على حياة الصخب والضجيج الاجتماعي، ولكن الفرق بين النموذجين هو، أن العزلة الاجتماعية والإنسحاب من المجتمع يكون أمرًا مفروضًا على جماعة النموذج الأول؛ في حين أنه يكون أمرًا إختياريًا لدى جماعة النموذج الثاني.

ولعل هذا الفرق، البسيط بين النموذجين، هو الذي صنع للبشرية تلكم المواهب الإبداعية الفذة، والتي تتولد لدى أصحاب الفكر الفلسفي وأهل الفنون والعباقرة من الأدباء والعلماء ..، الذين يستثمرون الكثير من وقتهم وجهدهم في وحدتهم من أجل صالح الإنسانية وتقدمها.

وربما لا تنحصر النماذج البشرية جمعاء في تينك النموذجين اللذين تقدم الحديث عنهما، إذ إن لدينا نموذج ثالث، عاش ويعيش بين الناس، من أولئك المستوحشين عن البشر وعن العيش في جوارهم. ونحن هنا نتخير من هذا النموذج أناسًا رحلوا ولكنهم تركوا بين الناس أخبارًا وسيرة يتناولونها في كثير من مجالسهم، وياتناقلها الرواة في أخبارهم وأحاديثهم، وهم أناس غير قليلين وقد عرفوا، في أشعارهم، بالأدب والذوق الرفيع واللفظ البديع، بالرغم من حياة الشذوذ التي عاشوها وتقلبوا في رحابها، لاسيما وأنهم قد عرفوا، بين القابائل البدوية، باسم شذاذ الآفاق، أو صعاليك العرب، ومنهم من اختار حياة الصعلكة على حياة القبيلة، فصنعوا لأنفسهم جماعة ينتمون إليها، وكان على رأسهم الشاعر عروة بن الورد المعروف بعرة الصعاليك، وهو القائل:

أقِلِّي عَلَي اللومَ يَا ابنَةَ مُنذرٍ * ونَامِي فإِنْ لمْ تشتَهِي النومَ فاسهَرِي

ذَرِينِي ونفسِي أُمَّ حَسَّانَ إنَّنِي* بهَا قَبلَ ألا أمِلكَ البيعَ مُشتَرِي

أحاديثَ تبقَى وَالفَتَى غيرُ خالِدٍ * إذَا هُوَ أمسَى هامَةً تَحتَ صَيِّرِ

تُجاوبُ أحجارَ الكِناسِ وتشتكِي * إلَى كُلِّ مَعرُوفٍ تَرَاهُ ومُنكَرِ

ذَرِيني أُطَوِّفْ في البلادِ لعلَّنِي * أُخَلِّيكِ أو أُغْنيكِ عَنْ سُوء مَحضَرِي

فإنْ فاز سهمٌ للمنيَّة لم أكن * جزوعاً وهل من ذاك من مُتأخرِ

وإنْ فازَ سهمٌى كفَّكُمْ عَنْ مَقاعدٍ * لَكُمْ خَلْفَ أدبارِ البُيوتِ ومَنْظَرِ

وهو القائل:

ذريني للغنى أسعى فإني * رأيت الناس شرهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم * وإن أمسى له نسب وخير

ويقصى في الندى وتزدريه * حليلته وينهره الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلال * يكاد فؤاد صاحبه يطير

وقال، مفتخرًا:

وإنّي امرُؤ عافي إنائِي شِرْكةٌ * وأنت امرؤٌ عافِي إنائِكَ واحدُ

أتهزأُ مني أن سمنتَ وأن تَرى * بوجهي شحوبَ الحق والحقُّ جاهدُ

أُقسِّم جسمي في جُسوم كثيرةٍ *  وأحسو قَراحَ الماءِ والماءُ باردُ

الأحيمر السعدي: وهو من الشعراء الذين عاصروا نهايات دولة بني أمية وعاش ردحًا من الزمان في دولة بني العباس، وقد عرف باللصوصية والتعدي على ممتلكات الناس بالنهب والسلب، وقد عاش جزءًا من حياته قاطعًا للطريق، ولم يتمكن منه أحد حتى تاب إلى الله وثاب إلى رشده، فيما بعد، وينبئنا بعض شعره بأنه كان يستشعر الأنس وينشده بعيدًا عن حياة بني البشر التي ربما تشعره بالملل والضجر لرتابتها فكان العيش بين الناس غير محبب إليه وثقيل على نفسه، ولك أن تلمس هذا في هذه الأبيات التي ضمنها الكثير من مشاعره وأحاسيسه وحبه للوحدة والابتعاد عن البشر، فيقول:

عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذا عَوى * وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ

يَرى اللَهُ إِنّي لِلأَنيسِ لَكارِهٌ * وَتُبغِضُهُم لي مُقلَةٌ وَضَميرُ

فَلِلَّيلِ إِن واراني اللَيلُ حكمُهُ * وَلِلشَمسِ إِن غابَت عَلَيَّ نُذورُ

وَإِنّي لَأستَحيي مِنَ اللَهِ أَن أُرى * أُجَرِّرُ حَبلاً لَيسَ فيهِ بَعيرُ

وَأَن أَسأَلَ المَرءَ اللَئيمَ بَعيرَهُ * وَبَعرانُ رَبّي في البِلادِ كَثيرُ

لَئِن طالَ لَيلي بِالعِراقِ لَرُبَّما * أَتى لِيَ لَيلٌ بِالشَآمِ قَصيرُ

مَعي فِتيَةٌ بيضُ الوُجوهِ كَأَنَّهُم * عَلى الرَحلِ فَوقَ الناعِجاتِ بُدورُ

وتساوره نفسه فيعود إلى هطبع الإنساني فيحن إلى أهله ودياره، في الأبيات التالية، لأن حب الإنفراد والتوحش والبعد عن حياة الناس الاجتماعية ليست بطبيعة إنسانية، وإنما تنمو وتكبر، هذه السمة، مع الإنسان، بالتطبع والمران الطويل، فيقول:

أَيا نَخلاتِ الكَرمِ لا زالَ رائِحاً * عَلَيكُنَّ مُنهَلُّ الغَمامِ مَطيرُ

سُقيتُنَّ ما دامَت بِكَرمانَ نَخلَةٌ * عَوامِرَ تَجري بَينَكُنَّ بُحورُ

سُقيتُنَّ ما دامَت بِنجدٍ وَشيجَةٍ * وَلا زالَ يَسعى بَينَكُنَّ غَديرُ

أَلا حَبِّذا الماء الَّذي قابَلَ الحِمى * وَمُرتَبِعٌ مَن أَهلِنا وَمَصيرُ

وَأَيّامُنا بِالمالِكِيَّةِ إِنَّني * لَهُنَّ عَلى العَهدِ القَديمِ ذَكورُ

وَيا نَخلاتِ الكَرخِ لا زالَ ماطِرٌ * عَلَيكُنَّ مُستَنُّ الرِياحِ ذَرورُ

وَما زالَتِ الأَيّامُ حَتّى رَأَيتُني * بِدَورَقَ مُلقىً بَينَهُنَّ أَدورُ

الشنفرى:  هو عمرو بن مالك الأزدي الملقب بالشنفرى، شاعر جاهلي ينتمى إلى الشعراء الصعاليك، وقصته أشبه بأسطورة تروى، فمما يروى عنه أنه ابن جارية حبشية ولكنه ترعرع وعاش في بني فهم الذين استبدلوه، وهو طفل، بأسير عندهم لبني سلامان، فلما شب وأدرك ذلك أقسم على قتل مئة رجل منهم، وقد اشتهر الشنفرى بأنه من أسرع عدَّائي الصعاليك وأكثرهم جرأة وأشدهم دهاءً، ولم يكن له رفقاء إلا ابن أخته، تأبط شرًا، وعمرو بن برامة، من شعراء الصعاليك، وكان يعيش متوحشًا في البراري والجبال ويغزو على قدميه مرة، وعلى فرسه مرة أخرى، ويهاجم الأحياء ويسلبها.

وكان أكثر ما يغير وحده على بني سلامان، حتى قتل تسعة وتسعين نفساً منهم، ولكنهم، في خاتمة المطاف ظفروا به فأخذوا سلاحه  وأسروه، وقالوا له، حين أرادوا قتله، أنشدنا، فقال: “إنما النشيد على المسرة” فذهب قوله مثلاً، ثم أنشد:

لا تقبروني! إن قبري محرم * عليكم ولكن أبشري أم عامر

إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثم سائري

هنالك لا أرجو حياةً تسرني * سجيس الليالي مبسلاً بالجرائر

ويتقدم الشنفرى الشعراء الصعاليك وغيرهم من الشعراء بمطولته المعروفة باسم لامية العرب، والتي يحمل اسمها دلالة ضمنية تشير إلى تفوقه وتقدمه في الشعر، وقد ضمنها حياته وهمومه سماته النفسية المستوحشة من البشر.

أقيموا بني أمي صدور مَطِيِّكُم * فإنّي إلى قوم سواكم لأَمْيَلُ

فقد حُمَّت الحاجات والليل مُقْمرٌ * وشُدْت لطيّاتٍ مطايا وأَرْحُلُ

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى * وفيها لمن خاف القِلَى مُتَعَزّلُ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.