منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بناء الإنسان

0

كتب الروائي البرازيلي الذائع الصيت “باولو كويلو” قصة وجيزة بليغة يقول فيها : كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته؛ وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحوي على خريطة العالم، ومزقها إلى قطع صغيرة وقدمها لابنه، وطلب منه إعادة تجميع الخريطة.. ثم عاد لقراءة صحيفته.. ظانا أن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم.. إلا أنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة! فتساءل الأب مذهولا: “هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟! رد الطفل قائلا: “لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم”…

كانت عبارة عفوية؛ ولكنها كانت جميلة وذات معنى عميق عندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم، فالأهم بناء الإنسان أولى من كل شيء.

وعليه، فقد قامت الحضارة الإسلامية في حقبة زمنية عرفت سيطرة قوتين كبيرتين، وتمركزت القوة والسلطة في قطبين اثنين لا ثالث لهما، الفرس في المشرق والروم في المغرب، وإن نجاح حضارة ما وازدهارها فيما بعد على أنقاض حضارتين عظيمتين عريقتين، وعلى يد أناس بسطاء بدو من الصحراء… لشيء مخالف لسنن وموازين القوى التي تحكم طلوع نجم حضارة ما أو أفوله، مما يوحي بما لا يدع للشك أن هذه الحضارة ارتكزت على شيء متفرد .

ولقد كان تأسيس الحضارة الإسلامية مرحلة سبقتها مراحل، منها تأسيس دولة ذات سمات خاصة تميزها عن ما هو معروف آنذاك من أمر الهوية واللغة والدين… وبمزيد تأمل وتدقيق في أمر نشأة الحضارة الإسلامية، نرى أن المطلق الأساسي والرئيس والشرارة الأولى؛ هو تخليص النفوس وتحرير العقول، وبالتالي بناء الإنسان ثم إدماجه في بناء مجتمعي سليم، بدوره مؤلف من أفراد خضعوا لنفس الفعل التطهيري والتحريري .

فقد تختلف طوائف الإسلام وتتباين، سواء باعتبارات سياسية كما كان الحال بين الفرق التي ظهرت بسبب صراع سياسي، كالشيعة والخوارج وأتباع معاوية رضي الله عنه… أو باعتبارات عقدية كالمعتزلة والسنة ( أشاعرة و ماتريدية ) والمرجئة والجبرية والمجسمة والمعطلة…  ولكنها كلها تلتقي في شيء واحد وتتفق عليه ولا تسلم الواحدة منها للأخرى فيه وهو التوحيد، والذي هو اللبنة الأساس في تحرير الإنسان من الأوهام، وأس بناء وعي صحيح وسليم عن وجود الإنسان ورسالته .

المزيد من المشاركات
1 من 83

و لذلك نجد أن سعيه في ترسيخ العقيدة في الطور المكي؛ والذي دام ثلاث عشرة سنة كان أولها سري والعشر سنين الأخيرة منها جهري علني ليس أمرا عبثيا، فقد أمضى القسط الأكبر من حياة دعوته في الشق النظري، والذي تمثل في توطيد معنى التوحيد والإخلاص لله في العبادة، لعلمه  أنه الأصل الذي يبنى عليه غيره ، ولعلمه  أنه لا معنى لكل تلك الطقوس والمناسك والعبادات إذا لم يكن لها معنى؛ والذي هو توحيد الخالق بالعبادة، فالعبادات بمثابة الشجرة والأخلاق هي الثمرة.

ولعل نكستنا اليوم هو تركيزنا على الشجرة وتخلينا عن الثمرة، ولذلك سبقنا الغرب وتأخرنا لأنهم وصلوا إلى الأخلاق بدون الالتفات إلى الدين والعبادات .

ولعلنا نبخس النبي حقه إذا اقتصرنا على الشق الرسالي من حياته، إذ بالتأمل في سيرته العطرة وفي حياته الزكية يتجلى لنا بشكل لا يقبل الريب، عمله على العقيدة وبناء نفسه حتى قبل أن يأمره الله بالصدع بالدعوة، فلا نجد تفسيرا لما كان يقوم به لسنين عديدة في غار حراء ــ من جبل النور ـــ من تحنف/تحنث على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، إلا ترسيخ التوحيد في نفسه أولا، ثم التجرد عن كل الأوهام و الأساطير وبالتالي التحرر المطلق، وذلك بالتأمل والتفكر في ملكوت الله، والدخول في خلوات والانقطاع عن الخلق، خاصة حينما نعلم أنه لم يبعث إلا في سن الأربعين فيتقرر عندنا بما لا يدع مجالا للشك، أن مرحلة الدعوة بشقيها السري والجهري، وبطوريها المكي والمدني ما هي إلا الجزء الطافي من جبل الجليد من حياته .

فإذا كان بناء الإنسان بهذه الأهمية وله كل هذه القيمة، وهو النواة والجوهر الذي أخرج للناس حضارة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإنساني، وضربت مثلا في التعايش والازدهار والرقي.. كان من الواجب الغوص في مكامنه والبحث عن سبل بعثه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.