منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين مكْنَنة الإنسان وأنْسَنة المكينة

د. محمد علي / بين مكْنَنة الإنسان وأنْسَنة المكينة

0

بين مكْنَنة الإنسان وأنْسَنة المكينة

د. محمد علي

 

بكلّ بساطة يعني مصطلح (المكْنَنة): استعمال الآلات محل الإنسان، ويعني مصطلح (الأنْسَنة): التحوُّل إلى الإنسان، وفي كلا المصطلحين نجد أن كل التوجُّه والتركيز ينصبُّ على (الآلة)، في سبيل الوصول لتقديم أجود الخدمات بأقلِّ الأموال والأوقات والجهود، وهذا هو أكبر دافعٍ لهذا التوجُّه، خصوصًا أن العالم كل يومٍ في تطوُّر، والمعلومة كل لحظةٍ في تجدُّد، والثورة مستمرة، والتنافس محموم، والبقاء للأقوى، والاستمرار للإبداع.

التوجه النابع من فكرة ربحية ثم مؤسسية تريد أن تجعل من الآلة الصمَّاء عاقلًا مكتمل الأركان؛ ليقوم عديم العقل هذا بمتابعة ومراقبة وتسيير الإنسان العاقل في حياته ومعاملاته، وقد حقَّق هذا التوجه نجاحًا كبيرًا وتميُّزًا لافتًا؛ جعل من كلِّ مَن أراد السير بالقيم الإنسانية والمؤسسية السامية يتَّجه إليه، ويحاول تطبيقه لديه، ويسعى للحصول على أكبر قدرٍ منه، ليدلَّ على أنه أسبق من الآخرين، وأكثرهم أمانًة وصدقًا وشفافية.

كلَّما كان الاعتماد على الآلةِ أكثر؛ كلَّما قلَّ الاعتماد على الإنسان، ممَّا يُسهم في رفد سوق البطالة وتكدُّس العمَّال الباحثين عن وظائف، فهل نرى في هذا الأمر -إذًا- خطرًا أم إبداعًا وتميُّزًا؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل الذي ينبغي أن يطرحه كل شخص على نفسه ليجيب نفسه بعد أن يحلِّل الواقع ويرى ما يعيشه ويعايشه كلَّ يوم في المعاملات المختلفة هنا وهناك؛ قبل ذلك أذكِّر بما يقوله بعض المطَّلعين من أنَّ الجيل القادم وربَّما بعد بضع سنين؛ سيعمل في وظائف وأعمال لم توجد بعد، وأنَّه سيتم الاستغناء عن آلاف الوظائف في أكثر من مجال ليتمَّ استبدال أصحابها بآلات ومكائن، إذْ ما جدوى وجود مائة أو خمسين موظَّفًا يقوم بعملهم جميعًا آلة واحدة!

بالطبع لن يتم استغناء الإنسان عن الإنسان كلِّيًا، وهذه سنَّة كونية ثابتة، ولكن ما يستطيع له البشر ويتدخَّلون فيه هو الإحلال والإبدال بنسبٍ متفاوتة تعتمد على مدى الحاجة ومستواها، فمثلًا: وفقًا لتقرير 2018 لشركة “برايس ووترهاوس كوبرز” سيتمكن الذكاء الاصطناعي من خلق أكثر من 7 ملايين وظيفة جديدة داخل بريطانيا في مجالات الرعاية الصحية والعلوم والتعليم بحلول عام 2037، لتعويض 7 ملايين وظيفة أهدرت بسبب الأتمتة، وأن التصنيع (-25٪) والنقل والتخزين (-22٪) والإدارة العامة (-18٪) يشهد أكبر انخفاض على المدى الطويل في الوظائف، وقدرت الشركة أن ما يقرب من 20% من فرص العمل ستكون مؤتمتة خلال العشرين سنة المقبلة. PwC  http://cutt.us/WwXEE

فهناك -إذًا- وظائف جديدة، وبالمقابل هناك آلاف الوظائف المفقودة، والخلاصة في أمرين:

الأول: أن التوجُّه نحو إحلال الآلة قويٌّ ومستمر ويشهد تطورًا ومنافسة.

الثاني: أن الوظائف الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي متَّكئة عليه، والمطلوب من الإنسان العامل عليها أن يسايرها في الجودة والإتقان والإنجاز، بعيدًا عن الروتين الذي ربما تعوَّد عليه في الوظائف التقليدية أو الوضع السابق.

وجهة النظر لدى كثير من الناس تميل إلى مكْننة الإنسان وأنْسنة الآلة، أي مع استخدام الآلات لتحلَّ محل كثير من الوظائف وفي كثير من القطاعات ودوائر العمل المختلفة، بشرط أن يتم استخدامها الاستخدام الأمثل المتَّكئ على القيم المؤسَّسية وباحترافية كافية لإنتاج الجودة المطلوبة التي فقدها كثير من الناس في معاملة الناس، وإلَّا فلن يكون هنالك فرقًا بل ربما تفاقمت المشكلة، وتعقَّدت أمور البشر أكثر.

نحن اليوم نرى في كثير من القطاعات كيف يتعامل البشر مع بعضهم، حتى لا تكاد تجد لدى البعض أيَّ قيم إنسانية أو مؤسسية، فالرشوة حاضرة كما هي الوساطة، وعدم التنظيم، والتقديم والتأخير، وهلمَّ جرَّا… بينما تجد في بعض القطاعات أو أكثرها في الدول التي أخذت تعتمد على الآلة وجرَّبها الناس؛ قد وجدوا نتيجة واضحة، وأصبحتَ تنجز معاملاتك إلكترونيًا ومن أيِّ مكان، فبعد أن تستعدَّ بما يُطلب منك من تحضيرات، تتِّبع خطوات معيَّنة، وكل خطوة تؤدِّي لما بعدها، وهكذا حتى تنجز كل الأمور في شفافية واضحة ومعرفة تامة، بعيدًا عن الضجيج والمشاكل التي لا تخرج فيها إلى طريق واضحٍ أو تنجز من خلالها عملًا أو تحقق مقصودًا.

على هذا الأساس، وبحالة الإنسان تلك أمام أخيه الإنسان؛ ألا تكون الآلة أعقل منه وأكثر رحمة وأسمى قيَمًا!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.