منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أطياف الفكر الإنساني فوق عتمات الهواجس

أطياف الفكر الإنساني فوق عتمات الهواجس/ الأستاذ مجيد الحداد

0

أطياف الفكر الإنساني فوق عتمات الهواجس

بقلم: الأستاذ مجيد الحداد

 

 العقل نور والفكر مصباحه الذي ينير عتمات الوجود، وهو فيض من النور الإلهي الأعظم الذي أنار صفحة الكون جمالا وبهاء وجلالا، يبصر به الإنسان الخطى وتتضح له مسالك الدروب، ويستيقظ به من سكرة الخيالات المتخمة بالشك والحيرة، كما يرتقى به من المطالب البهيمية التي لطالما حَجَرت على العقول و أذهبت لبها، وأتعبت الأجساد باستفزازاتها المستمرة للرغبات وتسعيرها المفرط للغرائز.

عقل الإنسان أعجوبة الزمان هبة ربانية فريدة أودعها البارئ جل في عليائه في هذا الكيان الإنساني، وجعله يعمل وفق نواميس فُصِّلت على مقاسه ضمن حدود و قوالب محكمة، إذا تجاوزها أفل نجمه و قل لمعانه و فسد مطلبه و أفلس وظيفته، وأي وظيفة للعقل سوى تبصر الأنوار الإلهية التي تشع في أرجاء الكون ما علــمنا منه وما لم نعلمه، وفقه دلائل صنع الله المعجزة الدالة على تفرده بالخـلـق ووحدانيته في الذات والصفات.

إن و ظيفة العقل: الفكر, و وظيفة الوحي الإلهي بجوار العقل إحياء و إعلاء وظيفته، وإليه فإن الحياة بلا فكر جوفاء عمياء، بل وجود الإنسان بلا فكر و تبصر وجود عدمي؛ فالفكر هو الذي يعطي للوجود المعنى، ويصحو في الإنسان فيبقيه متبصرا فطنا، والوحي يرسم معالم الوجود وينير الإدراك ويضخ فيه الحياة، بل هو و ربي الروح التي تسري في الفكر فتزهر الحياة ” وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” (الشورى: 52). ” وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ” (يس: 69 ــ 70).

هكذا هو الإنسان كائن مفكر، قبل أن يكون شيئا آخر يجاور كائنات أخرها، و ما الفكر إلا عمل العقل و ترجمان الروح وهواجس وخيالات و تبصرات وخواطر يكونها الإنسان من نظرته للوجود والحياة، وينسجها الوحي و تنظُمها الفطرة حتى لا تنفلت أو تنفرط، ولا ينتهي وجود الإنسان حتى تنطفئ الهواجس والخيالات التي تقبع فيه، وتلك الهواجس المستنيرة بنور الحق هي التي تفتح له آفاق الإدراك لمعالم الوجود الذي يحيى فيه، وتحدد له نوع المصير وترسم له التطلعات وتذوقه الأشواق والرغبات الملتزمة، لذلك كان لا بد أن تحتكم الخواطر وتنضبط الهواجس وتستقيم الخيالات، حتى يلزم هذا الإنسان الرشد في الحياة، ولا ينقلب وجوده إلى العبث ثم العدم، ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ” (المؤمنون: 115).

لابد للفكر إذن من نبراس يستنير به و من معايير تحكمه ومن قيم تؤطره، مهما تنوعت الرؤى واختلفت الهواجس وتشابكت الخيالات، و ليس الفكر عمل عبثي، غَوْر المورد، ومفصول السياق، ومنزوع المقصد؛ يعني ذلك كله أن الفكر صناعة وبرمجة للخواطر والتصورات يثمر سلوكات واتجاهات في الواقع، قد تعلي بالإنسان وقد تزري به، وكل الانجازات والممارسات الإنسانية سواء أكانت راشدة أو تائهة أولها فكرة مختمرة في الوجدان، غير أن للرشد أطيافا كما للتيه عتمات.

إن الفكر الرشيد هو ثمرة التفاعل بين الوحي والفطرة النقية و النظر الحديد، وهي أجود صناعة للفكر وأرقى طراز له لأنه بذلك ينهل من خبر السماء ومن وحي النبوة ومن ندى الإيمان واليقين، ليؤسس النظريات ويحدد الاتجاهات ويصوغ المنطق. و بالقابل فهو فكر يحتكم للفطر ة ويصغي جيدا لنداءاتها، لأنها الجبلية التي طبع عليها الخلق وطبعت معه جميع أسراره فيها، إنها السجل العتيق واللوح المحفوظ الذي يحتضن كل القيم والحكم والمعاني الإنسانية النبيلة المبثوثة في هذا الخلق، وتبقى في نهاية المطاف المرجع والملاذ و المحتكم عند اضطراب أمواج الفلسفات وتنوع الاتجاهات وزيغ الأهواء والرغبات.

غير أن أمواج الفكر السائدة اليوم وسيول الكلمات المعبرة عن سقم هذا الفكر وما يحملان من تصورات مائعة لم تجر الإنسانية حقيقة إلا إلى الاضطراب والقلق والحيرة و الشك، فلا مقصد ينجلي ولا مصير يعتلي الأفق، لأن المعاني والأسرار والقيم المبثوثة في سجل الفطرة والتي من المفروض أن تحكم الفكر وترشده، قلبت موازينها ومجتها الأفهام المعاصرة، وصارت الرغبات الزائفة والأذواق المجنونة والانبطاح أمام سلطان الشهوة الجامحة هو الذي يوجه الفكر و يبني التصورات ويحبك المعاني وينسج الخيالات التي لا روح فيها غير خدمة الجسد. ” وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ” (العنكبوت: 38 ).

لا يعكر صفاء المنطق و يطفئ جذوة المجد و العلياء إلا التوسد على فضلات فكر منحط مغرق في المطالب البهيمية التي أبت أن تفهم وتتعقل أشواق الروح وتيجانها، واحتساء عصارة حضارة سلبت الألباب وأزاحت عنها رشدها, هكذا صارت قصة الإنسان أمام جرافات الفضائل ومهلكات الأذواق، وهكذا إذن تتعطل الأفكار وتفسد الرؤى وتموج الهواجس الحائرة كلما تمرغ الإنسان في الشهوات المهلكة وسكر من شراب الهيام للأشياء الفارغة، وقادته الأشواق المجنونة التي قدست الجسد حتى أوصلته إلى الهلاك والإفلاس المعنوي، آنئذ يتحطم الكبرياء الإنساني وتغيب كل المعاني الشريفة فيصير المسكين ألعوبة فوق ظهر الزمان تلتقمه أمواج التيه و الضلال وتلفظه حينا، فلا يقوى بعدها المسكين أن يصمد أو يثبت أمام عنفوانها، لا مصير يلوح له في الأفق ولا هناء يسعد به، ولا أمل يتطلع إليه، وهل بقي له من إفلاس؟. ” وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنـثُوراً ” (الفرقان: 23). ” وَمَن كَانَ فـِي هَـذِهِ أَعْــمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ” ( الإسراء: 72 )، و عمى البصير ة أنكى وأشد من عمى البصر، لأن العين لا ترى إلا الأشياء وهي جمادات صماء مهما طاش بريقها ولكن روحها تقبع في الوجدان , والفكر هو الذي يصبغها جمالا وحسنا وبهاء وحركة مستمرة و يعطي كل مبصَر المعنى الذي شرف به، طبعا إذا استقام الوجدان وتناسق مع الميزان الذي يوزن به الإدراك، حين ذاك يأخذ كل شيء حيزه الذي يليق به في سماء وأرض هذا الكون البهي.

وحين تنهار منظومة القيم الأصيلة المؤسسة للفكر الرشيد، وتنهد معالم الفضائل و يستأسد العبث و يتغول الطيش، يفقد السلوك الآدمي البوصلة وتضيع مقاصد الأعمال وتفسد النوايا، وعندما يتشرب الوجدان كل هذا تظهر على الوجود كائنات غريبة شكلا ومضمونا ومنطقا تأبى أن تفهم أو تتعقل أن المجد والشرف والكبرياء والشموخ والاعتزاز الأممي والحضاري عبثا ينشد إذا لم نحكم نوازعنا وأشواقنا بالمثل العليا التي تعلمناها من رسالة السماء.

ولما يخبو بريق الأشياء الفارغة من المعنى و التي لطالما أغرت وفتنت و سعرت الغرائز حتى أنهكت القوى، آنئذ يشع نور فريد يسري في القلوب المشتاقة للرشد و المجد التي كانت جوفاء محطمة الأركان فتمتلئ فطنة ونباهة و تثمر رشدا وتؤدة,

و عندما يلمع بريق الحق لدى العقول المتعطشة للرشد ويزهو في مخيالها الإيمان وتتشرب الخواطر كلمات الهدى وتختلط الهواجس بنور السماء، يصفو المنطق وينجلي الخبل الذي ران على الأذهان و يصدر الفكر إشراقات وأطياف جليلة تضيء حلكة السماء فتترسم معالم الرشد، وينفجر ينبوع الحكمة فيستحيل عبارات ثقيلة مهيلة وبيانا يسحر الألباب، وتتناسل الأفكار والخطرات و التبصرات التي لا يعقلها إلا من تشرب الإيمان وذاق حلاوة الذكر، إنها بداية الرقي الفكري الإنساني المأمول، و الولادة المنتظرة للفكر الرشيد في زمان ضاعت فيه كل المعاني الإنسانية الأصيلة، و لم يبق في الأفق إلا معاني الجشع والطمع والإغراء… وغيرها من عتمات الهواجس والخيالات التي حجبت أنوار الفكر الإنساني الأصيل.

عودا على بدء، إن الكون نظام جميل معقد التركيب وبسيط الإدراك والفهم، وهو نموذج للحياة التي ارتضاها المولى جل في عليائه للإنسان وغيره من الكائنات، و أخاله عالم من جملة عوالم محكمة الصنع من الحكيم العليم, لذلك عندما نرتقي بفكرنا لفهم مقاصد الحياة و سر هذا الوجود الكوني الفريد تصير خطى وحركات الإنسان متطابقة مع خط الزمان ورحابة المكان، وتستقر الأنفاس وتصحو الضمائر ويستيقظ الإحساس بالخالق العظيم وتتجلى أنواره القدسية في الفكر والمنطق والسلوك وكل حركات وسكنات الإنسان , فلا تعب ولا نصب ولا إرهاق ذهني في البحث والتفلسف عن واجد الوجود , ولا خيالات تائهة أو تصورات تشكو ضعف الرؤية أو خواطر بليدة تجتهد محتشمة لصياغة معاني الوجود والمصير، ولكن بمجرد ما يصحو الشك و يستأسد الإلحاد ويطغى الجحود يتحول السلوك البشري إلى الفوضى ثم الضلال، و يتبعثر كل شيء فتختلط الأوراق و ينقلب الوجود الآدمي حتى يغدو أشبه ما يكون بالكائن الطفيلي الذي يفسد كل شي، فيُصَيّر الحلو مرا والنهار ليلا والفجر و الإشراق ظلاما وتيها، بترسانة مصطلحات تنضح بالتدليس على الفكر الرشيد و في قالب فلسفة عمياء أغرت فأضلت معتقدة أنها حاملة للفتح مخلصة من الأساطير و مرشدة للحقيقة.

خلاصة القول، إن صوت الضمير الإنساني المستنير بالوحي هو معدن الحقيقة وجوهر الحق والمرشد إلى الصواب، حتى و إن تعامينا أو ضللنا أو غفلنا وأصابت بصائرنا غشاوة من فرط عتمات الهواجس والأشواق المستعرة، إن صحوة الضمير السبيل الأوحد لارتقائنا ولزوم رشدنا، إنه الوقود الذي ينير أطياف الفكر الإنساني فتنجلي عتمات الهواجس والخيالات و ما ولدته من رغبات وأشواق هابطة أبطأت خطى الإنسان في مسيرة الزمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.