منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرحم الإنسانية

عطية معين

0

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله و سلم وبارك على سيدنا محمد و آله و صحبه

تعتبر القضية ” الإنسانية ” إحدى القضايا المحورية التي تناولها العديد من المفكرين على اختلاف مشاربهم قديما و حديثا…

كل أدلى فيها بدلوه، وفق توجهاته و إديولوجياته. و من أبرز المفكرين المعاصرين نجد الإمام المجتهد عبد السلام ياسين رحمه الله. حيث جعل هذه القضية إحدى الموضوعات المركزية التي تتمحور حولها معظم كتاباته أو أحاديثه و تسجيلاته.

و لقد أفرد لهذا الموضوع فصلا خاصا في كتابه ” إمامة الأمة ” عنونه بالكرامة الأدمية.

حيث يرى الإمام عبد السلام ياسين أن الله عز وجل خلق الإنسان وهيأه لكرامته في الدنيا باعتباره من بني آدم، كما هيأه للخلود في الجنة، أو العذاب في النار جزاء كسبه.

و لعل عناية الله عز وجل بالإنسان، هي بعثه بالرسل إليه لكي يبلغوه بان له ربا، و أن ربه لا يريد أن يشرك به شيئا. و لا أن يظلم الناس، و لا أن تستفزه الدنيا فينسى الآخرة، و أن لا يغتر بقوته فيستعبد الضعيف، و لا تغلبه شهوته أو يأخذه حسه و متاعه فينسى أن له قلبا هو محور صلاحه و سعادته الدنيوية و الأخروية.

قال الله تعالى: ] و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [ 70 [1].

فإذن الأرض بخيراتها خلقت لبني آدم، و أيضا خلق ابن آدم للكرامة عند الله، إن لم تستعبده شهواته و لم تفتنه الدنيا.

ذكر الإمام عبد السلام ياسين سورة البلد، حتى يصف لنا كبد الإنسان و تعبه وسط الدنيا وفتنها من خلال قوله تعالى: ] فلا اقتحم العقبة 11 و ما أدراك ما العقبة 12 فك رقبة 13 أو إطعام من يوم ذي مسغبة 14 يتيما ذا مقربة 15 أو مسكينا ذا متربة 16 ثم كان من الذين آمنوا و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة 17 أولئك أصحاب الميمنة 18 و الذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة 19 عليهم نار موصدة 20 [.

إذن هذا هو الإنسان في دار متسعة أرجاءها، كثيرة أرزاقها، منعم فيها بحواسه وصحته، تبعث إليه الرسل، تدعوه إلى نعيم الجنة، غير أنه حائل في الدنيا، بغرائزه، مفتون بما تلقاه من تربية في أسرته، بمكانه في مجتمعه، بأفكاره، بطموحه الدنيوي و أيضا بما يقع عليه من ظلم، و ما يقوم به هو من ظلم الناس.

و يرى الإمام أن حق الإنسان في التحرر من كل هذا الذي يصرفه عن ربه، يلهيه عن مصيره إليه في دار البقاء، هو مجمع حقوقه في الإسلام و مدارها.

و في الفصل الأول من المنهاج النبوي، المعنون باقتحام العقبة إلى الله، في فقرة عقبات [2]، افتتح الإمام كلامه بقوله تعالى: ] لقد خلقنا الإنسان في كبد [ إنه خطاب للإنسان من حيث كونه إنسانا في كبد، فيه حث و استنهاض لهمته و تشجيع لاقتحام عقبات النفس المجبولة على الراحة و الشح….. حتى يصبح مؤهلا للانضمام لجماعة المؤمنين المتواصين بالصبر و المرحمة. المصطفين للميمنة و السعادة عند الله كما جاء في السورة الكريمة.

إذن فالخطاب الإسلامي، موجه إلى أعمق ما في الإنسان، و هو إحساسه الدائم بالعبثية و الفراغ ما دام بعيدا عن الله. ثم تنتقل به و ترفعه في صحبة المؤمنين المتواصين المتراحمين الصابرين، إلى طلب أسمى غاية و هي وجه الله و الكينونة مع أصحاب الميمنة.

يقارن الإمام عبد السلام ياسين في كتابه إمامة الأمة [3] بين حقوق الإنسان في مذاهب الجاهلية و الرأسمالية و الاشتراكية ليخلص إلى نتيجة واحدة تشترك كلها مع حقوق الإنسان في الإسلام.

إن شرف الإنسان و كرامته و حريته تأتي من كونه مخلوقا سماويا بروحه، غير أن حاجات جسمه الأرضي، و ظروفه الحيوية و الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، تثقله عن الصعود من هذا السجن الأرضي إلى سعادة الأبد.

يبين لنا الإمام رحمه الله أن الإسلام يهئ الطريق للإنسان، عبر توفير عدة وسائل لرحلة ناجحة، تبتدأ من الميلاد إلى الموت، تتمثل في الانتقال من الحيوانية للروحانية، و من الغفلة عن الله عز وجل إلى الذكر، و من الكبد في الدنيا إلى لحظة الراحة حيث لقاء ربه و هو عنه راض.

يتحدث الإمام عبد السلام ياسين عن الفكر الليبرالي الذي يربط حقوق الإنسان بسعادة الفرد، و يتصورها مزيدا من المتعة و اللذة. أما الفكر الشيوعي يسعى لنفس السعادة المادية و إن كان يقدم حقوق الجماعة على حقوق الفرد.

إذن في كلا الفكرين اهتمام باللذة المادية و القوة الحسية، بينما يرى الإمام – دون الخوض فيما آلت إليه هذه الأفكار – يبسط حقوق الإنسان في توفير شروط الرحلة الكريمة إلى الآخرة و التي ذكرها آنفا، لتبقى القضية المحورية هي العرض الإلهي و الرسالة الربانية باقتحام العقبة إلى الله.

و توضيحا لذلك نستدل بما جاء في مقدمات في المنهاج [4]: ” رسالتنا لانفسنا و للإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد، أن يكون ابتغاء رضاه، و السباق إلى مغفرته و جنته، و السير على مدارج الإيمان و الإحسان لمعرفته، و الوصول إليه، و النظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة و حادي المسارعة و قبلة الرجاء……….”.

و أيضا جاء في نفس المرجع:

“…………فلا يمنعنا تشبثنا بسنة نبينا صلى الله عليه و سلم أن نفكر و نخطط و نطرح مشاكل المستقبل بوسائل الحاضر، لا سيرا مع الخط الذي تسير فيه الحضارة المادية، الصائرة إلى الهاوية، لكن إعدادا لقوة العلم و التنظيم كي نحل مشاكل التنمية، و نحل معها مشاكل الحضارة المادية المفروضة علينا، ريثما نقيم حضارة أخوية على مستوى حاجة الإنسانية للحرية، و طمأنينة العيش و النفس و نرد السلام للعالم، و لا باستعباد الإنسان و هضم كرامته و حقوقه الآدمية، و لا بطحن جسم الإنسان ووقته بين عجلات الإنتاج و الاستهلاك و لا بتشويه نفس الإنسان و حياته الفكرية و العاطفية بالثقافة المنحلة المخدرة العنيفة……….”

إنها رؤية واضحة جلية للإمام عبد السلام ياسين لماهية الإنسان و التي لا تحيد قيد أنملة عن الله و عن سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، حيث الخلاص صونا لكرامة الإنسان و آدميته.

و كمــــــــا قـــــــال الإمام عـــــــــلي كرم الله وجهه: ” لا تكـــــــــن عبد غيـرك و قد خلقك الله حرا “، و مثيلتها الكلمة الـمشهورة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا “.

يسمي الإمام عبد السلام ياسين الصلة الجامعة للعباد بالرحم الواحدة…رحم الإنسانية بموجب قوله عز وجل: ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا [ [5].

و يرى الإمام أن على العباد كلهم واجبات اتجاه إخوتهم في الرحم الآدمية و الإنسانية، لا تنافي و لا تزاحم و لا تعطل الإلزام الولائي بين المؤمنين و الاصطفاف في صف المسلمين.

يقول رحمه الله في الفصل الخامس من كتاب العدل [6]: ” بر الرحم الآدمية يحبه الله الجليل الرحيم ”

قال عز من قائل: ] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين [ [7].

و لــــــقد كـــــــــــان حدب رســــل الله الشفقـــــــة عــــــلى الخلق و الخوف عليهم من عذاب الآخرة، قال عز وجل عن ســـــيدنـــــا نــــــــوح عــــليه الســـــــلام: ] فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم [ [8].

و عن سيدنا شعيب عليه السلام: ] إني أراكم بخير و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط [ [9].

و ما كان دعاء نوح عليه السلام بالهلاك على قومه إلا بعد أن جاءه الوحي: ] أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون [ [10].

يوضح ذلك الإمام عبد السلام ياسين بقوله: ” الأصل أن لا يبتئس الرسول و المؤمن الوارث المبلغ رحمة و شفقة و خوفا على الخلق، يملي ذلك عليه إيمانه من أعلى واجب حقوق الإنسان، من جانب الدين و المروءة معا ” [11].

و في هذا الصدد أيضا يقول: ” يقف باعث المروءة عند معاملة المثيل البشري بتوفير كرامة العيش الدنيوي، و يطلب الدين ان تحسن إلى الناس في معاشهم بقصد ان تدعوهم إلى صلاح معادهم..” [12].

لقد حدد الإمام عبد السلام ياسين الباعث على احترام حقوق الإنسان، و على أداء حقوق الإنسان، على الجهاد من أجل حقوق الإنسان، باعث عال و سام، فهو يرى أن كل تدين لا يكون من مضمونه الشفقة على الخلق، و من أهداف جهاده البر بالخلق و العدل في الخلق، يسميه الإمام – تدين أجوف.

أما الإنسانية فهي منقوصة مبتورة إذا كانت اهتماماتها بالحقوق الدنيوية للإنسان دون حقه الأسمى.

غير ان هذه الرحم الإنسانية التي تجمع الخلق بمختلف مشاربهم و أعراقهم و دياناتهم، يرى لها الإمام عبد السلام ياسين، ضوابط و حدود تحكمها وتقننها.

ففــــي كـــــــلمة للإمـــــــــام عـــــــلـي كـــــــرم الله وجــــهه قال: ” الناس صنفان، أخ لك في الدين، و نظير لك في الخلق “. بمعنى أن من كان مثيلا لك في الخلق، يستحق اعتبارا لا يتجاوز مرتبته، إن كان مخالفا لك فـي الدين. أي أن خلقه يرفعه عن عامة البشر، لكن يخرجه من دائرة الكفر إن كان لا يؤمن بالله و لا باليوم الآخر.

في هذا يقول الإمام عبد السلام ياسين: “……أما أن يستدرجك بخلقه حتى تتنازل عن دينك أو تتناساه أو تسكت عن ” غيبياته ” مجاراة، فذلك انزلاق في ” المثلية البشرية ” التي حاج بها الكفار الرسل فوجدوا الرسل جبالا شما لا تتزعزع. قال الرسل عليهم السلام: ] إن نحن إلا بشر مثلكن و لكن الله يمن على من يشاء من عباده [ [13].

إذن الأخوة الدينية لها واجباتها وحقوقها، و النظيرية في الخلق حقها أن نبر و نقسط، و المثلية البشرية لا نتركها تسحبنا إلى أسفل.

إنـــــــــه لأمــــــــر واقـــــــع أن نعتــــــرف بــــــــالجــــــهود الـمحمودة التي يبذلها الفاضلون للدفاع عن حقوق الإنسان، بــــــل ينبـــــــــغي أن نتعاون مع نداء الضمير الإنساني في سبيل ذلك، ما لم يتعارض ذلك مع أصل من أصول ديننا.

يقول الإمام عبد السلام ياسين: ” أنا لا أتنازل قيد شعرة عن أمر الله و سنة رسوله مجاراة لأحد “.

و أيضا: “…..اقرأ كلمة الله تعالى الرحمان الرحيم بخلقه فلا أضع الشفقة على الخلق التي جبلني عليها سبحانه في غير محلها الشرعي. و أقول: أف تف ! للحساسية التي لا تقبل أمر الله عز وجل. و أرفض التعاون مع النظراء، و أعتز بديني، و أتعالى عن المثلية البشرية التي تجردني منه كله إن تعاميت عن بعضه…….[14].

مناط البشرية و خلاصها، ومحور الإنسانية و جوهرها هو الايقان باليوم الآخر.

هكذا دأب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في جل المواضيع سواء منها الدينية أو الدنيوية على ربطها بالآل و المآل.

فهو يرى أن شفقتنا على النظير الخلقي حاملة لنا على أن نسمعه خبر الآخرة.. و من حقنا على الخلق أن نعلم و أن نعلم، أن نخبر مجرد الإخبار و الله تعالى يتولى فتح القلوب أو يختم و يحل الأختام.

و نتاج ذلك أن لا ينجذب المؤمنون إلى حضيض المثلية البشرية، و لا يخجلوا من إنجازات الفضلاء، فيسكتوا عن حق الإنسان من سماع النبأ العظيم.

إذن كلمتنا، كلمة الله التي تتعطش إليها الإنسانية المتسكعة في جفاف ماديتها، هذا هو البلاغ الحق، الواجب أن نسمعه للعالم بلسان الحال و المقال.

 المصادر و المراجع: 

  • لسان العرب لابن منظور – المجلد 1 – دار صادر بيروت.
  • المنهاج النبوي تربية و تنظيما وزحفا – عبد السلام ياسين – الطبعة الثالثة 1414 هـ – 1994 م – الشركة العربية الإفريقية للنشر و التوزيع.
  • إمامة الامة: عبد السلام ياسين – الطبعة الأولى 1430 / 2009 دار لسان للطباعة و النشر
  • العدل: الإسلاميون و الحكم – عبد السلام ياسين – الطبعة الأولى 200.
  • الإسلام غدا – عبد السلام ياسين – طبعة 1393 هـ – العمل الإسلامي و حركية المنهاج النبوي في زمن الفتنة.
  • تنوير المؤمنات: ج 1 – عبد السلام ياسين – الطبعة الأولى 1996 – مطبوعات الأفق الدار البيضاء.

[1] – 70 الإسراء / البلد

[2] – المنهاج.

[3] – ص 98 – 99.

[4]

[5] – النساء.

[6] – ص 329.

[7] – الأعراف: 99

[8] – هود: 36

[9] – سورة الممتحنة 18

[10] – هو: 36.

[11] – العدل، ص 329.

[12] – العدل: ص 329.

[13] – العدل ص 32 (سورة إبراهيم: 11)

[14] – العدل 322.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.