منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأنسنة والإلحاد هل هما وجهان لعملة واحدة؟ “مداخلة د. محمد عبد الحليم بيشي”

عبد العزيز ثابت  

0

افتتحت الجلسة الثانية لمؤتمر المعالي الدولي الثالث والتي انعقدت يوم الأحد 4 أبريل 2021 الموافق 21 شعبان 1442 ابتداء من الساعة 19:00 بتوقيت مكة المكرمة،

بموضوع: الأنسنة والإلحاد هل هما وجهان لعملة واحدة؟ لفضيلة الدكتور محمد عبد الحليم بيشي الأستاذ بقسم العقيدة والدعوة بكلية الشريعة بجامعة قطر، موضوع استهله بطرح عدة تساؤلات عن العلاقة بين الأنسنة والإلحاد، وهل من تأثير من الأنسنة في ميلاد الإلحاد، أم أن هناك انفصالا بينهما، ليعمل بعد ذلك على تلمس معالم الإجابات على كل ذلك من خلال النقط التالية:

مقدمات تمهيدية

تتحدث عما يتناوله الكثيرون بخصوص مصطلح الأنسنة كأحد المقالات الإبداعية لعصر النهضة والحداثة، وانتصار الإنسان الحديث على كل إخفاقات الإنسان القديم في تطويع الطبيعة والسيطرة عليها، منبها إلى أن هناك  مسكوتا عنه يتعلق بالكلفة الاجتماعية والنفسية التي دفعها الإنسان في سبيل ذلك بتخليه عن الميراث الروحي الذي جاءت به الديانات والفلسفات المثالية والأخلاقية عندما كفر بالوعد الأخروي وبالغيب الذي مكنه من تجاوز كل الصعاب، إضافة إلى حقيقة أن تيار الأنسنة كان من مصعدات موجات الإلحاد الحديثة والمعاصرة التي ضربت القيم الأخلاقية النبيلة وأذكت العداوة بين الناس وأشعلت الحروب وسوغت الاستعمار وارتكاب الفظائع.

المبحث الأول: مفهوم الأنسنة أو النزعة الإنسانية

المزيد من المشاركات
1 من 96

حيث عرفها بأنها اتجاه فلسفي هيمن على عديد من الحقول العلمية بعد عصر النهضة، تقوم فكرته على مركزية الإنسان في الكون وفردانيته ومرجعية العقل الإنساني في المعرفة مقابل تأخير المعرفة الدينية والكفر بالمعرفة الغيبية واعتبارها من التفاهات أو من الأساطير. وكان من ثمار نزعة الأنسنة أن تولد عنها مفهوما العلمانية والإلحاد، وانتهى الأمر بمصطلحها أن أصبح خطا موازيا للدين لا يلتقي معه، وللعقل فيه سلطة صناعة القيم وصياغة الهويات وبناء المفاهيم.

المبحث الثاني: جذور وأسباب نزعة الأنسنة

انتقل الدكتور محمد عبد الحليم بعد ذلك للحديث عن جذور الأنسنة حيث بداياتها في الفكر اليوناني مع اعتقاد قدرة الإنسان على مواجهة الآلهة ونيل الحكمة منها، وعند السفسطائيين القائلين بأن الإنسان هو معيار الحكم على الأشياء فلا وجود لحقائق ثابتة أو مطلقة. هذه النزعة اليونانية قبرت مع المسيحية التي أعطت للوحي مكانته الكبرى في صياغة الحياة. أما عند المسلمين فالأنسنة أو الحديث عن الإنسان وكرامته كان في إطار اعتبار الإنسان عابدا لله تعالى بخلاف المفهوم السابق، متمسكا بأخلاقه مبتعدا عن الأهواء، حتى مفهوم الإلحاد المراد به إنكار وجود الله تعالى لم يكن مطروحا في التاريخ الإسلامي بل كان بمعنى إنكار النبوة والمعجزة والكرامات والخوارق. وعزا الدكتور عبد الحليم الأسباب التي فجرت نزعة الأنسنة إلى الحروب الدينية الكنسية الفضيعة والتي امتدت  لسنين طويلة في أوروبا، إلى جانب التاريخ الأسود للكنيسة  حيث خلع الباباوات والقساوسة لباس الزهد لينغمسوا في الثراء مما دفع العامة للكفر بهذا الدين، إضافة إلى الحرب التي شنت على العلم وكذا الإقطاع والملكية اللذان جثما على أوروبا لقرون بدعم الكنيسة، ثم الحرب على المرأة التي حملت وزر الخروج من الجنة، والتي كان ينسب إليها كل طامة أو وباء بل تسلط العقوبة عليها، وكذلك الاضطهاد الذي كان يتعرض له اليهود.

المبحث الثالث: الطبعات التي تدرجت فيها الأنسنة حتى عصرنا الحالي

بعد حديثه عن أسباب نزعة الأنسنة ركز الدكتور عبد الحليم حديثه في بيان الطبعات التي تدرجت فيها الأنسنة حتى عصرنا الحالي والتي هي: الأنسنة الأدبية الإحيائية التي كان شعارها العودة إلى الآداب الوثنية والآداب اليونانية وتمجيد إنسان الطبيعة والقول بالأخلاق الطبيعية، فالطبعة الإصلاحية الدينية التي نادت بإصلاح الكنيسة بقيادة مارتن لوثر والقائلة بقدرة العقل على فحص الكتاب المقدس. هذه الطبعة ولدت تيارين كبيرين هما التيار الربوبي القائل بالقدرة على معرفة الإله دون حاجة للوحي وتيار الدين الطبيعي المؤكد لإمكانية خلق دين طبيعي وقيم أخرى غير القيم المسيحية، فالأنسنة العلمية المادية التي قالت بأن العقل يمكن أن يكون المصدر الأول للمعرفة والتي تزامنت مع  موجة الاستعمار الحديث الذي ولد الاستعباد والإبادة والطبقية والسيطرة على الطبيعة، فالطبعة الملحدة العدمية المتوحشة في عصر ما بعد الحداثة والتي قامت على أن الذي يصنع الأخلاق هو الإنسان القوي (السوبرمان) الذي يسحق كل الضعفاء والعجزة (فضائع النازية والشيوعية كمثال)، إلى الطبعة اليائسة التائهة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية والتي قالت بموت الإنسان في المذاهب الوجودية وغيرها، إلى الطبعة الأخيرة المعاصرة مع الإلحاد الجديد التي تبحث عن الإنسان الخالد (القضاء على المرض، الاستنساخ، زرع الأعضاء، تحوير الهرمونات  والجينات،…)، والتي كانت نتيجتها تغييب الجانب الروحي وتلطيخ المجتمعات المتدينة.  حيث فصل الدكتور في توضيح كل واحدة على حدة، ثم ختم بالقول أن نقض الأنسنة أمر عريض وطويل لكن يمكن تناوله من مدخلين: المدخل الطبيعي حيث أن الظاهرة الطبيعية يمكن توقعها والتحكم فيها لكن الإنسان بفطرته لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وأن الطبيعة لا تملك إرادة حرة بعكس الإنسان الذي له ذاكرة وإرادة حرة، واللغة القاهرة التي نتواصل بها كأكبر ناقض للطبعات  والنظام اللغوي والشبكات التي نتواصل بها والتي تحمل قيما أخلاقية، فعند لفظ أبي أو أخي أو عمي،… في داخل هذه اللغة قيما أخلاقية راقية فطرنا عليها والتي تعبر عن الاحترام ورد الجميل والاعتراف بالإحسان. في حين كان أخطر ما دعت إليه هذه الطبعات الإنسانية هو القول بنسبية الأخلاق وتغيرها وتمايزها مما دمر البشرية تدميرا شديدا.

خلاصات ختامية

وقد جعل الأستاذ المحاضر لمداخلته خلاصات بسطها كما يلي:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

-الإنسان عبد لله عز وجل وليس موازيا لوجود الله وهو سيد على ما سواه سيادة غير مطلقة وإنما سيادة تسخير، وأنه يسير في هذ الكون بما أراد الله {و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحا }.

-الحرية الملتزمة: إما عبد لله أو عبد لغيره وخاصة الهوى.

-الأخلاق أساسها الدين والإيمان بالجزاء، لأن الإنسان قد يتجاوز القانون وقد يكفر به.

-المذاهب الإنسانية أخلت بالإنسان نتيجة إيمانها بأخلاق القوة والصراع.

-الأنسنة الملحدة قابلتها أنسنات مؤمنة أخلاقية من داخل الفكر الغربي كالرومانسية.

-الكلفة الاجتماعية والنفسية لإنكار الغيب والله كبيرة جدا.

-الحضارة هي الموقف الأخلاقي، والمسافة من الغريزة والحاجة.

-الإنسانية في الإسلام هي الكرامة، الوسطية، الرقي بالروح، القيم الخالدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.